شيركو حبيب
الدستور العراقي جامد… كيف يمكن تعديله دون تجاوز إرادة الشعب وحقوق إقليم كوردستان؟الدستور العراقي جامد… كيف يمكن تعديله دون تجاوز إرادة الشعب وحقوق إقليم كوردستان؟
لم تعد مشكلة العراق في نقص النصوص الدستورية، بقدر ما تكمن في تعثر تطبيقها، والخلاف على تفسيرها، وتحويل بعض أحكامها إلى ملفات مؤجلة كلما اصطدمت بالمصالح السياسية. وبعد أكثر من عقدين على إقرار دستور عام 2005، تعود قضية تعديله إلى الواجهة، وسط سؤال لا يتعلق فقط بما يحتاج إلى تغيير، بل بكيفية التغيير والجهة التي تملك تقريره والضمانات التي تمنع تحوله إلى وسيلة لفرض إرادة طرف على آخر.
دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، في 15 أكتوبر 2026، إلى معالجة الثغرات الدستورية وتحديث النصوص الخلافية، تفتح بابًا لنقاش ضروري حول مستقبل النظام السياسي العراقي. فقد أشار زيدان إلى أن التجربة كشفت مشكلات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، ودعا مجلس النواب إلى تحمل مسؤوليته في إجراء التعديلات وفق الآليات التي حددها الدستور والقانون.
لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب عن هذا النقاش هو: هل يمكن إصلاح الدستور بتجاوز الاستفتاء الشعبي، أو بإضعاف الضمانات التي تحمي صلاحيات إقليم كوردستان؟ إن معالجة الخلل الدستوري لا تكون بإحداث خلل جديد، ولا يجوز أن يتحول الإصلاح إلى عنوان لتغيير التوازنات التي قام عليها الدستور.
دستور قابل للتعديل، لا للتجاوز
الدستور ليس نصًا خارج الزمن، ولا يعني احترامه أن تبقى مواده بعيدة عن المراجعة مهما كشفت التجربة من ثغرات. لكن الفارق كبير بين تعديل الدستور وفق قواعده، وتجاوز تلك القواعد تحت ضغط التوافقات السياسية.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن الخلافات لا تقتصر على تشكيل الحكومات، بل تشمل تفسير الصلاحيات الاتحادية، والعلاقة بين بغداد وأربيل، وتوزيع المسؤوليات، وتنفيذ الالتزامات الدستورية. وفي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في غياب النصوص، وإنما في غياب الإرادة السياسية لتنفيذها.
ومع ذلك، فإن صعوبة تعديل الدستور لا تبرر البحث عن طرق مختصرة تتجاوز إرادة المواطنين. فالدستور الذي أقره الشعب بالاستفتاء لا يجوز التعامل معه باعتباره اتفاقًا بين الأحزاب تستطيع تغييره وفق مصالحها، بل هو عقد دستوري يحدد حقوق المواطنين وصلاحيات المؤسسات وحدود السلطة.
هل يمكن تعديل الدستور دون استفتاء شعبي؟
الإجابة، وفق النص الدستوري النافذ، واضحة من حيث الأصل: المادتان 126 و142 تنصان على الاستفتاء الشعبي ضمن إجراءات تعديل الدستور، ولا تمنحان مجلس النواب صلاحية الاستعاضة عنه بمجرد تصويت برلماني.
فالمادة 126 تجيز اقتراح التعديل من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين، أو من خُمس أعضاء مجلس النواب، لكنها تشترط موافقة الشعب بالاستفتاء العام، إلى جانب الإجراءات الأخرى التي تحددها المادة.
أما المادة 142، فقد وضعت مسارًا خاصًا للتعديلات، يبدأ بلجنة تمثل المكونات الرئيسية في المجتمع العراقي، ثم التصويت على التعديلات دفعة واحدة في مجلس النواب، يعقبه الاستفتاء الشعبي وفق الشروط الواردة فيها.
