سكينة حسن
من حق كل شعب أن يحلم بالحرية والكرامة وأن يناضل من أجل مستقبل يصون حقوقه ويضمن لأبنائه حياة كريمة لكن المأساة تبدأ حين تنفصل الأحلام عن الواقع وتتحول الشعارات إلى بديل عن التفكير السياسي المسؤول بدلا من أن تكون دافعا للعمل والتغيير
بعد أكثر من قرن من المعاناة لا تزال القضية الكردية في سوريا تواجه تحديات عميقة تتعلق بالحقوق القومية والدستورية ومستقبل الكرد وموقعهم في دولة سورية تعددية تضمن المساواة والعدالة لجميع مكوناتها ولا يمكن تفسير هذه التحديات بالظروف الخارجية والداخلية وحدها بل لا بد من مراجعة أداء الحركة السياسية الكردية وقدرتها على مواكبة التحولات وصياغة مشروع وطني واقعي يحول المطالب المشروعة إلى حقوق ملموسة عبر المشاركة الفاعلة في بناء الوطن على أساس الحقوق والواجبات المتساوية
لقد أضعفت الانقسامات والانشقاقات المتكررة بنية الحركة الكردية وشتتت طاقاتها وأفقدتها كثيرا من قدرتها على التأثير ومع كل انقسام تراجعت فرص توحيد الموقف واتسعت الفجوة بينها وبين جمهورها بسبب الخلافات التنظيمية والصراع على المواقع بدلا من توجيه الجهود نحو توحيد الصف وتعزيز الحضور السياسي والوطني ولم تعد المشكلة في تعدد الأحزاب بحد ذاته بل في عجزها عن تحويل هذا التعدد إلى قوة منظمة تقدم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة
ولم يقتصر التقصير على الانقسامات بل شمل غياب رؤية سياسية مشتركة تواكب التحولات المتسارعة في سوريا وتحدد أهداف الحركة الكردية ووسائل تحقيقها فكثيرا ما ارتفع سقف الخطاب دون أن تواكبه خطوات عملية أو تحالفات متينة وبرامج واضحة تستجيب لمتطلبات المرحلة وهكذا بقيت مطالب كثيرة حبيسة التصريحات والشعارات في وقت يتطلب مزيدا من الحكمة والمرونة والقدرة على قراءة المتغيرات والتعامل معها بمسؤولية
إن القضية الكردية هي قضية شعب له حقوق قومية وتاريخية مشروعة تستحق النضال السياسي الجاد والمنظم والكردايتي الحقيقية لا تقاس بارتفاع الصوت وكثرة الشعارات بل بالقدرة على حماية مصالح الشعب وصيانة وحدته والدفاع عن لغته وثقافته وحقوقه بالحكمة والمسؤولية وحب الوطن والقضية لا يعفيان أحدا من النقد والمساءلة بل يجعلان مراجعة الأخطاء واجبا وطنيا وأخلاقيا سواء تعلق الأمر بأداء الحركة السياسية أو بمسؤولية الدولة
وفي هذا السياق لا بد من التمييز بين التضامن القومي المشروع وترتيب الأولويات السياسية فالكرد شعب واحد تجمعهم روابط التاريخ واللغة والذاكرة والمعاناة ولا يجوز تجاهل ما يواجهه أبناؤه في أي مكان من تحديات أو التقليل من حقهم في الحرية والحقوق والكرامة وفق إرادتهم فالتضامن معهم موقف إنساني وقومي أصيل لا يتعارض مع مسؤوليتنا تجاه قضيتنا في سوريا لكن خصوصية الواقع السوري تفرض وضع حقوق الكرد في سوريا في صدارة برنامجنا السياسي وتحديد أهدافنا وفق ظروفنا وإمكاناتنا دون أن يتحول التعاطف مع قضايا شعبنا في أماكن أخرى إلى شعارات تتقدم على مسؤولياتنا المباشرة تجاه أهلنا
وتزداد هذه المسؤولية إلحاحا في هذا الظرف العصيب في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية القاسية التي يعيشها السوريون عموما والكرد خصوصا فقد أصبح الفقر وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية هموما يومية تثقل كاهل الأسر
