بقلم انس الشيخ مظهر
بعد قرابة ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، يصعب أن نجد حدثاً في تاريخنا الحديث اختلفت حوله القراءات بقدر ما اختلفت حول هذا اليوم. فريق يراه ملحمة غيّرت وجه المنطقة، وفريق يراه كارثة لا تُغتفر. وبين الفريقين يضيع السؤال الأهم: هل كانت هذه العملية قراراً استراتيجياً صحيحا ؟
لا أحد ينكر أن ما جرى في ذلك الصباح كان نجاحاً عسكرياً مذهلاً من حيث المفاجأة والتنفيذ. جيش يملك أقوى منظومة استخبارات في المنطقة وجد نفسه عاجزاً عن حماية حدوده لساعات طويلة. لكن التاريخ العسكري مليء بمعارك كسبها أصحابها في البداية ثم خسروا بسببها الحرب كلها. فالضربة الناجحة تقيس شجاعة من نفّذها ودقة تخطيطه، أما الاستراتيجية فتقيس ما ياتي بعد الضربة … وهنا تحديداً بدأ الخلل.
كان الرهان واضحاً على ان إسرائيل ستُصدم، فتدخل غزة لتغرق في حرب مدن وأنفاق، وتتراكم خسائرها، ويضغط عليها أهالي الأسرى والشارع والحليف الأمريكي , فتقبل بتسوية تسمح لحماس بإعلان النصر. هذا السيناريو بُني على افتراض واحد دون البحث في افتراضات اخرى .. لكن الخصم ليس صفحة مفتوحة مكتوبة فيها خياراته . فقد قرأت اسرائيل المشهد بطريقتها ، وهي انه فرصة نادرة لتغيير قواعد اللعبة، لا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع.
ومن أغرب ما حدث أن كل ما فعلته حماس لإيلام اسرائيل كان يمنحها ما تحتاجه . فالصدمة الكبيرة جعلت المجتمع الإسرائيلي “ رغم انقسامه” يتفق على نقطة انه لا يجوز أن يتكرر هذا مستقبلا . ولهذا بقيت الاحتجاجات والخلافات الحادة حول الحكومة في جهة، واستمرار الحرب في جهة أخرى. من يخلط بين الاثنين يظن أن الشارع المنقسم ينتج جيشا منهارا . والحقيقة أن الدول الديمقراطية تتشاجر في الداخل وهي تقاتل في الخارج، وهذا لا يعني أنها تسقط.
أن الضربة الكبيرة تغيّر حسابات الخصم الأخلاقية والقانونية معاً , فقبل السابع من أكتوبر كانت إسرائيل تتحرك تحت سقف من القيود الدولية والداخلية، وحسابات الكلفة السياسية لأي توسع عسكري. وبعده أصبحت تملك مبرراً يراه كثيرون في العالم مشروعاً لخطوات لم تكن تجرؤ عليها من قبل. أي أن الضربة رفعت عن اسرائيل قيود تحركاتها . وهذه مفارقة لا تظهر في حسابات الأيام الأولى، لكنها تفرض نفسها في الايام التالية.
كانت فكرة وحدة الساحات تبدو على الورق قوة هائلة , حزب الله في الشمال، والفصائل في العراق، والحوثيون في البحر الأحمر، وإيران من خلفهم. لكن الحرب لا تُكسب بعدد الجبهات بل بتزامنها وتنسيقها. فما حدث أن كل جبهة دخلت بدرجة مختلفة وفي وقت مختلف وبحسابات مختلفة تخص صاحبها قبل أن تخص غزة. فكل طرف كان يحسب خسائره قبل أن يحسب مكاسب غيره. وهذا ما سمح لإسرائيل بالتعامل معها واحدة بعد أخرى , فتعاملت مع غزة أولاً، ثم لبنان، ثم الضربات المباشرة لإيران، ثم تغيّر المشهد السوري. وكلما سقطت حلقة، ضعفت التي بعدها.