وقد فسرت المحكمة الاتحادية العليا العلاقة بين المادتين في قرارها الصادر عام 2017، موضحة أن المادة 142 وضعت آلية خاصة لمراعاة مصالح المكونات الرئيسية، وأن تطبيق المادة 126 يرتبط بالشرط الذي نصت عليه المادة 142 بشأن البت في التعديلات المنصوص عليها فيها. ولذلك فإن تحديد المسار القانوني الواجب اتباعه يتطلب مراعاة النص الدستوري وتفسير المحكمة المختصة، لا الاكتفاء بالتفاهمات السياسية.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحًا: لا يجوز تسويق تعديل الدستور باعتباره إجراءً برلمانيًا عاديًا، ولا اختزال إرادة الشعب في اتفاق بين الكتل السياسية. فالاستفتاء ليس عقبة أمام الإصلاح، بل ضمانة لشرعيته.
خصوصية إقليم كوردستان ليست تفصيلًا سياسيًا
إذا كان تعديل الدستور يستهدف معالجة المشكلات التي ظهرت خلال سنوات تطبيقه، فإن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان يجب أن تكون في صلب النقاش، لا على هامشه.
فالدستور أقر النظام الاتحادي، وحدد صلاحيات السلطات الاتحادية والأقاليم، ووضع أسسًا للعلاقة بينها. ولا يمكن تحقيق الاستقرار العراقي عبر تفسير هذه العلاقة بصورة أحادية، أو التعامل مع صلاحيات الإقليم باعتبارها تنازلات سياسية قابلة للسحب كلما تغيرت موازين القوى في بغداد.
وتكتسب المادة 126، الفقرة الرابعة، أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تنص على عدم جواز إجراء تعديل ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه في استفتاء عام.
وهذا ضمان دستوري صريح، وليس مجرد تفاهم سياسي يمكن تجاوزه. ولذلك فإن أي مشروع تعديل يجب أن يحدد بوضوح ما إذا كانت مواده تمس صلاحيات إقليم كوردستان، وأن يحترم الموافقات المطلوبة دستوريًا متى انطبق عليها هذا الحكم، إن الدفاع عن هذه الضمانات لا يعني رفض إصلاح الدولة العراقية، بل يعني أن الإصلاح الحقيقي يبدأ باحترام الدستور بجميع أطرافه، لا باختيار المواد التي تناسب طرفًا وتجاهل ما يكفل حقوق الطرف الآخر.
فالعلاقة بين بغداد وأربيل لا تحتاج إلى نصوص جديدة فحسب، بل إلى تنفيذ النصوص القائمة، وحسم الملفات العالقة بالحوار والمؤسسات، بعيدًا عن سياسة الضغط والتأجيل وتبادل الاتهامات.
ما الخطوات المطلوبة لتعديل الدستور؟
إن الانتقال من الدعوة إلى التنفيذ يتطلب مسارًا واضحًا ومسؤولًا.
أولًا، على مجلس النواب تحديد المواد التي تحتاج إلى تعديل، استنادًا إلى مشكلات التطبيق التي ظهرت خلال السنوات الماضية، بدلًا من فتح الباب أمام مراجعة شاملة تحكمها الحسابات الحزبية.
ثانيًا، يجب تحديد المسار الدستوري الصحيح وفق المادتين 126 و142 والتفسير القضائي ذي الصلة، مع توضيح الإجراءات المطلوبة ومراحلها، حتى لا يتحول الخلاف القانوني إلى ذريعة لتعطيل الإصلاح أو تجاوز الضمانات.
ثالثًا، يجب أن تتولى لجنة متخصصة دراسة المواد المقترحة، بمشاركة خبراء القانون الدستوري وممثلي المكونات والقوى السياسية، وأن تكون نتائج عملها معلنة، مع بيان أسباب كل تعديل وآثاره على مؤسسات الدولة والمواطنين والأقاليم.
