كاوه عمر
مكافحة الإرهاب ليست خياراً بالنسبة إلى الدولة العراقية، بل هي مسؤولية أساسية لحماية مواطنيها وأمن أراضيها. وقد دفع العراق ثمناً باهظاً في مواجهة تنظيم داعش، كما قدمت القوات الأمنية العراقية تضحيات كبيرة في هذه المواجهة. لكن نجاح مكافحة الإرهاب لا يُقاس فقط بالقدرة على ملاحقة عناصر التنظيم والقضاء على التهديدات التي يمثلونها، بل أيضاً بقدرة الدولة على القيام بذلك في إطار القانون، واحترام القانون الدولي والدستور العراقي، وبأقل قدر ممكن من المخاطر على حياة المدنيين وممتلكاتهم.
حادثة آلتون كوبري (بردي)، شمال كركوك، في 27 أيلول/سبتمبر 2026، تطرح هذه المسألة بصورة مؤلمة جداً. فالعملية التي نفذها جهاز مكافحة الإرهاب العراقي لم تنتهِ فقط بمقتل أحد المشتبه بهم واعتقال آخر، بل أسفرت، وفق البيان اللاحق للجهاز، عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة أربعة من منتسبيه. وتفيد تقارير محلية بأن المدنيين القتيلين كانا قاصرين من القومية الكوردية.
لكن القضية لم تتوقف عند ظروف مقتلهما، فقد نُشرت بعد العملية صور للجثامين، وخلفهما عناصر من الجهاز وهم يلمحون بإشارة النصر، كما جرى في الرواية الأولية تقديم القتلى باعتبارهم من عناصر داعش، قبل أن يقر جهاز مكافحة الإرهاب لاحقاً بمقتل مدنيين اثنين وحذف الصورة.
وهنا تصبح القضية أكثر خطورة من مجرد خطأ عملياتي محتمل، إذ تطرح أسئلة حول الحق في الحياة، وحماية المدنيين، وكرامة الموتى، وحقوق الأطفال، ومسؤولية الدولة العراقية بموجب القانون الوطني والدستور العراقي والقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
مكافحة الإرهاب واجب، ولكن بأي ثمن؟
ليس محل النقاش ما إذا كان من حق السلطات العراقية ملاحقة أشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى داعش والتنظيمات الإرهابية، بل إن ذلك واجب الدولة والحكومة العراقية في منع الإرهاب وحماية السكان والحفاظ على الأمن الداخلي، وملاحقة مرتكبي الجرائم وتقديمهم إلى العدالة. لكن هذا الواجب لا يمنح أجهزة الدولة حرية غير محدودة في اختيار وسائل تنفيذ العمليات، ولا سلطة مطلقة في استخدام القوة المفرطة من دون حدود أو شروط.
إذا كانت السلطات تتابع أصلاً أشخاصاً تعتبرهم خطراً أمنياً، فإن أحد الأسئلة الأساسية التي ينبغي للتحقيق الإجابة عنها هو: هل كان من الممكن اعتراضهم أو اعتقالهم قبل وصول العملية إلى منطقة عامة أو تجارية أو سكنية مكتظة بالمدنيين؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بصورة قاطعة من دون الاطلاع على المعلومات الاستخبارية وخطة العملية والتسلسل الزمني للأحداث في حينها. وربما لم تكن هناك فعلاً فرصة آمنة سابقة لاعتقال المشتبه بهم، لكن وقوع مقتل مدنيين يجعل التحقيق في هذه المسألة ضرورياً وأخلاقياً.
وإذا كانت السلطات تعلم مسبقاً أن أحد المشتبه بهم يحمل حزاماً ناسفاً أو أسلحة نارية، فإن مستوى الخطر على السكان يصبح أكبر بكثير. فملاحقة شخص يُعتقد أنه يحمل متفجرات إلى منطقة مأهولة قد تعرض حياة المدنيين وعناصر الأمن أنفسهم، فضلاً عن المنازل والمركبات والممتلكات العامة، لخطر بالغ.
ولهذا، لا ينبغي أن يسأل التحقيق فقط: من أطلق النار؟ بل أيضاً: كيف خُطط للعملية؟ وما البدائل التي كانت متاحة أصلاً؟ وما السياقات والإجراءات المتبعة من قبل جهاز مكافحة الإرهاب؟
بين القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان
من الناحية القانونية، من الضروري التمييز بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
إذا كانت العملية مرتبطة بنزاع مسلح غير دولي مستمر بين العراق وتنظيم داعش، فقد تنطبق قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي هذه الحالة، توفر المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 حداً أدنى من الحماية الإنسانية، وتحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للأشخاص المحميين، وكذلك الاعتداء على الكرامة الشخصية والمعاملة المهينة والإهانة، بما في ذلك المساس بكرامة الموتى، بغض النظر عن هويتهم.
