المشهد العراقي.. الدولار يشتعل، فمن يدفع الثمن وأين الحلول؟

نبيل عبد الأمير الربيعي

في خضم الجدل المتصاعد حول أزمة الدولار وتداعياتها على حياة العراقيين، يبرز سؤال جوهري: ما الذي يمكن أن يخفف من احتقان الشارع، ويعيد الثقة بين المواطن والدولة؟
إن أزمة الدولار ليست مجرد مشكلة في سعر الصرف، بل هي اختبار حقيقي لعدالة السياسة الاقتصادية، وكفاءة إدارة المال العام، وقدرة الحكومة على حماية المواطن من تداعيات الاختلالات المالية. ومع قرار تغيير سعر الصرف الذي أُعلن في العراق في 7 تشرين الأول 2026، وما قد يرافقه من ارتفاع في كلفة الاستيراد وضغوط على القدرة الشرائية، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إجراءات اقتصادية موازية تحمي أصحاب الدخل المحدود، بدلاً من تركهم وحدهم في مواجهة ارتفاع الأسعار.
كيف يطلب من المواطن تحمل أعباء الأزمة، فيما لا تزال هناك أبواب إنفاق حكومي تستحق المراجعة الجادة؟ إن مراجعة الرواتب المزدوجة والمخصصات والامتيازات، ونفقات الحمايات والمواكب والسفر والضيافة، ليست مجرد إجراءات شكلية، بل خطوة ضرورية لإعادة ترتيب الأولويات. المطلوب إجراء تدقيق شامل للرواتب والمخصصات، وربط الاستحقاقات بالقانون والعمل الفعلي، ومنع الازدواج غير المشروع، ونشر نتائج المراجعة بشفافية. كما ينبغي إخضاع امتيازات الدرجات الخاصة وأعضاء مجلس النواب للمراجعة القانونية والمالية، بما يحقق العدالة من دون المساس بالحقوق المشروعة.
لا يكفي تغيير سعر الصرف من دون وضع شبكة حماية اجتماعية فعالة. لذلك ينبغي اتخاذ إجراءات عملية، منها: توسيع الدعم النقدي الموجه إلى الأسر الفقيرة والأكثر تضرراً، وفق قاعدة بيانات موحدة ومحدثة. وتشديد الرقابة على أسعار السلع الأساسية ومنع الاحتكار والتلاعب، مع الإعلان عن نتائج الرقابة والمخالفات. وتأمين مخزون استراتيجي من الحنطة والمواد الغذائية الأساسية، وتطوير آليات توزيعها. ومراجعة مفردات البطاقة التموينية وتحسين نوعيتها وانتظام تجهيزها. ومراقبة انتقال أثر سعر الصرف إلى أسعار السلع، وعدم السماح باستغلاله ذريعة لزيادات غير مبررة. فليس من العدالة أن تتحول كل أزمة مالية إلى فاتورة إضافية يدفعها الفقير من قوت أطفاله.
إن استقرار سوق الصرف يتطلب معالجة الأسباب التي تدفع الطلب نحو السوق الموازية، وليس الاكتفاء بإجراءات إدارية مؤقتة. ومن الحلول العملية تسهيل التحويلات التجارية المشروعة عبر المصارف، وتقليص الروتين، وتعزيز الامتثال المصرفي، ومكافحة غسيل الأموال والتلاعب بالفواتير، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية للحد من التهريب والتجارة غير المسجلة.
كما ينبغي تشجيع استخدام الدينار في المعاملات المحلية، وتطوير الخدمات المصرفية الإلكترونية، وتعزيز الثقة بالمصارف، مع الحفاظ على استقلالية البنك المركزي وعدم استخدام الاحتياطيات الأجنبية لتمويل عجز الموازنة بصورة تهدد الاستقرار النقدي. وقد أكد صندوق النقد الدولي أهمية ضبط العجز، وتطوير النظام المصرفي، وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
لا يمكن بناء اقتصاد مستقر على مورد واحد، مهما بلغت عائداته. فحين تعتمد الموازنة بدرجة كبيرة على النفط، تصبح رواتب الموظفين والخدمات العامة رهينة لتقلبات الأسعار والإنتاج والتصدير. ولهذا ينبغي العمل على إصلاح النظام الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة، مع مكافحة التهرب وتقليص الإعفاءات غير المبررة. فضلاً عن أتمتة الجمارك وتوحيد الإجراءات في المنافذ الحدودية، وربطها بنظام إلكتروني يمنع التلاعب بالبيانات والرسوم. ودعم الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية والإنشائية، لتقليل الاستيراد حيث يكون الإنتاج المحلي مجدياً. وتسهيل تسجيل الشركات والمشروعات الصغيرة، وتخفيف الروتين الذي يدفع الأنشطة الاقتصادية إلى العمل خارج الإطار الرسمي. وتطوير السياحة والنقل والخدمات والقطاعات القادرة على توفير إيرادات وفرص عمل مستدامة. إن المطلوب ليس فرض أعباء جديدة على المواطن، بل توسيع الإيرادات من خلال إدارة أفضل للموارد، ومكافحة التهرب، وتحفيز الإنتاج.
