د. نوري جاسم
أخطر أنواع الجهل ليس أن لا تعرف، وإنما أن تجهل وأنت تظن أنك تعرف. فالمشكلة لا تبدأ عندما يفتقد الإنسان المعلومة، بل عندما يغلق عقله أمام السؤال، ويرفض مراجعة ما ورثه من أفكار، ويحوّل قناعته الشخصية إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. وقد يعرف الإنسان قليلًا، وهذا أمر طبيعي، لكن الخطر أن يجعل من القليل الذي يعرفه ميزانًا يحاكم به كل شيء. عندها يصبح الاختلاف جهلًا، والسؤال اعتراضًا، والنقد إساءة، ويصبح الحوار معركة بدل أن يكون طريقًا إلى الحقيقة. والوعي لا يعني أن نعرف كل شيء، فذلك مستحيل؛ وإنما أن ندرك حدود معرفتنا. وأحيانًا تكون جملة «لا أعرف» أكثر علمًا من عشرات الإجابات التي لا تستند إلى معرفة. المجتمعات لا تتقدم بكثرة المعلومات وحدها، وإنما بقدرتها على مراجعة أفكارها، وتصحيح أخطائها، واحترام السؤال، والتمييز بين الحقيقة وما اعتدنا أن نعتقد أنه حقيقة. وإن أخطر سجن يمكن أن يعيش فيه الإنسان ليس سجنًا من حديد، بل فكرة مغلقة يظن أنها يقين. ولهذا، فإن بداية الوعي ليست أن تقول: أنا أعرف، وإنما أن تمتلك الشجاعة لتسأل: ماذا لو كنت مخطئًا؟ وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..