الجزء الخامس والخمسون
عدت الى بغداد في كانون الثاني سنة 1971 ،فأقتنيت بعض المسدسات الصغيرة رقم (5) وزعتها على اصدقائي وكذلك بعض بنادق الصيد وبندقية صيد من حجم صغير كهـدية للبارزاني، وكانت هذه الانواع من الاسلحة تباع للدبلوماسيين وبأثمان رخيصة جدا،ً وكذلك سافرت الى بريـطانيا قبل ذلك وأقتنيت معطفاً مناسباً للبارزاني بالشكل واللون والحجم المقبول عنده وقد أعجبه ذلك وكان مطابقاً لرغبته. رافقني في عودتي الى براغ ابن عمي كـاكه عبدالقادر ومرافقي الوفي عمر قادر لقضاء بضعة أسابيع معي. وأوصاني كذلك البارزاني بأن فارس باوه أحد قادة البيشمهركة البارزين سوف يأتي الى براغ لغرض المعالجة والاستجمام وأوصاني بالأهتمام به.
عدت الى براغ عن طريق لبنان ومعي كاكه و عمر، أما فارس باوه فكان من المقرر وصوله فيما بعد، قضينا بضعة ايام في بيروت ثم توجهنا الى براغ حيث حل كل من كاكه وعمر في داري -التي كانت داراً واسعة جداً من ثلاث طوابق- كما وصل فارس باوه بعد ايام وقضينا وقتاً طيباً، وسافرنا معاً الى المانيا الشرقية والمانيا الاتحادية وفينا وهناك عرضت فارس باوه على الاطباء وهكذا مر الوقت، وبعد حوالي الشهرين غادر براغ ضيوفي الشخصيين وعادوا الى بغداد.
خلال وجود ضيوفي وفي أواخر مارت سنة 1971، أقامت جمعية الطلبة الكورد التي كان يرأسها طارق عقراوي، حفلة بمناسبة عيد نوروز حضرها جمع كبير من الطلبة الكورد ومن القوميات الأخرى ومن جـميع الاتجاهات، وحضرها المرحوم علي صالح السعدي الزعيم البعثي السابق، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية بعد انقلاب الثامن من شباط سنة 1963،وهو من أصل كوردي ومن منطقة دزه بي بالذات وان اقاربه يعيشـون في أربيل في الوقت الحاضر.
جلس السعدي بيننا وأخذ يلوم نفسه على أخطائه السابقة وانكاره قـوميـته الأصلية، وكنا نمزح معه ونتبادل الحديث وفجأة توجه بعض الشـيـوعـيين نحو مائدتنا، ووجهوا له بعض الكلمات غير اللاثقة وحاولوا اثارته للأعتداء عليه، فنهرتهم على ذلك وطلبت من رئيس الجمعية ابعادهم وفي حالة استمرارهم الطلب منهم مغادرة القاعـة، وفي الحقيقة امتثل هؤلاء لهـذه التعليمات وهدأوا لحين انتهاء الاحتفال ومغادرتنا القاعة.
بعد ذلك بأيام وصلتني تعليمات من رئاسة الجمهورية بأصدار جوازات سفر عراقية لكل من عبدالرحمن قاسملو وزوجته الجيكوسلوفاكية ايلين، التي أشتهرت بين الكورد ب(نسرين) وكذلك تزويدهما بالتذاكر وتسفيرهما الى بغداد. وقاسملو من كوردستان ايران وكانت لي معرفة قديمة معه تعود الى سنة 1959 عندما جاء مع زوجته المذكورة الى كوردستـان العراق لزيارة البارزاني. أصبح أميناً عاماً للحزب الديمقراطي الكوردستاني في ايران، ومن الزعـماء المعارضين للنظام الايراني الحالي فأغتيل سنة 1989 في فينا عاصمة النمسا اثناء اجرائه الحوار مع بعض المسؤولين الإيرانيين.
أعود فأقول كانت نية الحكومة العراقية في ذلك كسبه نحوها بأعتباره معارضاً لنظام الشاه آنذاك. زودته بجوازات السفر والبطاقات وسافر الى بغداد، وبقى فيها لحين قيام الثورة الاسلامية في ايران، وبعد خلافه مع النظام الجمهوري عاش في المناطق الحدودية مدعماً من العراق لحين أغتياله في فينا.

كان الأخ عزيز شيخ رضا الذي كان مهندساً كهربائياً متخرجاً من جيكوسلوفاكيا وعاد بعدها الى براغ ثانية للأختصاص، دائم التردد عليَ وكان -والحق يقال- خير صديق ونديم ومساعد، فلم أكن أشعر بالوحدة بوجوده، وكنت أستصحبه معي في زيارات رسمية عـديدة للقيام بالترجمة من اللغة الجيكوسلوفاكية الى الكوردية ،وخاصة اللقاءات التي كنت أشعر بأن موضوع القضية الكوردية سيكون مدار بحثنا، وكذلك كان طارق عقراوي الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة الكورد وكانا نعم صديقين.
