الأديبة منى فتحي حامد.. حوار الكلمة ومهرة القصيدة ومسارات الرؤية والتشكيل الأدبي

حوار: عطا درغام

تتشابك في التجربة الإبداعية للأديبة منى فتحي حامد خيوط الكتابة بين الشعر، السرد، والعمل الثقافي، لتشكل صوتاً إبداعياً يبحث في قضايا الهوية الإنسانية ويتحرك بين فضاءات التعبير المختلفة؛ ونغوص هنا في عمق المشروع الأدبي للأديبة مني فتحي، والأسلوب الفني، والقضايا الفكرية الموزعة على محاور إبداعها الخمسة:

المحور الأول: التنوع الأجناسي والانتقال بين القوالب الأدبية

* كيف تتحدد جغرافية النص لديكِ عند الانتقال من انضباط الشطر والتفعيلة في الشعر الفصيح إلى شجن الكلمة في الشعر العامي؟

– الانتقال هو تحول من “جغرافية الحدود والانضباط” (حيث تقود اللغة والموسيقى العاطفة) إلى “جغرافية الوجدان والحرية” (حيث يقود الشجن الكلمة ويشكل فضاء النص)،أي أنها هجرة من جغرافية “الالتزام بالقواعد” إلى جغرافية “الالتصاق بالروح”.

* هل تمثل “القصة القصيرة جداً” في تجربتكِ تكثيفاً ومكثفاً لقصيدة لم تكتمل، أم أنها وعاء سردي قائم بذاته يرفض طغيان الشاعرية؟

– تُمثل “القصة القصيرة جداً” في هذه التجربة وعاءً سردياً قائماً بذاته وكياناً مستقلاً، وليست مجرد بقايا أو تكثيف لقصيدة لم تكتمل.. أي أنها نوع أدبي أصيل يمتلك أدواته الخاصة، وليست تعويضاً عن قصيدة ناقصة.

* إلى أي مدى تخدم الومضة السردية القصيرة وعي المتلقي السريع في العصر الرقمي مقارنة بالقصيدة الممتدة؟

– تخدم الومضة السردية القصيرة وعي المتلقي في العصر الرقمي إلى حدٍّ بعيد يفوق القصيدة الممتدة، وذلك لأنها تتوافق بنيوياً مع طبيعة القراءة الرقمية وسيكولوجية التصفح السريع … أي أنها لا تلغي قيمة القصيدة الممتدة، لكنها الأكثر كفاءة وعملية في محاكاة وعي العصر الرقمي؛ فالقصيدة الممتدة تتطلب قارئاً يذهب إليها، بينما الومضة السردية هي التي تذهب إلى القارئ وتقتنص وعيه العابر بنجاح.

* ما هي الآليات الفنية التي تعتمدين عليها للحفاظ على الخصوصية الإيقاعية عند صياغة الأغنية مقارنة بالقصيدة العامية؟

– تعتمد صياغة الأغنية مقارنة بالقصيدة العامية على آليات فنية دقيقة تفصل بين “إيقاع يُقرأ ويُلقى” و”إيقاع يُلحن ويُغنى”؛ حيث تفرض الأغنية شروطاً موسيقية صارمة ترتبط بصوت المغني وحركة اللحن ؛حيث إن القصيدة العامية تعتمد على إيقاع داخلي ونفس شعري ممتد يخدم المعنى والشجن، تعتمد الأغنية على إيقاع خارجي منضبط ومفردات طيعة تقبل التمدد والانكماش لتتحول من مجرد كلمات مكتوبة إلى نوتة موسيقية منطوقة.

* كيف تتقاطع الخاطرة النثرية العفوية مع البناء المنظم في قصيدة الهايكو داخل فضاء التشكيل البصري لنصوصكِ؟

– التقاطع البصري بينهما يشبه “نهر النثر الجاري” الذي يصب فجأة في “بحيرة الهايكو الساكنة”؛ حيث تمنح الخاطرة للنص حريته وحركته، بينما يمنحه الهايكو عمقه التشكيلي ومركزه البصري الذي تتكثف فيه الرؤية.

