محمد الكعبي
لم يعد العراق يقف أمام أزمة سياسية أو أمنية عابرة، بل أمام امتحان استراتيجي صعب قد تكون نتائجه أكبر من حدود اللحظة الراهنة، فالقراءة المتأنية لما يجري في العراق والمنطقة تشير إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك وتحديد موازين القوة والنفوذ، فيما تبدو الساحة العراقية واحدة من أكثر الساحات تعرضًا لتداعيات هذا التحول لما يحمل من ثراء جغرافي وبشري واقتصادي.
المشكلة ليست في احتمال اندلاع مواجهة إقليمية فحسب، بل في أن العراق قد يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يحافظ على علاقاته الإقليمية، ويحمي مصالحه، ويمنع استخدام أراضيه كساحة للصراع، وفي الوقت نفسه يفرض سيادة الدولة وقرارها الأمني والعسكري؟
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
من الردع إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك
ما يجري في المنطقة يوحي بأن قواعد المواجهة لم تعد تقوم فقط على توجيه ضربات محدودة لإيصال رسائل الردع، وإنما تتجه بصورة متزايدة نحو استهداف القدرات التي تسمح للخصم بإعادة تنظيم نفسه والاستمرار في المواجهة.
ولهذا أصبحت خطوط الإمداد، ومراكز القيادة والتنسيق، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ومخازن السلاح، وشبكات الاتصالات والمعلومات، جزءًا من معادلة الصراع.
وهذا التحول يجعل العراق في موقع حساس للغاية؛ لأن امتداد الصراع الإقليمي إلى الأراضي العراقية يعني أن أي مواجهة لا تُدار وفق حسابات الدولة العراقية قد تتحول إلى تهديد مباشر للأمن الوطني العراقي.
العراق لا يستطيع أن يتعامل مع هذه التطورات باعتبارها أحداثًا تجري خارج حدوده، فالجغرافيا السياسية تفرض عليه أن يتأثر بما يجري في إيران وسوريا والخليج واليمن، لكن التأثر شيء، وتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية شيء آخر تمامًا، مما جعل الامتحان صعبًا ويحتاج الكثير من المراجعة وتحديد الأولويات ورسم استراتيجيات تنسجم مع المتغيرات المتسارعة والكبيرة على مستوى الداخل والخارج. وهذا لا يأتي من فراغ أو بالشعارات والمحاصصة والمحسوبية وإقصاء الكفاءات، بل يحتاج إلى رجال دولة.
الفصائل المسلحة أمام اختبار مختلف
الضغوط الداخلية والخارجية على الفصائل المسلحة في العراق أصبحت أكثر تعقيدًا، فالمعادلة لم تعد تتعلق فقط بامتلاك السلاح، وإنما بالسؤال الأهم:
من يملك قرار استخدام هذا السلاح؟
إذا كان القرار وطنيًا ويخضع للدولة ومؤسساتها الدستورية، فإن السلاح يمكن أن يكون جزءًا من منظومة الأمن الوطني، أما إذا أصبح قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، فإن العراق يتحول تدريجيًا من دولة تمتلك أدوات القوة إلى ساحة تتعدد فيها مراكز القرار، وعندها يبدأ العد التنازلي بسقوط الدولة.
فبعض القوى قد ترى أن التصعيد يخدم مشروعها السياسي أو الإقليمي، بينما ترى قوى أخرى أن مصلحة العراق تقتضي التهدئة وتجنب الحرب، وبين الاتجاهين تقف الدولة العراقية أمام مسؤولية تاريخية: هل تستطيع أن تجعل القرار العراقي قرارًا واحدًا، أم ستبقى القرارات موزعة بين الدولة والقوى السياسية والسلاح والمصالح الإقليمية؟
العراق ليس جبهة بديلة
من أخطر السيناريوهات أن يتحول العراق إلى مساحة بديلة للرد أو الضغط كلما اشتدت المواجهة في ساحات أخرى، فالعراق يمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وحدودًا واسعة، وعمقًا استراتيجيًا، وعلاقات متشابكة مع إيران ودول الخليج وتركيا وسوريا والولايات المتحدة. وهذه المزايا يمكن أن تكون مصدر قوة للعراق إذا أحسن استخدامها، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف عندما تصبح الأراضي العراقية جزءًا من صراعات الآخرين.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحًا:
العراق ليس ملزمًا بأن يدفع ثمن صراعات الآخرين، لا يمكن أن تكون الأراضي العراقية منصة لهجوم على دولة أخرى، كما لا يمكن أن تكون العراق ساحة مفتوحة للرد على ذلك الهجوم، فالدولة التي تريد حماية شعبها واقتصادها وسيادتها لا تستطيع أن تسمح بأن تتحول أراضيها إلى صندوق بريد عسكري بين القوى المتصارعة.
الامتحان الحقيقي لبغداد
في مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تصدر الحكومة بيانات التهدئة أو أن تتحرك دبلوماسيًا بعد وقوع الأزمة، المطلوب هو بناء استراتيجية وطنية متكاملة تمنع العراق من الانزلاق إلى الحرب قبل وقوعها، فالسيادة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها الحكومة، وإنما بقدرتها على:
* حماية المجال الجوي والأرضي العراقي.
* ضبط القرار الأمني والعسكري.
* منع استخدام الأراضي العراقية للإضرار بالدول الأخرى.