حصلنا مع عزيز شيخ رضا على زمالة تدريب لمدة عامين، وتمكنّا من جلب الشهيد المرحوم عبدالخالق معروف الذي كان مديراً فنياً لأذاعة صوت كوردستان العراق وتمكن خلال تلك المدة من التدرب على مختلف الاجهزة المتعلقة بالأذاعات، كما وأصبح مسؤولاً لفرع الحزب في أوروبا، الذي اصبح مقره في براغ وكنت التقي مع هؤلاء الثلاثة دوماً ومع الطلبة الآخرين في مناسـبات مختلفة.
كلفني يوماً هؤلاء الاصدقاء الثلاثة بأنهم في حاجة الى جهاز رونيو وطابعة وذلك لطبع منشوراتهم الحزبية، ولما تعذر الوصول عليها في براغ لمحظورية بيع مثل هذه الاجهزة الى الجهات غير الحكومية أو الحزبية، فقد ذهبت بسيارتي الى المانيا الغربية في أحدى عطلات الاسبوع، وحصلت على الاجهزة الخاصة واقتنيتها من حسابي الخاص ونقلتها بسيارتي الدبلوماسية، ولما كان من غير الممكن الأحتفاظ بها وتشغيلها عندهم، فقد وضعتها في داري وفي غرفة خاصة وخالية لأستعمالها وقت الحاجة. وقبل نهاية سنة 1972عندما انتقلت من سفارة براغ، تفرقت هذه المجموعة ايضاً فعاد كل من عزيز وعبدالخالق الى كوردستان، وعين عزيز ممثلاً للثورة وللبارزاني في بيروت والدول العربية المجاورة، وعاد عبدالخالق معروف الى عمله السابق مـديراً لجهاز الاذاعة الذي لم يكن يعمل بعد. أما طارق فقد انتقل الى المانيا الغربية لمزاولة الاعمال الحزبية ونقلت له أجهزة الطباعة ثانية الى هناك.
والجدير بالذكر أنه كان يتردد عليَ يومذاك الموسيقي والفنان الكوردي الشهير قادر ديلان ،شقيق الفنان والشاعر المعروف محمد صالح ديلان، وكان قادر مقيماً هناك ومتزوجاً من امرأة جيكية ويعيش معها وابنهم الصغير آرام، الذي كان يتـمرن على العزف وهو طفل صغير في دار ريفية صغيـرة قرب براغ، وقد زرناه فى داره مرة أو مرتين وطبخ لنا المأكولات الكوردية، وقد توفي ديلان قبل حوالي العام -رحمه الله.-
التآمر على حياة البارزاني
في أواخر ايلول سنة 1971 تمتعت بأجازة اعـتـيادية وعـدت الى العراق عن طريق البر بسيارتي الشخصية، التي اقتنيتها من شركة مرسيدس بنز في المانيا حسب المواصفات التي طلبتها، وكنت قد استلمتها في أواخر آذار من تلك السنة، كان معي ولدي شيروان الذي كان دون السادسة عشر من عمره واتبعت طريق فينا ثم يوغسلافيا فبلغاريا وتركيا، وبعد اربعة أو خمسة أيام وصلت نقطة الحدود في زاخو وكان الطريق بين اورفه وزاخو غير مبلطاً بل مفروشاً بالحصو فقط، فقد كان متعباً ومخطراً في نفس الوقت حيث كان عـلى سالك الطريق المذكور أن يكون حذراً جداً. وبعد أكمال المعاملات الاصولية توجهت الى الموصل فوصلناها بعد غروب الشمس ،وراجعت مديرية كمارك الموصل فأكملوا لي المعاملات اللازمة للأدخال المؤقت مشكورين بصورة سريعة. وبعد الاتصال هاتفياً بأربيل، طلبت ارسال مرافقي سريعاً الى بغداد وتوجهت نحو بغداد فوصلتها في ساعة متأخرة من الليل في 27/9/1971 ،وفي صباح اليوم التالي ذهبت الى القصر الجمهوري وسجلت اسمي في سجل التـشريفات حسب الاصول المتبعة، ثم أتصلت هاتفياً بالمجلس الوطني حيث مكتب نائب الرئيس صدام حسين، وطلبت موعداً لمقابلته فحدد الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم التالي أي التاسع والعشرين من شهر ايلول.
وبعد التـفكير وبعد أن وصل مرافقي عمر قررت العودة الى أربيل في نفس ذلك اليـوم، وايصال ولدي شــيـروان والعودة الى بغداد في اليـوم التالي قـبل الموعد المحدد للمقابلة. وصلت أربيل قبل غروب الشمس بنصف ساعة واتصلت هاتفياً بالسيد كانبي عزيز دزه يي نائب المحافظ، الذي كان وكيلاً للمحافظ في نفس الوقت نظراً لغياب المحافظ وتمتعه بأجازة، وبعد استراحة قصيرة وبعد غروب الشمس بقليل، وبعد أن وصل داري شقيقي كاك أحمد ومعه محمد مولود أحد معتمدينا القدماء، رن جهاز الهاتف واذا بوكيل المحافظ كانبي دزه يي يريد مكالمتي لأمر هام، وبعد أن كلمته أخبرني بأنه قد استلم برقية من قائممقام جومان الشهيد فرنسو حريري ،تفيد بأن مؤامرة كبرى قد جرى تنفيذها بقصد اغتيال البارزاني وأنه نجا من ذلك بأعجوبة، فحررت برقية الى مكتب نائب الرئيس صدام حسين، طالباً تأجيل موعد المقابلة لأمر هام الى موعد آخر، وسلمت البرقية الى شقيقي كاك أحمد ليبعثها وتركت وتحركت فوراً ومعي مرافقي عمر نحو جومان، ومعي شخص آخر من افراد البيشمركة المرافقين لي وهو (خسرو) على ما أعتقد.