رابعًا، يجب أن تتضمن المراجعة ضمانات تمنع تركيز السلطة أو إضعاف التوازن الاتحادي، وأن تعالج المشكلات الحقيقية، مثل الخلاف على الصلاحيات، وتعطيل الاستحقاقات الدستورية، وأزمات تشكيل السلطات.
خامسًا، يجب الالتزام بالاستفتاء الشعبي حيث يوجبه الدستور، واحترام الشروط الخاصة بصلاحيات إقليم كوردستان. فلا يجوز أن يصبح التوافق بين الأحزاب بديلًا عن موافقة الشعب، ولا أن تتحول الأغلبية السياسية إلى وسيلة للانتقاص من حقوق دستورية مقررة.
الإصلاح يبدأ من احترام الدستور
لا يكفي تعديل المواد إذا بقيت العقلية السياسية التي عطلت تطبيقها على حالها. فالدستور، مهما بلغت دقة نصوصه، لا يستطيع وحده منع الأزمات إذا تعاملت القوى السياسية معه باعتباره أداة لتحقيق المكاسب، لا إطارًا ملزمًا لإدارة الدولة.
ولهذا، فإن نجاح أي مراجعة دستورية يتوقف على وجود إرادة سياسية حقيقية، وعلى استعداد جميع الأطراف لقبول قواعد مشتركة تحمي الدولة والمواطنين، وتمنع احتكار القرار، وتصون حقوق الأقاليم والمكونات.
ولا ينبغي أن تكون دعوة السيد فائق زيدان مناسبة لفتح صراع جديد بين بغداد وأربيل، بل فرصة لمعالجة الخلافات وفق الدستور نفسه. فالعراق يحتاج إلى مؤسسات قوية، لكن قوة الدولة لا تُقاس بمدى اتساع صلاحيات المركز على حساب الإقليم، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون وضمان الحقوق والوفاء بالتزاماتها.
إن تعديل الدستور ليس غاية في ذاته، كما أن الإبقاء على كل نص من دون مراجعة ليس دليلًا على النجاح. المعيار الحقيقي هو أن يصبح الدستور أكثر قدرة على منع الأزمات، وتنظيم العلاقة بين السلطات، وحماية الحريات، وضمان الشراكة الاتحادية.
فإذا كان الدستور يحتاج إلى تعديل، فليكن ذلك عبر إرادة الشعب، لا بدلًا منها ووفق ضماناته، لا على حسابها. أما حقوق إقليم كوردستان، فلا يجوز أن تتحول إلى موضوع للمساومة السياسية، لأنها جزء من البناء الدستوري الذي لا يستقيم إصلاحه إلا باحترامه كاملًا.
تنص المادة 142 من الدستور على أن يُشكل مجلس النواب لجنة من أعضائه “ممثلة للمكونات الرئيسية للمجتمع العراقي”، وعليها تقديم التعديلات المقترحة إلى المجلس خلال أربعة أشهر. يُصوّت المجلس على حزمة التعديلات كاملةً، وفي حال إقرارها، تُطرح للاستفتاء الشعبي، ويُقرّ بأغلبية أصوات الناخبين، دون رفضها بأغلبية الثلثين في ثلاث محافظات أو أكثر. شروط هذا الاستفتاء هي نفسها شروط استفتاء التصديق الأصلي. يمكن أيضًا تعديل الدستور من خلال إجراء عام، منصوص عليه في المادة 126، والذي يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء، يليه موافقة الأغلبية البسيطة في استفتاء.
وهناك نقطة مهمة لابد ان نشير اليها وهي ان اقتراح تعديل الدستور ليست من صلاحيات رئيس مجلس القضاء الاعلى، وليس له الحق التدخل في ذلك، لان هذا من صلاحيات رئيس الجمهورية و البرلمان، حسب مواد الدستور.