وفي المناطق الكردية تتفاقم هذه الأعباء بفعل سنوات الصراع والنزوح والاضطراب الاقتصادي وضعف فرص العمل والخدمات الأساسية والحاجة إلى استقرار حقيقي يعيد الأمل بالمستقبل
ولا يكفي أن تتحدث الأحزاب عن الحقوق القومية والمستقبل السياسي دون أن تلامس معاناة الناس اليومية وتضع المعيشة والعمل والتعليم والصحة وكرامة الإنسان ضمن أولوياتها فالقضية القومية ليست منفصلة عن حياة المواطن ولا يمكن بناء مستقبل سياسي متين على حساب جراح الناس ومن واجب الحركة السياسية الكردية أن تدافع عن الحقوق القومية والدستورية وأن تعمل في الوقت نفسه على توحيد صفوفها واستعادة ثقة الناس بمواقف مسؤولة وبرامج واقعية تستجيب لتطلعاتهم
كما أن بناء مستقبل آمن للكرد في سوريا لا يتحقق بالعزلة أو الخطاب الحزبي المغلق بل يتطلب علاقات جدية مع القوى الوطنية الديمقراطية السورية وشراكات تقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق ومبدأ المواطنة المتساوية فحقوق الكرد ليست نقيضا لوحدة سوريا ولا امتيازا على حساب الآخرين بل هي جزء أساسي من بناء دولة عادلة تعترف بتعددها القومي والثقافي وتضمن لجميع أبنائها المشاركة في القرار والحياة العامة وكلما كان الخطاب الكردي واضحا ومسؤولا ومنفتحا على بقية مكونات المجتمع السوري ازدادت فرص الحوار وبناء التحالفات الداعمة للمطالب المشروعة
وفي الوقت نفسه لا يجوز اختزال التمثيل الكردي في جهة واحدة أو فرض رؤية سياسية بعينها على المجتمع الكردي فالتعددية حق أصيل وضرورة سياسية لكن قيمتها تظهر حين تتحول إلى مساحة للحوار والتنافس الديمقراطي لا إلى وسيلة لتفتيت الصفوف وإقصاء المخالف والمطلوب من الحركة السياسية أن تراجع نفسها بجرأة وتعترف بأوجه القصور وتجدد برامجها وتفتح أبوابها أمام الشباب والطاقات المستقلة وتستعيد ثقة الناس بالمواقف العملية والنتائج الملموسة لا بتضخيم الشعارات التي لا تجد طريقها إلى الواقع
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل المزيد من إهدار الفرص أو الارتهان للخلافات الحزبية والشخصية بل تفرض الانتقال من ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات ومن التنافس على المواقع إلى التنسيق المسؤول ومن الخطاب العاطفي إلى العمل السياسي الواقعي الذي يوازن بين الحقوق القومية ومتطلبات الشراكة الوطنية ويستثمر التحولات بما يخدم مصالح الشعب الكردي ومستقبل سوريا الديمقراطية التي تتسع لجميع أبنائها
إن الوفاء للقضية الكردية في سوريا لا يكون بتكرار الشعارات أو تقديس التجارب الحزبية بل بالتعلم من الأخطاء وتوحيد الجهود والدفاع عن الحقوق القومية والدستورية وربط النضال السياسي بكرامة الإنسان واحتياجاته اليومية فالشعب الذي عانى طويلا من الحرمان والتهميش يستحق حركة سياسية تضع مصالحه فوق المصالح الحزبية ومن واجبنا نحن كرد سوريا أن نتضامن مع أبناء شعبنا أينما وجدوا لكن ليس من حقنا أن نترك واقعنا أسير الأوهام أو نسمح لانقسامات أحزابنا بأن تتحول إلى ثمن يدفعه شعبنا من حقوقه ومستقبله في صراعات لا يملك قرارها .
فالأحلام القومية لا تتحول إلى واقع بالشعارات وحدها بل بالسياسة الواعية والإرادة المشتركة والعمل المسؤول وبحركة سياسية تدرك أن حماية الحقوق تبدأ بفهم الواقع وأن بناء المستقبل يحتاج إلى وحدة الكلمة ووضوح الرؤية والشجاعة في مراجعة الأخطاء وتقديم مصلحة الشعب على كل اعتبار حزبي أو شخصي .