د. أحمد العامري
سعر الدولار ليس مشكلة اقتصادية فقط؟ بل هو مرآة لأزمة هيكلية عمرها أكثر من ٢٠ سنة وهذه المدة من المفترض أن تكون كافية وافية في عمر الدول لتبني اقتصاداً وتنهض بمجتمع، لكنها في العراق كانت عشرين عاما من السير بلا بوصلة، فالبلد الذي يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم ويمتلك نهري دجلة والفرات وأراض زراعية شاسعة ومعادن وكبريت وفوسفات وموقعا جغرافيا يربط الشرق بالغرب، لم يجد حتى اليوم نظرية اقتصادية واحدة تحكمه. فبلد يدير اقتصاده بقدرة قادر !؟ فلا هي رأسمالية تشجع الإنتاج والقطاع الخاص، ولا هي اشتراكية توزع الثروة بعدالة، ولا هي اقتصاد سوق اجتماعي كما في تجارب الدول الناجحة بل هو اقتصاد ريعي هجين يقوم على فكرة واحدة، بيع النفط الخام واستلام ثمنه وتوزيعه رواتب واستهلاك واستيراد !؟ ثم انتظار شهر جديد لبيع النفط مرة أخرى!؟ عشرون عاما لم توضع فيها خطة خمسية حقيقية، كل الحكومات المتعاقبة عملت بموازنات سنوية انفجارية تشغيلية لا استثمارية، تذهب أكثر من سبعين بالمئة منها للرواتب والدعم، بينما لا يتجاوز الاستثمار المنتج عشرة بالمئة يذهب معظمه لمشاريع متلكئة هنا وهناك
والنتيجة أننا لم نواكب أي دولة كانت معنا في نفس المستوى. دول مثل الإمارات وقطر وحتى رواندا بعد حرب أهلية، وضعت نظرية واضحة، نظرية التنويع الاقتصادي وتحويل الريع النفطي إلى أصول منتجة، نظرية الدولة المنتجة بدل الدولة المستهلكة، أما في العراق فظل الاقتصاد رهينة للمزايدات السياسية، كل كتلة تريد وزارتها بقرة حلوب للتعيينات والعقود وكل موازنة يتم تفصيلها على مقاس المحاصصة لا على مقاس التنمية.
وفي قلب هذا الإخفاق يقف الفساد المالي كمرض عضال أدخل البلد في نفق مظلم له بداية وليس له نهاية. فساد المنافذ الحدودية الذي جعل الاستيراد أرخص من الزراعة فماتت الأرض وفساد نافذة بيع العملة الذي حول الدولار من أداة للتجارة إلى أداة لتهريب ثروة البلد للخارج، وفساد المشاريع الوهمية الذي جعل العراق يدفع ثمن محطات كهرباء ومستشفيات ومدارس على الورق بينما يعيش المواطن بلا كهرباء ولا دواء، وفساد المصارف والشركات التي تستنزف العملة الصعبة بفواتير مزورة. هذا الفساد لم يعد حالات فردية، بل تحول إلى منظومة اقتصاد مواز يحمي نفسه بالقوة والسلاح والمال السياسي منظومة لا تريد للدولة أن تنهض لأن نهوض الدولة يعني موتها.
كان يفترض وحسب كل النظريات الاقتصادية، نظرية كينز في تدخل الدولة لخلق البنية التحتية، ونظرية التنمية المتوازنة، ونظرية الميزة النسبية التي يمتلكها العراق في الطاقة والزراعة كان يفترض أن تتحول أموال النفط إلى مصانع بتروكيمياويات ومصافي حقيقية ومزارع حديثة وسكك حديد تربط الفاو بتركيا، لكن الذي حدث هو العكس، تم تحويل البلد إلى سوق استهلاكي مفتوح لدول الجوار، نستورد منها كل شيء بالدولار ثم نشتكي من ارتفاع الدولار.
اليوم حين يصل الدولار إلى مئة وخمسة وثمانين ألف دينار فهو لا يرتفع بذاته بل هو يكشف حقيقة أننا لم نبن اقتصادا خلال عشرين عاما لكننا بنينا منظومة فساد تأكل نفسها وأن المستقبل لن يتغير بتغيير سعر الصرف في البنك المركزي، بل لن يتغير إلا بتغيير الفلسفة كلها، من فلسفة تقاسم الغنيمة إلى فلسفة بناء الدولة المنتجة وإلا سيبقى النفق مظلما بلا نهاية والله من وراء القصد ..