خيانة 16 أكتوبر ومسيرة نضال شعب كوردستان

الدكتور كمال كركوكي*

هناك أيام في تاريخ الشعوب لا تُقاس فقط بما خلّفته من ظلم وعدوان، بل أيضاً بما تكشفه من حقائق وما تتركه من دروس في مسيرة النضال، وفي معنى الالتزام بالمبادئ والمصالح العليا للأوطان. وفي الذاكرة السياسية والنضالية لشعب كوردستان، سيبقى يوم خيانة 16 أكتوبر 2017 واحداً من أكثر تلك الأيام دلالةً ً؛ ليس لأنه شهد تبدلاً في خطوط السيطرة فحسب، بل لأنه كشف، في لحظة مصيرية، الفارق بين من ثبت على مبادئه دفاعاً عن القضية العادلة لشعبنا المضطهد، ومن قدّم مصالحه الشخصية والحزبية الضيقة على قضية شعب ومصيره.
ولم تأتِ خيانة 16 أكتوبر نتيجة اختلال مفاجئ في موازين القوى في ساحة المعركة، بل جاءت نتيجة اختلال في ميزان المبادئ، وفي عمق الإيمان بتضحيات شعب كوردستان.
ففي فجر ذلك اليوم، أُخليت مواقع استراتيجية وعسكرية بصورة مفاجئة، استناداً إلى اتفاقات سرية مشبوهة، وفُتح الطريق أمام قوات ومجاميع وميليشيات مسلحة، مدعومة من قوى إقليمية، للتقدم نحو كركوك، في مشهد شكّل تنكراً لتاريخ طويل من التضحيات التي قدمها شعب كوردستان وقوات البيشمركة دفاعاً عن المدينة وأهلها.
كانت كركوك قد شهدت، منذ سقوط النظام السابق عام 2003، تضحيات جسيمة قدمتها قوات البيشمركة والمخلصون من أبناء المدينة، ثم جاء عام 2014 ليضعها أمام أخطر تهديد في تاريخها الحديث. ففي الوقت الذي اجتاح فيه تنظيم داعش مساحات شاسعة من العراق، وانهارت أمامه قطعات عسكرية كاملة خلال أيام، بقيت كركوك عصية على التنظيم، بفضل صمود أهلها وبسالة قوات البيشمركة وتضحيات شهدائها، التي تصدت لأعتى تنظيم إرهابي عرفه العراق في تاريخه الحديث.
ولهذا، فإن ما جرى في خيانة 16 أكتوبر لم يكن امتداداً لمعركة خسرها الكورد، بل مثّل تنكراً لتضحيات شعبنا التي صانت كركوك حين كانت مهددة بالسقوط في يد الإرهاب، وتقويضاً لمسار تنفيذ المادة (140) من الدستور، وصولاً إلى مؤامرة واضحة من خونة 16 أكتوبر لتسليم المدينة إلى القوى الإرهابية.
لم تكن الأيام التي سبقت الخيانة أياماً عادية. فقد شهدت المنطقة تحركات سياسية وأمنية وضغوطاً إقليمية وداخلية شرسة استهدفت قيادة إقليم كوردستان، وفي مقدمتها الرئيس مسعود البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، بهدف دفعهم إلى التراجع عن المواقف والمبادئ التي تمسكوا بها وعن الإرادة التي عبّر عنها شعب كوردستان.
لكن تلك الضغوط أخفقت.
لم تفلح التهديدات في تغير موقف الرئيس مسعود البارزاني أو دفعه إلى التراجع عن إيمانه العميق بعدالة قضية شعب كوردستان، كما أخفقت الضغوط السياسية والإقليمية في حمل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على التخلي عن مبادئه أو المساومة على الحقوق والمصالح العليا لشعب كوردستان. وفي لحظة كان فيها الثبات على الموقف اختباراً للقيادة والإرادة السياسية، اختار الرئيس بارزاني والحزب التمسك بالمبدأ، ورفض تحويل حقوق الشعب إلى ورقة خاضعة لموازين الضغط أو الحسابات الظرفية.
وحين فشلت الضغوط في تحقيق أهدافها، جاء خيار الخيانة للمتآمرين.
ومنذ اللحظة الأولى، كانت قراءة الحزب الديمقراطي الكوردستاني واضحة: ما جرى في كركوك لم يكن نتيجة تطور عسكري طبيعي، بل نتيجة تفاهمات وقرارات مسبقة اتخذتها قوى وأجنحة سياسية معروفة اختارت الارتهان للغير على حساب الكرامة والمبادئ، وقدّمت مصالحها الشخصية والحزبية الضيقة على حماية كركوك وشعب كوردستان والمصالح العليا للقضية الكوردية.
