زنون سليفاني ـ زاخو
يواجه الاقتصاد العراقي في السنوات الأخيرة تحديات هيكلية ومعقدة، لعل أبرزها وأكثرها تأثيراً على حياة المواطن واستقرار الدولة هو أزمة تذبذب وارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار العراقي. هذه الأزمة لم تعد مجرد تقلبات مصرفية عادية، بل تحولت إلى معضلة اقتصادية كبرى تهدد القدرة المالية للحكومة، وتدفع بالأسواق نحو الركود والتضخم. وبين الاعتماد المفرط على النفط والقيود المصرفية الدولية، يبرز التساؤل الملح: كيف يؤدي ارتفاع سعر الدولار إلى تقويض استقرار السلطة في العراق ودفعها نحو حافة الأزمات الخانقة؟
الهيمنة الأحادية للاقتصاد والاعتماد على النفط
يعتمد العراق بشكل شبه كلي على تصدير النفط الخام كمصدر أساسي للإيرادات العامة، حيث تشكل عائدات النفط أكثر من 90% من موازنة الدولة. صدمة الإيرادات: عندما تفرض الأسواق الدولية قيوداً أو تحدث تقلبات في تدفقات العملة الصعبة، تنعكس هذه الهزات مباشرة على خزينة الدولة. غياب التنويع: فشلت الخطط التنموية المتعاقبة في خلق بيئة اقتصادية منتجة (صناعية وزراعية) قادرة على توفير العملة الصعبة ذاتياً، مما جعل الاقتصاد مكشوفاً تماماً أمام أي ضغط خارجي أو أزمات في سعر الصرف.
التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطن
إن الارتفاع المستمر في سعر صرف الدولار في الأسواق الموازية يترتب عليه بشكل مباشر ارتفاع حاد في أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية، نظراً لأن العراق دولة استهلاكية تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الخارج. تراجع القيمة الفعلية للدينار: يؤدي تراجع قيمة الدينار إلى تبخر المدخرات البسيطة للمواطنين وذوي الدخل المحدود.،
اتساع رقعة الفقر: الطبقات الفقيرة والمتوسطة هي المتضرر الأكبر من هذه الفجوة الاقتصادية، حيث تفقد الرواتب الحكومية جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية الحقيقية، مما يوسع الفجوة الطبقية ويزيد من الضغوط الاجتماعية على الدولة.
عجز الموازنة وتضخم النفقات الحكومية
تجد الحكومة العراقية نفسها سنوياً أمام موازنة انفجارية ضخمة ترتكز في معظمها على نفقات تشغيلية (رواتب الموظفين والمتقاعدين، الرعاية الاجتماعية). ومع ارتفاع سعر الدولار والقيود المفروضة على نافذة بيع العملة الصعبة: ضغط الرواتب: تواجه الخزينة العامة صعوبة متزايدة في تأمين الكتلة النقدية الضخمة للرواتب بالشكل المنتظم، خصوصاً إذا انخفضت أسعار النفط عالمياً بالتوازي مع أزمة الصرف. توقف المشاريع الاستثمارية: تُضطر الحكومة إلى تقليص أو تجميد المشاريع الاستثمارية والبنى التحتية لتوفير سيولة كافية لتغطية النفقات التشغيلية، مما يعطل مسار التنمية الاقتصادية بالكامل.
الحلول والسياسات البديلة لتفادي الانهيار
لتجاوز هذه الأزمة البنيوية ومنع الوصول إلى مرحلة العجز المالي الشامل، يتطلب الامر اتخاذ حزمة من الإصلاحات العاجلة والجريئة:
إصلاح القطاع المصرفي: الالتزام بالمعايير الدولية للامتثال المالي ومكافحة غسيل الأموال لتنظيم حركة التجارة والتحويلات الخارجية بشفافية. تنويع مصادر الدخل: تفعيل دور قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة لتقليل الاعتماد المطلق على الاستيراد والنفط. دعم الإنتاج المحلي: تقديم التسهيلات الضريبية والمالية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لتشجيع المنتج الوطني وخلق فرص عمل حقيقية. السياسات النقدية الحكيمة: إيجاد آليات توازن تضمن حماية الطبقات الهشة وتحافظ على استقرار السوق الموازية للعملة،
إن أزمة ارتفاع سعر الدولار وتأثيراتها العميقة على الاقتصاد العراقي ليست أزمة طارئة، بل هي نتاج عقود من الاعتماد على اقتصاد أحادي الريع وغياب التخطيط الاستراتيجي المستدام. إن استمرار هذه السياسات دون إصلاحات حقيقية يضع السلطة أمام تحديات وجودية تهدد الاستقرار المالي والاجتماعي للبلاد.