* حماية البعثات والمصالح الأجنبية وفق القانون.
* إدارة العلاقات الخارجية وفق المصلحة العراقية.
* منع أي طرف داخلي أو خارجي من فرض أجندته على الدولة.
وهذا يتطلب قرارًا سياسيًا شجاعًا، لا قرارًا يراعي موازين القوى.
السيناريوهات المقبلة
يمكن اختصار المرحلة المقبلة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولًا: سيناريو التهدئة وضبط السلاح
وهو السيناريو الأفضل للعراق، ويقوم على نجاح الحكومة والقوى السياسية في احتواء التصعيد، وتعزيز سلطة الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي مواجهة إقليمية.
وهذا السيناريو يحتاج إلى تفاهم سياسي داخلي واسع، وإلى قناعة لدى القوى المؤثرة بأن الحفاظ على العراق أهم من تسجيل النقاط في الصراع الإقليمي.
ثانيًا: سيناريو المنطقة الرمادية
وهو الأخطر على المدى المتوسط؛ إذ يستمر التصعيد بصورة محدودة، وتبقى الضربات والردود المتبادلة دون الوصول إلى حرب شاملة.
قد يبدو هذا السيناريو أقل خطورة، لكنه يستنزف الدولة ويضع اقتصادها وأمنها واستقرارها تحت ضغط دائم، ويجعل العراق يعيش بين الحرب والسلام دون أن يمتلك القدرة الكاملة على التحكم بمساره.
ثالثًا: سيناريو الانفجار
وهو انتقال المواجهة من الضربات المحدودة إلى مواجهة واسعة تتجاوز قدرة بغداد على الاحتواء.
وفي هذه الحالة لن تكون الخسارة أمنية فقط؛ بل ستطال الاقتصاد والاستثمار والطاقة والموانئ والتجارة وسعر الصرف والاستقرار الاجتماعي، وربما تعيد العراق سنوات إلى الوراء، ولهذا فإن منع هذا السيناريو يجب أن يكون أولوية الدولة الأولى.
الاقتصاد هو خط الدفاع الأول
لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد.
العراق الذي يريد أن يحافظ على استقلال قراره يحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات مستقرة، واستثمارات حقيقية، وبنية تحتية متطورة، وفرص عمل، وعلاقات اقتصادية واسعة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي.
أما الدولة التي تعتمد على مورد واحد، وتعيش على عوائد النفط، وتستهلك مواردها في الرواتب والصراعات السياسية، فإن قدرتها على اتخاذ القرار المستقل تصبح محدودة، ولهذا فإن الاستثمار والتنمية والإعمار ليست ملفات ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الأزمات؛ بل هي جزء من الأمن القومي العراقي.
الدبلوماسية العراقية أمام اختبار آخر
يمتلك العراق فرصة حقيقية في هذه المرحلة إذا استطاع أن يحافظ على سياسة متوازنة مع مختلف الأطراف، فالعراق ليس مضطرًا إلى اختيار معسكر ضد آخر، ويمكنه أن يكون صديقًا لإيران، وشريكًا للغرب، وجارًا لتركيا، وعمقًا عربيًا، وعلاقات متوازنة مع دول الخليج، بشرط أن تكون المصلحة العراقية هي نقطة الانطلاق والعودة.
الدبلوماسية الناجحة ليست دبلوماسية المجاملة، ولا دبلوماسية الانحياز، وإنما دبلوماسية تعرف كيف تحول موقع العراق الجغرافي والسياسي إلى مصدر قوة بدل أن تجعله ساحة للصراع.
العراق اليوم بحاجة إلى ثلاثة أمور لا يمكن فصل أحدها عن الآخر:
أولًا: إجماع سياسي ناضج يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية والمحاصصة والارتباطات الخارجية.
ثانيًا: دولة قوية تحتكر القرار الأمني والعسكري، لأن تعدد مراكز القرار يعني عمليًا تعدد السيادات داخل الدولة.
ثالثًا: سياسة خارجية متوازنة تبني الجسور مع الجميع، لكنها لا تسمح بأن تكون بغداد تابعًا لأحد أو ساحة لصراع أحد.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار فقط عندما تخسر الحروب، وإنما عندما تفقد القدرة على اتخاذ القرار المستقل.
والامتحان الذي يواجه العراق اليوم ليس امتحان الفصائل وحدها، ولا الحكومة وحدها، ولا الأحزاب وحدها؛ إنه امتحان الدولة العراقية كلها، فإما أن يتحول العراق من ساحة لتقاطعات الآخرين إلى دولة توظف موقعها لمصلحتها، ومن دولة تتلقى تداعيات الصراعات إلى دولة قادرة على منعها من الوصول إلى أراضيها، ومن تعدد مراكز القرار إلى مركز وطني واحد يحدد متى يبدأ الصراع ومتى ينتهي.
العراق لا يحتاج إلى حرب جديدة تثبت وجوده، ولا إلى شعارات إضافية تثبت وطنيته. العراق يحتاج إلى دولة، دولة تعرف أصدقاءها، وتختلف مع خصومها، وتحمي مصالحها، وتحترم سيادتها، ولا تسمح لأحد بأن يستخدم أرضها ضد أحد.
ففي زمن إعادة رسم خرائط القوة، أصعب قرار ليس أن تختار مع من تقاتل، بل أن تمتلك القدرة على أن تقول:
هذه أرض العراق، والقرار عراقي.