وقد كشفت طبيعة الانسحابات، وتوقيتها، وإخلاء المواقع الاستراتيجية والعسكرية بالتزامن مع تقدم القوات والمجاميع المسلحة، حقيقة ما جرى. لم يكن الأمر ارتباكاً في الميدان، ولا خطأً تكتيكياً، ولا قراراً عسكرياً اقتضته ظروف المعركة. لقد كانت خيانة سياسية وعسكرية ومبدئية تركت آثاراً عميقة في ذاكرة شعب كوردستان.
بل إن كثيرين من داخل القوى السياسية نفسها أعلنوا لاحقاً رفضهم لما جرى أو تبرؤهم منه، إدراكاً لحجم ما ارتُكب في ذلك اليوم بحق كركوك والبيشمركة وقضية شعب كوردستان. ثم جاءت اعترافات بعض المسؤولين المرتبطين بأحداث خيانة 16 أكتوبر لتكشف جانباً آخر من حقيقة ما جرى، إذ ظهروا عبر شاشات التلفاز ليقرّوا بأن 38 من أصل 50 شخصية من قياداتهم كانوا قد وقّعوا اتفاق الخيانة، وعرضوا وثيقة مكتوبة تحمل تواقيع تلك الشخصيات، بما أظهر حجم الترتيبات والمؤامرات السياسية التي سبقت ذلك اليوم، وعمق المسؤولية التي ترتبت عليها.
أما قوات البيشمركة، فلم تكن هي التي أخفقت.
فتلك القوة التي قاتلت داعش لسنوات، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى، وحمت كركوك وأربيل ومناطق واسعة من إقليم كوردستان والعراق، وكانت قوةً ضاربة ومفتاح عمليات تحرير الموصل، لم تكن لتفقد قدرتها القتالية بين ليلة وضحاها. بل إن قياداتها كانت على علم بوجود بعض التحركات والمحاولات المشبوهة، إلا أنها لم تكن تتصور أن يبلغ الأمر بالمتآمرين هذا الحد من الخيانة والارتهان للعدو، وأن تُقدَّم المصالح الشخصية الضيقة على المصالح العليا لشعب كوردستان.
ما حدث هو أن قطاعات حيوية أُخليت بصورة مفاجئة، وهكذا كشفت خيانة إخلاء المواقع وفتح المحاور أمام القوات المتقدمة حجم الخيانة التي استهدفت شعبنا ومصالحه العليا ومهّدت لما جرى لاحقاً. ولذلك، فإن ما حدث يمكن تفسيره بما سبق المواجهة من ترتيبات أخلّت بالجبهة وغيّرت ميزانها.
ولهذا بقيت خيانة 16 أكتوبر في ذاكرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وشعب كوردستان باعتباره طعنة وخيانة سياسية وعسكرية ومبدئية وجهت في واحدة من أكثر اللحظات التاريخية حساسية وتسببت في عرقلة نيل شعبنا الكريم لكافة حقوقه المشروعة.
ولم تتوقف القوى التي ارتبط اسمها بتلك الأحداث عند حدود ما فعلته في ذلك اليوم، بل سعت لاحقاً إلى صياغة رواية تبرر بها ما جرى، من خلال تحميل استفتاء 25 أيلول 2017 مسؤولية الأحداث، وكأن ما حدث في كركوك كان نتيجة حتمية لقرار شعب كوردستان ممارسة حقه في التعبير عن إرادته. غير أن خيوط ما جرى أخذت تتكشف بصورة أوضح عندما عاد بعض الأشخاص أنفسهم، ممن تحدثوا سابقاً عن توقيع 38 قيادياً على ذلك الاتفاق، ليتنصلوا ويقرّوا لاحقاً، وبعبارات صريحة، بأن مجموعة من داخل حزبهم كانت مسؤولة عن تسليم كركوك وما رافق ذلك من ترتيبات اعتبروها هم أنفسهم خيانة. وهنا تتهاوى محاولة تحميل الاستفتاء مسؤولية ما جرى، لأنها لا تعدو أن تكون محاولة لقلب الحقائق وإخفاء المسؤولية السياسية عن خيانة 16 أكتوبر.
وهذه محاولة لقلب الحقائق.
