من الوجود العسكري إلى الشراكة الاقتصادية

سعدالله عقراوي

أعتقد أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق لا يقتصر على مجرد تغيير في أعداد القوات، بل يعكس تحولاً أوسع في العلاقة بين البلدين. فبعد عقود هيمنت فيها العمليات العسكرية والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب على السياسة الأمريكية تجاه العراق، يشير التخفيض التدريجي للقوات الأمريكية إلى تحول نحو شراكة تقوم بشكل متزايد على الاقتصاد والدبلوماسية والتجارة والاستثمار والتعاون المؤسسي.
توسع الوجود العسكري الأمريكي في العراق بشكل كبير بعد غزو عام 2003 الذي أطاح بصدام حسين. ورغم الانسحاب الرسمي للقوات القتالية الأمريكية عام 2011، إلا أن صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أدى إلى تجدد الدور العسكري الأمريكي بدءاً من عام 2014. وجعلت الحملة الدولية ضد داعش التعاون العسكري سمة أساسية في العلاقات الأمريكية العراقية. وقدمت القوات الأمريكية التدريب والاستخبارات والدعم الجوي والمساعدة لقوات الأمن العراقية، مساهمةً بشكل كبير في هزيمة داعش على الأرض.
ومع ذلك، فقد تغير الوضع الأمني في العراق بشكل ملحوظ منذ ذروة الحرب ضد داعش. اكتسبت المؤسسات الأمنية العراقية خبرة وقدرات أكبر، بينما تضاءلت السيطرة الإقليمية التي كانت تمارسها داعش إلى حد كبير. ونتيجة لذلك، تضاءلت مبررات الإبقاء على وجود عسكري أمريكي واسع النطاق. وقد ركزت الولايات المتحدة بشكل متزايد على دور استشاري وشراكة بدلاً من مهمة قتالية مفتوحة.
يُتيح هذا التحول فرصة لإعادة تعريف العلاقات الثنائية. فبدلاً من النظر إلى العراق من منظور أمني في المقام الأول، يمكن لواشنطن أن تتعامل معه بشكل متزايد كشريك اقتصادي هام. يمتلك العراق موارد هائلة من النفط والغاز، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وسوقاً محلية ضخمة، كما أن إعادة الإعمار والتنمية على نطاق واسع من شأنها أن تُسهم في خلق فرص عمل وتعزيز المؤسسات. ويمكن للشركات الأمريكية أن تلعب دوراً هاماً من خلال توفير رأس المال والخبرات والوصول إلى الأسواق الدولية لتلبية احتياجات البنية التحتية. وتُوفر هذه الخصائص فرصاً للشركات والمستثمرين الأمريكيين في قطاعات تتجاوز الطاقة، لتشمل الكهرباء والنقل والاتصالات والتكنولوجيا والزراعة والرعاية الصحية والتعليم.
نعم، يمكن للتعاون الاقتصادي أن يُسهم في استقرار العراق على المدى الطويل. لا يزال اقتصاد العراق يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط، مما يجعل التنويع الاقتصادي أولوية وطنية هامة. ويمكن لزيادة الاستثمارات الأجنبية، ونقل التكنولوجيا، وتنمية القطاع الخاص أن تُساعد في خلق فرص عمل وتعزيز المؤسسات. وبإمكان الشركات الأمريكية أن تلعب دورًا هامًا من خلال توفير رأس المال والخبرات والوصول إلى الأسواق الدولية. وبهذا المعنى، يُمكن للشراكة الاقتصادية أن تُكمّل الأمن من خلال معالجة بعض الأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار.
ومن المرجح أن تبقى الطاقة محور هذه العلاقة. فالعراق من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، ولكنه يُعاني أيضًا من نقص في الكهرباء، وقيود في البنية التحتية، والحاجة إلى تحديث قطاع الطاقة. ويمكن للتعاون مع الشركات الأمريكية أن يدعم الاستثمار في تطوير الغاز الطبيعي، وتوليد الطاقة، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية للطاقة. وسيعود هذا التعاون بالنفع على كلا الجانبين: إذ يُمكن للعراق تحسين أمنه الطاقي وكفاءته الاقتصادية، بينما يُمكن للشركات الأمريكية الوصول إلى علاقات استخباراتية وأمنية واسعة مع بغداد، حتى مع تغير طبيعة وجودها العسكري. يمكن أن يستمر التعاون في مجالي التدريب ومكافحة الإرهاب دون الحاجة إلى نفس مستوى تعزيز المؤسسات الديمقراطية، ومكافحة الفساد، وخلق بيئة استثمارية مستقرة. لا يمكن للشراكة الاقتصادية أن تنجح دون استقرار سياسي، وحوكمة فعّالة، وأنظمة شفافة. لا يمكن فهم هذا ببساطة على أنه انسحاب أمريكي من العراق. بل يمكن أن يمثل تطورًا في العلاقة – من علاقة تتمحور حول التدخل العسكري ومكافحة الإرهاب إلى علاقة تُركز على السيادة، والتنمية الاقتصادية، والدبلوماسية، والمصالح المشتركة. سيعتمد نجاح هذه المرحلة الجديدة على قدرة كلا البلدين على ترجمة وجودهما العسكري في العراق إلى مزيد من الأهمية من خلال قوة التجارة والاستثمار والتعاون في مجال الطاقة والتعليم والتواصل الدبلوماسي بين الولايات المتحدة والعراق. إذا أُدير هذا التحول بفعالية، فقد يوفر للعراق فرصًا أكبر للتنمية، مع الحفاظ على أهميته الاستراتيجية كسوق.