إن تضخم فاتورة الرواتب والتقاعد يفرض مراجعة جادة لسياسات التوظيف وإدارة الموارد البشرية. لكن الإصلاح لا يعني قطع الأرزاق أو اتخاذ قرارات مفاجئة بحق الموظفين، بل يعني تدقيق قوائم الرواتب، وكشف حالات التزوير والموظفين الوهميين، وضبط التعيينات غير المدروسة، وإعادة توزيع الملاكات وفق الحاجة الفعلية للمؤسسات. كما ينبغي وضع خطة تدريجية لإدارة التقاعد والتوظيف، وتقييم كلفة القرارات الجديدة قبل اعتمادها، مع حماية رواتب الموظفين الفعليين وحقوق المتقاعدين والفئات الأشد هشاشة. فالدولة التي تعالج الاختلال المالي بقرارات ارتجالية قد تنقل الأزمة من الموازنة إلى المجتمع، بينما الإصلاح الحقيقي يقتضي التخطيط والتدرج والعدالة.
وفوق ذلك كله، يبقى السؤال الذي لا يجوز أن يغيب عن المشهد العراقي: أين ذهبت أموال العراق؟ إن مكافحة الفساد لا تتحقق بكثرة التصريحات أو الإعلان عن تشكيل اللجان، بل بفتح الملفات على أسس قانونية، وتتبع الأموال، وتدقيق العقود والمشروعات، ونشر نتائج التحقيقات التي يجوز إعلانها، واسترداد الأموال والأصول المتحصلة من الجرائم وفق القانون. ويمكن اتخاذ خطوات عملية، أبرزها إنشاء آلية تنسيق فعالة بين الجهات الرقابية والقضائية والمالية، ونشر تقارير دورية عن الأموال المستردة والمبالغ التي صدرت أحكام بشأنها، ومتابعة العقود الحكومية من الإحالة حتى التنفيذ، وتعزيز حماية المبلّغين والشهود. إن استرداد الأموال لا يعوض فقط جزءاً من الهدر، بل يبعث برسالة واضحة مفادها أن المال العام ليس غنيمة، وأن المسؤولية لا تعني الإفلات من المحاسبة.
إن أي خطة لتقليص النفقات أو زيادة الإيرادات ستفقد معناها إذا لم يعرف المواطن أين ذهبت نتائجها. لذلك ينبغي نشر تقرير ربع سنوي يوضح ما تحقق من خفض النفقات غير الضرورية، وزيادة الإيرادات غير النفطية، واسترداد الأموال، وكيف وجهت الوفورات إلى المستشفيات والمدارس والكهرباء والماء والحماية الاجتماعية.
كما ينبغي وضع مؤشرات أداء معلنة لكل وزارة، وربط تقييم المسؤولين بنتائج قابلة للقياس، لا بعدد الاجتماعات والتصريحات. فالمواطن لا يريد سماع أرقام مجردة عن حجم الوفورات، بل يريد أن يرى أثراً ملموساً في مستوى الخدمات وفرص العمل وقدرته على تأمين احتياجات أسرته.
كيف يهدأ بال مواطن يعجز عن تأمين قوت أسرته، فيما يرى تفاوتاً واسعاً في الامتيازات، ويسمع عن ملفات فساد وأموال مهدورة لم تظهر نتائج ملاحقتها بالوضوح المطلوب؟
إن تخفيف الاحتقان لا يتحقق بتغيير سعر الصرف وحده، ولا بزيادة الضرائب أو تقليص النفقات على نحو عشوائي، بل بحزمة متكاملة تجمع بين حماية الفقراء، وضبط الإنفاق، وإصلاح سوق الدولار، وتنويع الإيرادات، وتحفيز الإنتاج، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات.
لقد أكدت المرجعية الدينية العليا مراراً أهمية العدالة ورعاية الفقراء ومكافحة الفساد؛ وهذه المبادئ ينبغي أن تتحول إلى إجراءات عملية يشعر المواطن بنتائجها، لا أن تبقى عناوين تتكرر عند اشتداد الأزمات.
إن العراق لا يحتاج إلى تحميل المواطن مزيداً من الأعباء بقدر ما يحتاج إلى دولة تُحسن إدارة مواردها، وتراجع امتيازاتها، وتحاسب المقصرين، وتمنح الإنتاج أولوية على الاستهلاك الحكومي. فحين يرى العراقي أن المسؤول يخضع للقانون نفسه، وأن المال العام يدار بشفافية، وأن الفقير محمي من تداعيات الأزمات، عندها يمكن أن تستعيد الدولة ثقة مواطنيها، وأن تتحول الإصلاحات من شعارات إلى واقع.

قد يعجبك ايضا
∧