فالاستفتاء كان تعبيراً سياسياً سلمياً وديمقراطياً عن إرادة شعبية. شارك فيه الملايين عبر صناديق الاقتراع، وصوتت أغلبية تجاوزت 92% لمصلحة الاستقلال. لم يكن الاستفتاء إعلان حرب، ولم يكن محاولة لتغيير الحدود بالقوة، ولم يستهدف إسقاط مؤسسات الدولة العراقية أو فرض واقع جديد بالسلاح. كان ممارسة ديمقراطية عبر فيها شعب كوردستان، بصورة سلمية وحرة، عن رؤيته لمستقبله وحقه في تقرير مصيره.
ولذلك فإن استخدام الاستفتاء غطاءً لتبرير خيانة 16 أكتوبر ليس إلا محاولة لإخفاء مسؤولية وخيانة من فتحوا الطريق أمام ما جرى.
فالاستفتاء لم يخلق الأطماع في كركوك.
ولم يخلق مشكلة المادة 140 التي بقيت الحكومات العراقية المتعاقبة تتلكأ في تنفيذها.
ولم ينشئ القوى والمجاميع المسلحة.
ولم يؤسس النفوذ الإقليمي داخل العراق.
ولم يخلق الارتهان للخارج.
ولم يكن هو الذي دفع أطرافاً سياسية إلى التخلي عن مواقع كانت تحت حماية البيشمركة.
كل هذه الوقائع كانت موجودة قبل 25 أيلول 2017.
أما ما فعله الاستفتاء، فهو أنه كشف المواقف على حقيقتها. كشف حجم العداء لتطلعات شعب كوردستان، وكشف حجم الضغوط التي يمكن أن تمارس عندما يقرر هذا الشعب التعبير عن إرادته، وكشف، قبل كل شيء، من بقي متمسكاً بالمبادئ ومن كان مستعداً للتنازل عنها تحت ضغط المصالح والولاءات الخارجية.
وبالنسبة إلى الحركة القومية الكوردية، لم تكن كركوك يوماً مجرد محافظة نفطية أو رقعة جغرافية قابلة للمقايضة.
كركوك جزء أصيل من الذاكرة التاريخية والسياسية لشعب كوردستان، ومحافظة دفعت ثمناً باهظاً لعقود من سياسات التعريب والتغيير الديموغرافي ومحاولات تغيير هويتها. وبعد 2003، أصبحت قضيتها واحدة من أبرز القضايا الدستورية غير المحسومة في العراق، وجاءت المادة 140 لتضع مساراً دستورياً لمعالجة آثار تلك السياسات، إلا أن هذا المسار بقي معطلاً.
لذلك لم يكن ما حدث في خيانة 16 أكتوبر مجرد انتقال للسيطرة على مبنى محافظة أو حقل نفطي. كان استهدافاً لمكتسبات تحققت عبر عقود من النضال والتضحيات، ومحاولة لفرض واقع سياسي وأمني جديد على كركوك والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم.
ومن هذه الزاوية، ستبقى خيانة 16 أكتوبر نموذجاً لما يمكن أن تفعله الخيانة والارتهان عندما تتقدم المصالح الشخصية والحزبية الضيقة على المصالح القومية، وعندما تصبح إرادة الخارج أكثر حضوراً من الوفاء للقضية ولتضحيات الشعب والماسي التي تعرض لها في حملات الأنفال والقصف الكيمياوي وغيرها من سياسات الإبادة الجماعية والسياسات القسرية التي مارستها مختلف الأنظمة ضد شعبنا وحقوقه.
لكن خيانة 16 أكتوبر لم تكن نهاية القصة. فالتطورات التي أعقبت ذلك اليوم رسخت موقف الرئيس مسعود البارزاني، القائم على أن المبادئ لا تتجزأ، وأن المصالح العليا لشعب كوردستان تعلو على أي حساب حزبي أو مكسب آني، فيما تبقى الإرادة السياسية المستندة إلى قوة البيشمركة وعدالة القضية قادرة على فرض حضورها مهما اشتدت التحديات. وسيستعيد شعبنا كامل حقوقه المشروعة وهذا اليوم أتٍ لا محالة؛ فحقوق الشعوب لا تُمحى بالخيانة، ولا تُسقطها الصفقات، ولا يستطيع ظرف عابر أن يبدد قضية رسختها التضحيات وصانتها إرادة شعب.
ومن ثم جاءت معركة بردي ومن بعدها معركة سحيلة لتقدم البرهان الميداني على ذلك.