وفي هذا السياق نفهم لماذا تعثرت حسابات كثيرة. فالتحالفات الإقليمية تقوم على المصالح لا على العواطف. إيران كانت تحمي نفسها قبل أن تحمي حلفاءها، وحزب الله كان يحمي لبنان وبنيته قبل أن ينقذ غزة، وكل طرف وضع حدوداً لما يستطيع تقديمه. من اعتمد على أن يضحّي الآخرون من أجله بلا حدود، بنى بيته على أرض لا يملكها.
ولا بد هنا ذكر تاثير اداء الإعلام العربي … فقد قدّم الإعلام العربي الحرب كأنها مباراة تُحسب فيها الكمائن والدبابات المدمّرة أسبوعاً بعد أسبوع، وكأن الفائز هو من سجّل أكثر. لكن الحرب ليست مباراة. قد يخسر الجيش دبابات كثيرة ويربح الحرب، وقد تربح حركة معارك كثيرة وتخسر القدرة على الاستمرار. والأخطر أن هذا الأسلوب جعل الجمهور يعيش في عالم موازٍ، فإذا انسحب الجيش قيل هُزم، وإذا عاد قيل عجز، وإذا قتل قيل ينتقم لفشله، وإذا خسر قيل إنه يُسحق. أي شيء يحدث كان يُفسَّر لصالح النتيجة المحسومة سلفاً. وهكذا لم يعد الإعلام يخبر الناس بما يحدث، بل يطمئنهم إلى ما يريدون سماعه. والثمن الحقيقي لهذا التخدير أنه حرم أصحاب القرار أنفسهم من نقد ذاتي في الوقت الذي كانوا أحوج ما يكونون إليه.
أن الحركات المسلحة والدول تقيس القوة بمقياسين مختلفين. الحركة تقيس قوتها بقدرتها على إيلام خصمها، والدولة تقيس قوتها بقدرتها على امتصاص الألم ثم مواصلة العمل. الحركة التي تضرب بقوة قد تظن أن الخصم سيرتبك، لكنها تنسى أن الدولة لديها احتياطي من المال والرجال والحلفاء والمؤسسات يسمح لها بأن تتألم وتستمر. المعركة بين الاثنين ليست معركة ضربات، بل معركة صبر وموارد. ومن يدخلها دون أن يحسب قدرته على الصبر، يدخلها وهو يظن أنه يملك المبادرة بينما هي في الحقيقة بيد خصمه.
ان قرار هجوم السابع من اكتوبر اتُّخذ في غرفة ضيقة، لكن الفاتورة دفعها مليونا إنسان لم يُستشاروا. وهذا ما يجعل الحديث عن الاستراتيجية ليس ترفاً فكرياً، بل مسؤولية أخلاقية. فمن يقرر أن يفتح حرباً باسم شعب عليه أن يكون قد فكر في اليوم التالي بالجدية نفسها التي خطط بها لليوم الأول. والحقيقة المرة أن خطة اليوم الأول كانت محكمة، أما اليوم الثاني فلم يكن له وجود.
المطلوب من شعوب منطقتنا أن تتعلم كيف تفكر . وان تفرق بين البطولة والاستراتيجية، وبين الشجاعة والحكمة، وبين الألم الذي توقعه بالخصم والنتيجة التي تحققها لنفسها .
فالأمم لا تنهض بالأمنيات ولا بالشعارات، بل بالقدرة على النظر في المرآة والاعتراف بما فيها. ومن يخاف من الحقيقة لا يستطيع أن يغيّر الواقع. والسابع من أكتوبر، مهما اختلفنا عليه، سيبقى درساً مفتوحاً .. عن تهور بلا حساب، ونصر تكتيكي لم يتحول إلى نتيجة، وعن ثمن يدفعه الناس حين يُترك مصيرهم لرهان واحد لم يُسأل عن بديله.