لا يعني التحول نحو الشراكة الاقتصادية زوال التعاون الأمني. لا يزال العراق يقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية، وأحيانًا متقلبة. من المرجح أن تحافظ الولايات المتحدة على علاقات دبلوماسية واستخباراتية وأمنية مع بغداد، حتى مع تغير طبيعة وجودها العسكري. يمكن أن يستمر التعاون في مجالي التدريب ومكافحة الإرهاب دون الحاجة إلى نفس مستوى الانتشار الدائم للقوات.
بالنسبة للعراق، يُمثل هذا الانتقال فرصًا ومسؤوليات في آنٍ واحد. فان تقليص الدور العسكري الأمريكي يُركز بشكل أكبر على قدرة العراق على الحفاظ على أمنه الداخلي، وتعزيز مؤسساته الديمقراطية، ومكافحة الفساد، وتهيئة بيئة استثمارية مستقرة. ولا يُمكن للشراكة الاقتصادية أن تنجح دون استقرار سياسي، وحوكمة فعّالة، وقوانين شفافة، وبنية تحتية موثوقة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فتُقدم الاستراتيجية الاقتصادية والدبلوماسية وسيلةً أكثر استدامةً للحفاظ على نفوذها في العراق. فالانتشار العسكري مُكلف، وقد يُثير معارضة سياسية في كلٍ من الولايات المتحدة والعراق. بينما يُمكن للاستثمار والتجارة والتعليم والتكنولوجيا والدبلوماسية أن تُؤسس لعلاقات طويلة الأمد لا تعتمد بشكل أساسي على القوة العسكرية.

في نهاية المطاف، لا ينبغي فهم انسحاب القوات الأمريكية على أنه مجرد تراجع أمريكي عن العراق، بل يُمكن أن يُمثل تطورًا في العلاقة من علاقة تتمحور حول التدخل العسكري ومكافحة الإرهاب إلى علاقة تُركز على السيادة والتنمية الاقتصادية والدبلوماسية والمصالح المشتركة. وسيتوقف نجاح هذه المرحلة الجديدة على قدرة البلدين على ترجمة شراكتهما الاستراتيجية إلى فرص اقتصادية ملموسة.
لذا، قد يتحدد مستقبل العلاقات الأمريكية العراقية بشكل أقل بعدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في العراق، وأكثر بقوة العلاقات التجارية والاستثمارية والتعاون في مجال الطاقة والتعليم والتواصل الدبلوماسي بين البلدين. فإذا أُدير هذا التحول من الوجود العسكري إلى الشراكة الاقتصادية بكفاءة، فإنه سيوفر للعراق فرصاً أكبر للتنمية، مع تمكين الولايات المتحدة من الحفاظ على علاقة بناءة ومستدامة مع دولة مهمة في الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا
∧