ومن سوء الصدف ان السيارة اصابها بعض العطل في الطريق مع انها كانت سيارة جديدة، مما أدى الى تأخيرنا كثيراً وكان الطريق آنذاك خالياً من المارة والسـيـارات، وعند منتصف الليل وصلت سيارة أجرة قادمة من أربيل وفيها عدد من البارزانيين ،وبعضهم من حـراس البارزاني الشخصيين ومن الذين رافقوه في مسيرته الى الاتحاد السوفيتي سنة 1947، وكانوا قد سمعوا النبأ فهرعوا الى منطقة القيادة للأطلاع على حقيقة الخبر، ولما شاهدوني عرفوني فأفسحوا لي المكان في سيارتهم ورافقـتهم تاركاً عمر وخسرو عند السيارة لأصلاحها في اليوم التالي والالتحاق بي.
وصلنا قرية ناوبردان مقر المكتب السياسي قبل الفجر بقليل، وعلمت بأن البارزاني في قصر السلام الذي يبعد عن ناوبردان مسافة كـيلومترين أو ثلاثة وكان القصر بيتاً عادياً عبارةعن أربعة غرف للنوم وصالون للجلوس، والملحقات وشيد بعد اتفاقية الحادي عشر من آذار سنة 1971 للضيوف وسمي بقصر السلام.
توجهت نحو المكان المذكور ووصلته بعد دقائق وشاهدت الحارس الشخصي الامين للبارزاني، المرحوم حاجك محمد الذي كان رئيساً للحراس شاهدته يمشي جيئة وذهاباً بجانب أحدى الغرف، فأيقنت بأن البارزاني موجود هناك فـتوجهت نحو حاجك الذي حياني ولاحظ قلقي وارتباكي، فقادني الى تلك الغرفة ومن خلال أحد الشبابيك اراني البارزاني وكان نائماً، وقال ان البارزاني ظل ساهراً حتى ساعة متأخرة من الليل مستقبلاً الزوار والمهنئين بسلامته، وبعد أن اطمأن قلبي وحمدت الله على نجاته وسلامتـه قادنى (حاجك) الى غرفة أخرى، فيها فراش فاسترخيت عليه وراودتني افكار مختلفة ومزعجة حتى الصباح.
ونهـضت في الصباح الباكر وبعد تناول شيء من الفطور، أنتظرت بفارغ الصبر لقاء البارزاني ولما دخلت عليه هنأته على سلامته وحمدت الله على نجاته والعبرات تخنقني، فخف من قلقي وارتباكي وقـال، بأن الأعمار بيـد الله ثم تلى عليَ بعض الآيات من القـرآن الكريم تتناسب مع تلك الحالة ثم قال أنه قد نجا حقاً بمعجزة من الله سبحانه وتعالى حيث كـتبت له النجاة، واستمر قائلاً بأن هذه ليست هي المرة الأولى التي يتعرض فيها لمثل هذه المخاطر، وأنه كان قاب قوسين أو أدنى من الموت مرات عديدة، بعد ذلك طلب مني الذهاب لمشاهدة مكان الحادث لأقدر بنفسي مدى خطورته، وفي تلك الاثناء حضر الأخ علي سنجاري قادماً من منطقة دهوك اثر سماعه الخبر، وكان في نفس وضعي من القلق والارتباك.
بعد ذلك غادرت الى حاج عمران لمشاهدة الدار التي نفذت فيها المؤامرة، وهي ذات الدار التى ذكرت عنها والتي قابلت فيها البارزاني قبل أكثر من سنة، للأستذان منه بالسفر الى براغ والتي استقبل فيها اثناء وجودي والد اللواء الركن عبدالعزيز العقيلي، ولما شاهدت الدار والغرفة التي جرت فيها تنفيذ المؤامرة، وجدتها كأنها ساحة حرب أصيب جانب منها بالحرائق التي شبت نتيجة الانفجار والتي كانت قد اصابت الأثاث ايضاً. ووجدت الدماء وقطع من اللحوم البشرية ملتصقة بسقف الغرفة ومتناثرة هنا وهناك، وان الذي كان يطلع على حال الغرفة وعلى الدار وبقايا السيارة المحطمة بـجانبها، كان لايصدق بأن أياً من الذين كانوا داخل تلك الدار قد نجا من تلك المؤامرة.