مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
الفراغ الأمني في المناطق المتنازع عليها… ثغرة تهدد الاستقرار وتمنح الإرهاب فرصة للتحرك، سبق أن حذّرنا مراراً من خطورة الوضع الأمني في العراق عموماً، وفي كركوك والمناطق المتنازع عليها المشمولة بالمادة (140) من الدستور العراقي خصوصاً. ونؤكد أن استمرار الإشكالات الأمنية والإدارية، في ظل غياب التنسيق الفاعل بين الجهات المعنية، قد يخلق ثغرات تستغلها الخلايا الإرهابية، ولا سيما بقايا تنظيم داعش.إن ما يجري اليوم ليس مجرد حوادث متفرقة، بل ناقوس خطر يستدعي مراجعة جدية للواقع الأمني قبل أن تتفاقم التهديدات التي تطال أمن المواطنين واستقرار المحافظة.
كركوك… مدينة تحت تهديد مستمر
منذ عام 2003، ظلت كركوك من أكثر المناطق حساسية في المشهد العراقي، بسبب موقعها الجغرافي وتنوعها القومي والاجتماعي وتشابك ملفاتها السياسية والأمنية. وقد أدت القوات الأمنية الكوردستانية دوراً مهماً في حماية مناطق واسعة من خطر الإرهاب خلال مراحل أمنية معقدة.
وبعد أحداث 16 أكتوبر 2017، أصبحت إدارة الملف الأمني في كركوك بيد القوات الاتحادية والأجهزة الأمنية العراقية، من دون مشاركة مباشرة للأجهزة الأمنية التابعة لحكومة إقليم كوردستان، ومنذ ذلك الحين، برزت تساؤلات بشأن مستوى التنسيق الأمني والاستفادة من المعلومات المحلية، ومدى مراعاة خصوصية المناطق المتنازع عليها.
إن نجاح المنظومة الأمنية لا يعتمد على انتشار القوات وحده، بل يتطلب معرفة دقيقة بطبيعة المنطقة وتركيبتها الاجتماعية والجغرافية، إلى جانب تبادل المعلومات وتكامل الجهود.
الثغرات الأمنية وضرورة المراجعة
إن تكرار الحوادث الأمنية في أطراف كركوك ومناطقها الريفية يستدعي تقييماً جدياً للأداء الأمني، وتشخيص مواطن الخلل، والتحقق من أسباب الهجمات ومدى فاعلية الإجراءات المتخذة لمنع تكرارها.
كما أن أي قصور في فهم طبيعة المنطقة أو الاستفادة من المعلومات المحلية قد يؤثر سلباً في كفاءة العمليات الأمنية. لذلك، فإن المطلوب هو مراجعة مهنية وشفافة تحدد مكامن الضعف والمسؤوليات، بعيداً عن الاتهامات غير المستندة إلى أدلة. فمكافحة الإرهاب لا تقوم على القوة وحدها، بل تحتاج إلى معلومات دقيقة، وتنسيق مستمر، وثقة متبادلة بين المؤسسات الأمنية والمجتمع المحلي، مع احترام خصوصية كركوك وتنوع مكوناتها.
التنسيق المشترك ضرورة لا خيار
إن الأخبار المتكررة عن الهجمات الإرهابية في محيط كركوك تستدعي التعامل مع المخاطر بجدية ومسؤولية، بعيداً عن الاستهانة بها أو الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة. فالإرهاب يستغل الثغرات والخلافات، وكلما تأخرت المعالجة ازدادت الحاجة إلى إجراءات أكثر فاعلية واستباقية. ولحماية كركوك، لا بد من تعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان وفق الأطر القانونية والدستورية، وتقييم الثغرات الأمنية، والاستفادة من المعرفة المحلية، ومراجعة الإجراءات غير الفاعلة، ومحاسبة المقصرين وفق القانون، فضلاً عن معالجة الملفات العالقة في المناطق المتنازع عليها بالحوار والتفاهم، بما يحفظ حقوق جميع المكونات ويعزز الاستقرار.
لا تنتظروا حتى يقع ما يمكن منعه اليوم
إن كركوك ليست ملكاً لمكوّن واحد، ولا ينبغي أن تكون ساحة للخلافات السياسية، بل هي مدينة لجميع أبنائها ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الجهات المعنية. لقد دقّ ناقوس الخطر، ولم يعد مقبولاً تجاهل المؤشرات الأمنية أو تأجيل المعالجات الضرورية. والمطلوب اليوم هو الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، ومن تبادل الاتهامات إلى تنسيق الجهود، ومن إدارة الخلافات إلى معالجة المخاطر.
فأمن كركوك لا يحتمل التأجيل، واستقرارها مسؤولية الجميع، ومواجهة الإرهاب تتطلب تحركاً جاداً قبل فوات الأوان. لقد أثبتت التجارب أن الثغرات الأمنية، مهما بدت محدودة، قد تتحول إلى منافذ يستغلها الإرهاب. لذلك، فإن حماية كركوك تبدأ بتشخيص التحديات ومعالجة أسبابها وتوحيد الجهود. لقد حذّرنا سابقاً، ونكرر تحذيرنا اليوم: لا تجعلوا ناقوس الخطر في كركوك مجرد صوت يتردد في الفراغ، بل اجعلوه بداية لتحرك جاد يحمي المواطنين، ويصون الاستقرار، ويمنع عودة الإرهاب.