كما يقوم القانون الدولي الإنساني على مبادئ أساسية، تشمل التمييز بين المدنيين والمسلحين، وتحديد من يجوز استهدافهم، وحماية السكان المدنيين، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر في صفوفهم.
لكن مجرد وصف العملية بأنها عملية ضد الإرهاب لا يعني تلقائياً أن جميع قواعد استهداف المقاتلين في النزاعات المسلحة يمكن تطبيقها من دون قيد أو شرط. أولاً، يجب تحديد وجود الصلة القانونية اللازمة بالنزاع المسلح. أما إذا كانت الواقعة عملية لإنفاذ القانون، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يوفر الإطار القانوني الأساسي.
وهنا يصبح الحق في الحياة، المنصوص عليه في المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك في المواد ذات الصلة من الدستور العراقي لعام 2005، محورياً.
والدولة العراقية، ممثلةً بالحكومة، ليست ملزمة فقط بالامتناع عن الحرمان التعسفي من الحياة، وإنما عليها أيضاً اتخاذ التدابير المناسبة لحمايتها.
وفي عمليات إنفاذ القانون، يجب أن تكون القوة المميتة استثنائية ومرتبطة بضرورة حماية الحياة من خطر وشيك. وبمعنى آخر، فإن كون الشخص مشتبهاً بانتمائه إلى تنظيم إرهابي لا يجعل قتله تلقائياً مشروعاً. فإذا كان القبض عليه ممكناً بصورة آمنة، فإن الاعتقال والملاحقة القضائية هما الطريق الطبيعي في دولة القانون. أما إذا شكل خطراً فورياً على حياة الآخرين ومنتسبي الجهاز، ولم تكن هناك وسيلة أقل خطورة لوقفه، فقد يصبح استخدام القوة المميتة أمراً مشروعاً، رغم ذلك، يجب أن يكون استخدامها متناسباً مع الخطر القائم.
التخطيط للعملية جزء من المسؤولية
من الخطأ حصر التحليل القانوني في الثواني التي أُطلقت خلالها النار. فعندما تؤدي عملية مخطط لها إلى وفاة مدنيين وإصابة منتسبي جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، يجب أيضاً دراسة القرارات التي سبقت الاشتباك.
متى بدأت مراقبة المشتبه بهم؟ ماذا كانت السلطات تعرف عن تسليحهم؟ هل كانت تعلم بوجود حزام ناسف؟ هل كان من الممكن اعتراضهم في منطقة أقل ازدحاماً؟ هل أُجري تقييم للمخاطر على المدنيين؟ وما الإجراءات التي اتُخذت لحماية السكان وأفراد القوات المسلحة؟
هذه الأسئلة لا تعني إدانة جهاز مكافحة الإرهاب أو قياداته وضباطه مسبقاً، بل هي الأسئلة التي ينبغي لأي تحقيق مستقل وفعال أن يجيب عنها قبل تحديد المسؤولية والمقصرين.
فمكافحة الإرهاب واجب، لكن حماية المواطن الذي يجد نفسه مصادفة في مكان العملية واجب أيضاً، لا يقل أهمية عن الأول.
كرامة الإنسان والضحايا لا تنتهي بالموت
الجانب الأكثر إزعاجاً في الحادثة هو نشر صور الجثامين بعد العملية. وهناك فرق واضح بين تصوير الجثامين لأغراض التحقيق الجنائي والطب العدلي وحفظ الأدلة، وبين نشرها أمام الجمهور.
قد يكون توثيق مسرح الحادث ضرورياً، لكن نشر صورة جثمان إنسان بطريقة قد تمس كرامته لا يصبح ضرورة أمنية لمجرد الاشتباه بانتمائه إلى تنظيم إرهابي.
وتصبح المسألة أكثر خطورة إذا كان الشخص مدنياً وقاصراً، ونُشرت صورته في سياق يوحي بأنه إرهابي قبل التحقق النهائي من هويته وصفته. وإذا ثبت أن الضحيتين كانا دون الثامنة عشرة، فإن اتفاقية حقوق الطفل تصبح ذات أهمية خاصة، بما توفره من حماية للطفل وخصوصيته وشرفه وسمعته.
ولا يمكن إزالة الضرر بالكامل بمجرد تصحيح البيان لاحقاً؛ فالصورة والاتهام قد يكونان قد انتشرا بالفعل، بينما لا يصل التصحيح بالضرورة إلى كل من شاهد الرواية الأولى.