فحين حاولت القوات والمجاميع المتقدمة استكمال اندفاعها والتوغل باتجاه مناطق أعمق في إقليم كوردستان، وقفت قوات البيشمركة وقفة أبطال، وواجهت الهجوم رغم ما امتلكه الطرف الآخر من أسلحة ومعدات وإسناد كبير.
وفي بردي، انكسرت موجة التقدم.
وكانت تلك المعركة أكثر من انتصار عسكري.
لقد كانت رداً واضحاً على محاولة تصوير أحداث كركوك باعتبارها انهياراً لقوات البيشمركة. ففي بردي، حيث لم تكن هناك مواقع تُسلّم من الخلف ولا محاور تُخلى بصورة مفاجئة، ظهرت حقيقة الميزان في الميدان: البيشمركة قادرة على القتال، وقادرة على الصمود، وقادرة على وقف التقدم والانتصار عندما تكون خطوطها ثابتة وإرادتها مصونة.
ولهذا دوّى صدى بردي أبعد من أرض المعركة نفسها واكبر واقوى من خيانة 16 أكتوبر.
لقد أعادت تلك المواجهة الاعتبار إلى حقيقة حاول يوم الخيانة طمسها: أن الذي حدث في كركوك لم يكن نتيجة ضعف البيشمركة، وأن الخيانة تستطيع أن تفتح طريقاً أمام المعتدي، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة شعب عندما يقف أبناؤه دفاعاً عن أرضهم.
وهنا تتجلى إحدى أهم حقائق مسيرة النضال الكوردي: قد تتغير الظروف، وقد تتبدل موازين القوى، وقد تمر القضية بانتكاسات قاسية، لكن الشعوب التي تتمسك بمبادئها لا تقاس بلحظة تراجع، بل بقدرتها على استعادة المبادرة ومواصلة الطريق.
وبعد سنوات من تلك الأحداث، تبقى الحقيقة الأهم أن كركوك لم ولن تسقط من وجدان شعب كوردستان.
فالكورد يمتلكون إرادة صلبة صنعتها عقود طويلة من النضال والتضحيات. وشجاعة البيشمركة ليست رواية سياسية، بل تاريخ كتبه آلاف الشهداء على جبال وسهول ومدن كوردستان. كما أن حق شعب كوردستان في التعبير عن تطلعاته وتقرير مستقبله يستند إلى شرعية سياسية وأخلاقية وإنسانية لا يمكن إلغاؤها بصفقة أو خيانة أو استخدام القوة.
ولهذا ستبقى ذكرى خيانة 16 أكتوبر حاضرة، لا من أجل الانتقام، ولا من أجل إبقاء شعب كوردستان أسير الماضي، بل من أجل حماية المستقبل وصناعة وعي الأجيال القادمة.
إن الشعوب التي تنسى لحظات الخيانة في تاريخها تعرض نفسها لتكرارها، أما الشعوب التي تستخلص منها الدروس فتحول الألم إلى قوة، والخسارة إلى وعي، والذاكرة إلى ضمانة للمستقبل.
وسيظل الدرس واضحاً: المبادئ لا تتجزأ، وتضحيات الشهداء لا تُساوم، ومصالح شعب كوردستان لا يمكن أن تكون ثمناً لمكاسب شخصية أو حزبية ضيقة، ولا رهينةً لعلاقات أو ولاءات خارجية. وسيأتي اليوم الذي يقف فيه كل من خان القضية أمام حكم الشعب والتاريخ، لتبقى الخيانة وصمةً سوداء يسجلها التاريخ في صفحات العار.
لقد مرت خيانة 16 أكتوبر، لكن مسيرة شعب كوردستان لم تتوقف.
وستبقى تضحيات البيشمركة أكبر من الخيانة، وستبقى إرادة شعب كوردستان أقوى من المؤامرات، وستبقى القضية الكوردية حية ما دام هناك شعب يؤمن بحقوقه وقيادة تتمسك بمبادئه.
وستبقى كركوك كوردستانية ، بتاريخها وتضحياتها ومكانتها في وجدان شعب كوردستان، وجزءاً أصيلاً من القضية الكوردستانية.
ستبقى ذكرى خيانة 16 أكتوبر شاهداً على الخيانة، وستبقى بردي شاهداً على إرادة الصمود والانتصار. وبين الخيانة والصمود، كان التاريخ وسيبقى إلى جانب الشعوب التي لا تساوم على حقوقها.

*عضو المكتب السياسي
مسؤول علاقات الحزب الديمقراطي الكوردستاني

قد يعجبك ايضا
∧