فارس نورولي
ترجمة: جواد ملكشاهي
إن الحروب المستمرة تجرّ وراءها الفقر والعوز بصورة دائمة. والعراق، منذ تأسيسه، ظلّ، بسبب انعدام العدالة السياسية والاقتصادية، يعيش في دوامة من الحروب والصراعات؛ ولذلك كان وضعه الاجتماعي والسياسي على الدوام غير مستقر. وهذا ما جعل الشعب العراقي في حالة خلاف مستمر مع السلطات المتعاقبة، ودفعه إلى الاحتجاج والثورة بين فترة وأخرى.
وبعد سقوط نظام البعث، لا يزال الوضع في العراق غير مستقر نتيجة اللاعقلانية في العقلية السياسية للحاكمين، الأمر الذي جعل الحياة المعيشية لغالبية المواطنين أكثر صعوبة. ومن الأمور التي لم تكن متوقعة من الحكومة وتشكيلتها الوزارية الجديدة ارتفاع سعر الدولار؛ لأن ارتفاع سعر الدولار يعني بصورة مباشرة انخفاض المستوى المعيشي للمواطنين وارتفاع أسعار مختلف السلع، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة معدلات الفقر.
وقد عرّفت مختلف الفلسفات والأديان الفقر بوصفه من أشد الآفات والأمراض فتكاً. وفي المفهومين الاقتصادي والاجتماعي، يشير الفقر إلى انعدام مصادر العيش، وارتفاع الأسعار، وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وعندما ننظر إلى الفقر من منظور الوجود وعلم النفس، نجد أنه لا يعني مجرد فقدان مقومات العيش الأساسية، بل يمثل عاملاً يؤدي إلى تفكك العقل والأخلاق في المجتمع، وإلى المساس بكرامة الفرد. ومن هذا المنظور، يدفع الفقر الإنسان إلى فقدان كرامته وعزته، لتحلّ مشاعر الحقد والكراهية محل الاحترام والمحبة.
وفي نهاية المطاف، يفقد الفرد استقلاليته؛ لأنه عندما لا يمتلك دخلاً ومصادر عيش مستقلة، لا يعود قادراً على التفكير بحرية، بل يتحول إلى تابع من أجل تأمين لقمة العيش. ومن هنا تبدأ صلته وانتماؤه إلى الوطن بالضعف، كما تتراجع قدرته على الدفاع عنه.
لذلك، فإن ارتفاع سعر الدولار يمثل جرس إنذاراً خطيراً للفقر، وقد دقّ هذا الجرس من بغداد. وينبغي للحكومة في بغداد أن تدرك أن تعمّق الفقر وارتفاع معدلاته يعنيان انهيار القيم الاجتماعية والوطنية برمتها؛ ولهذا يتعين عليها أن تفكر بجدية في معالجة حالة عدم الاستقرار التي يشهدها السوق.
وفي الوقت نفسه، ينبغي للشارع العراقي، والأحزاب العراقية والكوردستانية، بمختلف مكوناتها القومية والمذهبية والدينية، أن يكون لها موقف واضح وأن تفتح نقاشاً جاداً حول هذه الأزمة.