جدلية الممكن في الفعل السياسي: صناعة الإمكان وحفظ الوجود وبناء المستقبل

د. إبراهيم الشرفاني
أستاذ المساعد – القانون الدستوري والنظم السياسية

مقدمة
إنَّ السياسة، بوصفها فنَّ الممكن، لا تعني التسليم بالواقع كما هو، ولا الخضوع الحتمي لموازين القوى القائمة؛ كما لا تعني، في المقابل، الارتهان لمثاليات مجردة تتجاهل شروط الواقع وحدوده. وإنما تتحدد ماهيتها في المسافة الجدلية بين ما ينبغي أن يكون وما يمكن أن يكون؛ بين المبدأ والواقع، وبين الغاية والإمكان.
فالمبدأ يمنح الفعل السياسي اتجاهه وقيمته، في حين يحدد الممكن مجال تحققه في لحظة تاريخية معينة. ومن ثم، فإن انفصال المبدأ عن الممكن يفضي إلى مثالية عاجزة، كما أن انفصال الممكن عن المبدأ يحوّل السياسة إلى براغماتية فاقدة للبوصلة. والسياسة الناضجة لا تختار بين المبدأ والواقعية، بل تعمل على بناء الجسر الذي يصل الغاية بشروط تحققها.
وانطلاقاً من ذلك، تتمثل الإشكالية المركزية في أن الفعل السياسي يُختزل غالباً في إدارة الممكن ضمن حدود الواقع القائم، بما يجعل موازين القوى والقيود التاريخية تبدو حدوداً نهائية للفعل. غير أن هذا التصور يثير السؤال الآتي: هل الممكن السياسي مجرد مجال تفرضه بنية الواقع، أم أن الفعل السياسي قادر على إعادة إنتاج شروطه وتوسيع حدوده؟
ومن هذا المنطلق: أن الممكن السياسي ليس معطىً ثابتاً، بل صيرورة تاريخية قابلة للصناعة والحفظ والبناء؛ فالفعل السياسي لا يكتفي باكتشاف الممكن، بل يسهم في إنتاج شروط إمكانه، وحماية ما يتحقق منه، وتحويل المتحقق إلى قاعدة لإمكانات أوسع.
وعليه، لا تبدأ السياسة من الواقع لكي تكرّسه، وإنما تقرأه بوصفه مجالاً مفتوحاً على التحول؛ فموازين القوى ليست حدوداً أبدية للفعل، بل علاقات تاريخية قابلة لإعادة التشكل عبر تراكم القوة، وبناء المؤسسات، وإدارة التحالفات، وتوظيف الموارد، وتحويل الإرادة السياسية إلى قدرة وفعل منظم.
المحور الأول: صناعة الممكن — إنتاج شروط الفعل
تبدأ السياسة من إرادة ما لم يوجد بعد؛ غير أن الإرادة وحدها لا تصنع التاريخ. فبين الرغبة والواقع مسافة لا تقطعها الأمنية، وإنما القدرة.
لذلك فإن صناعة الممكن هي الانتقال من إمكان الفكرة إلى إمكانية الفعل؛ أي العمل داخل الواقع لا للاستسلام لحدوده، وإنما لتغيير بعض شروطه. فموازين القوى ليست دائماً قدراً نهائياً، بل علاقات تاريخية قابلة لإعادة التشكل عبر تراكم القوة، وبناء المؤسسات، وتكوين التحالفات، وإنتاج الشرعية.
ومن هنا لا يكون السؤال السياسي الناضج: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟ فقط، وإنما: ماذا ينبغي أن نفعل الآن لكي يصبح غداً ممكناً ما ليس ممكناً اليوم؟
المحور الثاني: حفظ الممكن — صيانة شروط الاستمرار
حين يتحول الممكن إلى واقع، لا ينتهي الفعل السياسي؛ فالمنجز نفسه يدخل في مواجهة مع الزمن، ويمكن أن يفقد شروطه أو يتآكل إذا لم تُعَد إنتاج أسسه.
ومن هنا فإن حفظ الممكن لا يعني تقديس الموجود أو تجميده، وإنما صيانة الشروط التي تمنحه القدرة على الاستمرار والتجدد.