ومن أكثر الجوانب تعقيداً أن الانتماء القومي لضحايا حادثة بردي (آلتون كوبري)، التابعة لمحافظة كركوك التي تُعد من المناطق المتنازع عليها بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان العراق، قد يثير تداعيات إضافية. فقد تعرض الكورد إلى عمليات تهجير وإبادة في حقبة نظام صدام حسين، وهو ما يستحضر ذاكرة جماعية لدى الكورد، ولا سيما في محافظة كركوك، ويزيد من التشكيك في طريقة تعامل السلطات العراقية مع الحادثة.
مسؤولية الدولة العراقية
هنا يجب التفريق بين المسؤولية الفردية ومسؤولية الدولة العراقية.
إذا ارتكب أحد أفراد القوة خطأً أو جريمة، فقد تثار مسؤوليته الجنائية، وتتم ملاحقته قانونياً أو تأديبياً وفقاً للوقائع والقانون. ولكن عندما يتصرف جهاز رسمي من أجهزة الدولة في إطار مهامه الرسمية، فإن المسألة قد تثير أيضاً مسؤولية العراق كدولة بموجب التزاماته الدولية.
إذا كشف التحقيق عن إخلال بالتزام دولي، أو إخلال باحترام الدستور العراقي وحماية الحق في الحياة وإجراء تحقيق فعال وشفاف، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند تحديد الشخص الذي أطلق النار، بل يجب أن تشمل التحقيق في التخطيط للعملية، وسلسلة القيادة، وإجراءات حماية المدنيين، والقرار المتعلق بنشر الصور، وكيف تم تصنيف الضحايا في الرواية الرسمية الأولى.
وإذا ثبت وقوع انتهاك، فإن الاستجابة المناسبة تشمل الاعتراف به، والتحقيق والمساءلة وفقاً للقانون والمعايير الدولية، وتعويضاً عادلاً للضحايا والمتضررين وعائلاتهم، واتخاذ تدابير تمنع تكراره، ولا سيما فيما يتعلق بنشر صور الموتى بطريقة مهينة، وهو أمر يجب أن يتوقف من قبل أجهزة الدولة العراقية.
قوة الدولة تظهر في احترامها للقانون
من واجب الحكومة العراقية مكافحة داعش وكل من يهدد حياة المواطنين، وفي الوقت نفسه لا يوجد تعارض بين مكافحة الإرهاب واحترام حقوق الإنسان وحماية الدستور.
ولا يوجد ما يمنع من دعم القوات الأمنية العراقية والمطالبة بالتحقيق في حادثة بردي، ولا سيما عندما يموت قاصرون مدنيون أبرياء. كما أن احترام جثمان شخص قُتل لا يعني تبرئته من جريمة، تماماً كما أن الاشتباه بالإرهاب لا يسلب الإنسان كرامته القانونية.
[10/6/2026 11:44 AM] جواد كاظم: إن حادثة آلتون كوبري يجب ألا تختزل في السؤال عن هوية من أطلق النار، وإنما يجب أن يمتد التحقيق إلى ما قبل إطلاق النار وما بعده: من التخطيط للعملية، وما إذا كانت هناك خطة لحماية المدنيين، إلى كيفية التعامل مع الضحايا ونشر صورهم.
الدولة القوية ليست الدولة التي تستخدم القوة المفرطة دون مساءلة، بل الدولة القوية هي القادرة على مواجهة أخطر التهديدات، مع بقائها خاضعة للقانون.
مكافحة الإرهاب واجب.
حماية المدنيين واجب مقدس.
احترام كرامة الموتى واجب مقدس.
وعندما تنتهي عملية أمنية بمقتل مواطنين، فإن معرفة الحقيقة والمساءلة والعدالة وضمان عدم تكرار المأساة هي أيضاً من واجبات الدولة العراقية، ممثلةً بالحكومة والبرلمان والسلطات القضائية، من خلال متابعة المقصرين ومحاسبتهم والعمل على تغيير السياقات والإجراءات المتبعة من قبل أجهزة الدولة.
*السيرة الذاتية
كاوه عمر هو محامٍ متخصص في القانون الدولي، والقانون الجنائي الدولي، وحقوق الإنسان. يحمل درجة الماجستير في قانون العمليات الدولية من كلية الدفاع السويدية، ودرجة البكالوريوس في القانون من جامعة دِل فالي في المكسيك.
كما حصل على دبلوم في قانون حقوق الإنسان من المحكمة العليا في المكسيك، ودبلوم حول دور المنظمات غير الحكومية في المجتمع في إطار أجندة الأمم المتحدة 2030، برعاية المفوضية العليا لحقوق الإنسان في المكسيك ومجلس الشيوخ المكسيكي. ويتمتع بخبرة في العمل الحكومي ورصد جرائم الحرب وانتهاكات القانون الدولي الإنساني بشكل مستقل.