فالحفظ الحقيقي لا يحمي الشكل وحده، بل يحمي الحياة التي تجعل الشكل قابلاً للاستمرار. ولذلك فإن الاستقرار ليس سكوناً، بل قدرة على الاستمرار في الحركة دون فقدان الهوية.
إن حفظ الممكن، بهذا المعنى، هو حفظٌ ديناميكي: صيانة للمنجز، وتجديد لشروطه، وإبقاؤه مفتوحاً على المستقبل.
المحور الثالث: بناء الممكن — إنتاج شروط المستقبل
إذا كانت صناعة الممكن تنقل الإرادة إلى القدرة، وكان حفظ الممكن يحول دون تبديد المنجز، فإن بناء الممكن يعيد فتح الواقع على المستقبل.
فالواقع الذي تحقق لم يكن في الأصل إلا ممكناً؛ وحين يتحقق، لا يغلق باب الإمكان، بل يفتح إمكانات أخرى.
كل واقع جديد يغلق بعض الممكنات، لكنه يولّد ممكنات جديدة.
فالبناء ليس مجرد إضافة إلى الواقع، وإنما إعادة فتحه على المستقبل؛ أي تحويل ما تحقق إلى قاعدة للانطلاق نحو ما لم يتحقق بعد.
وهنا ينتقل الفعل السياسي من سؤال: ماذا لدينا؟ ومن سؤال: كيف نحافظ عليه؟ إلى السؤال الأكثر انفتاحاً على التاريخ:
ماذا يمكن أن نصبح؟
وعند هذه النقطة يتحول الفعل السياسي من إدارة الحاضر إلى المشاركة في صناعة المستقبل.
الخاتمة
تكشف جدلية الممكن أن السياسة ليست فناً لإدارة الواقع فحسب، ولا فناً لمقاومته، وإنما هي فعلٌ تاريخي يتشكل في المسافة بين الواقع والإمكان.
فالممكن ليس معطىً ثابتاً ينتظر الاكتشاف، كما أن الواقع ليس بنيةً مغلقة تستعصي على التغيير؛ إذ تقوم بينهما علاقة جدلية: الواقع يحدد شروط الممكن، والممكن، حين يتحول إلى إرادة وفعل، يسهم في إعادة تشكيل الواقع.
ومن هنا يمكن اختزال فلسفة الممكن السياسي:
الممكنُ السياسيُّ ليس حدّاً ثابتاً، ولا واقعاً مغلقاً؛ وإنما هو مجالٌ يتشكّل بالفعل، ويتّسع بالقدرة، ويتحوّل بتغيّر شروط التاريخ.
والواقعيةُ السياسيةُ ليست قبولاً بالواقع كما هو، وإنما فهماً لشروط تغييره؛ فموازينُ القوى ليست قدراً أبدياً، وما يبدو مستقرّاً في لحظةٍ قد يغدو متحوّلاً في لحظةٍ أخرى.
والمبدأُ يمنح الفعلَ وجهتَه، والممكنُ يمنحه شروطَ تحقّقه؛ فلا يستقيم الفعلُ السياسيُّ بمبدأٍ منفصلٍ عن إمكانه، ولا بإمكانٍ منفصلٍ عن مبدئه.
وصناعةُ الممكنِ تنقل الإرادةَ من حيّز الرغبة إلى مجال القدرة، وحفظُ المتحقّقِ يصون شروطَ استمراره، وبناءُ الممكنِ يفتح من الواقع آفاقاً جديدةً للفعل.
وما من تحقّقٍ سياسيٍّ إلا ويغلق باباً من الإمكان، ويفتح باباً آخر؛ فكلُّ واقعٍ جديدٍ يعيد ترتيبَ مجال الممكن، وكلُّ إنجازٍ يحمل في داخله إمكاناً جديداً.
والحكمةُ السياسيةُ تتجلّى في توسيع مجال الممكن، من غير إنكارٍ لحدود الواقع، ومن غير استسلامٍ لها؛ إذ تتحول الحدودُ، حين تُفهم شروطُها، من قيودٍ على الفعل إلى نقطةِ انطلاقٍ لتغييره.
وعليه، فإن السياسة، في أعمق دلالاتها، هي تدبيرٌ تاريخي للعلاقة بين الكائن والممكن؛ فالواقع ليس نهاية الفعل، والممكن ليس بديلاً عن الواقع، وإنما تتحدد قيمة الفعل السياسي في قدرته على الانتقال من الإمكان إلى التحقق، ومن التحقق إلى إمكان جديد.
ومن ثم يمكن النظر إلى السياسة بوصفها:
فنَّ صناعة الممكن، وحكمةَ حفظ المتحقق، وشجاعةَ بناء المستقبل.

قد يعجبك ايضا
∧