المحور الثاني: البناء الأسلوبي والجماليات الفنية

* تتراوح قصائدكِ بين التعبير الرومانسي الوجداني والاشتباك الواقعي؛ كيف تصنعين التوازن الأسلوبي بين هذين التيارين دون السقوط في المباشرة؟

– التوازن يصنع من خلال جعل الواقع شاعرياً، وجعل الشاعرية واقعية؛ فالواقع يمنح القصيدة عظامها وصلابتها حتى لا تتبخر في التجريد الرومانسي، بينما تمنحها الرومانسية الروح والغطاء الجمالي الذي يحميها من جفاف المباشرة والتقريرية … حيث يتحقق التوازن الأسلوبي بين الرومانسية الوجدانية والاشتباك الواقعي من خلال صياغة منطقة إبداعية وسيطة تُعرف بـ “أنسنة الواقع وتسييل المجرد”. تتيح هذه الطريقة معالجة القضايا الواقعية الحادة والملموسة دون السقوط في فخ الخطابية أو المباشرة الفجة …

* ما هو الدور الذي تلعبه الصورة المجازية في دواوينكِ (مثل “أفروديت”) لإعادة إنتاج الرموز الأسطورية بروح معاصرة؟

– الصورة المجازية هي الأدوات التي تحول الرمز الأسطوري من “أثر تاريخي ساكن” إلى “طاقة شعورية متحركة” قادرة على ملامسة وعي المتلقي الحديث والتعبير عن أزماته الوجودية والعاطفية الحالية … حيث أن الصورة المجازية تلعب دوراً جوهرياً في أنسنة الأسطورة وتجريدها من برودها العاجي القديم، لتدخل بها إلى تفاصيل الواقع المعاصر الملموس. الأسطورة في الدواوين لا تُستدعى كقالب تاريخي جاهز أو كزينة بلاغية، بل تُعاد صياغتها كـ مرآة وجدانية تعكس قضايا الراهن.

* كيف تختارين معجمكِ اللغوي لضمان سلاسة التوصيل للمتلقي غير المتخصص دون التنازل عن الرصانة الفنية؟

– المعجم الناجح هو الذي يخاطب بساطة الإنسان وعمق الأدب في آن واحد؛ حيث يرى فيه المتلقي العادي مرآة واضحة لمشاعره، ويرى فيه المتخصص بناءً فنيّاً متيناً ومحسوباً بدقة، حيث يتحقق الاختيار الدقيق للمعجم اللغوي من خلال معادلة فنية تُعرف بـ “السهل الممتنع” أو “البلاغة البيضاء”، وهي مساحة وسطى تجمع بين عمق الفكرة وبساطة التعبير، لضمان وصول النص إلى المتلقي غير المتخصص دون خدش رصانته الأدبية.

* إلى أي حد يساهم التكرار اللفظي والتوازي البنيوي في بناء الموسيقى الداخلية للنص لديكِ؟

– يساهم التكرار اللفظي والتوازي البنيوي بشكل جوهري وحاسم في بناء الموسيقى الداخلية للنصوص الأدبية، حيث يعملان معاً كأدوات هندسية ونفسية تُكسب الكلام نغماً يتردد صداه في نفس القارئ دون الحاجة إلى بحور شعرية صارمة.

* كيف توظفين المفارقة ونهايات الصدمة في نصوصكِ السردية والشعرية القصيرة لتهز استرخاء القارئ؟

– إن توظيف هذه التقنيات يحول القراءة من فعل “تلقٍّ سلبي ومريح” حيث يصبح القارئ شريكاً في النص الأدبي، ولا يخرج من النص كما دخله.

المحور الثالث: التوثيق الورقي وصناعة الأثر

* في زمن المحتوى الرقمي العابر، ما هي القيمة الفلسفية والمعنوية التي يمثلها التوثيق الورقي لإصداراتكِ مثل “شغف المُنى”؟

– تصفح الأجهزة وقراءة النصوص عبر الشاشات يمنح سرعة وتدفقاً، لكن التوثيق الورقي لكتاب مثل “شغف المُنى” يمثل في عمقه فلسفة المقاومة ضد “السيولة الرقمية” والنسيان. التحول من نص افتراضي يسهل حذفه أو تجاوزه بلمسة إصبع إلى كتاب فيزيائي ملموس يحمل قيمًا أعمق بكثير من مجرد وسيط للقراءة … لذلك يعتبر التوثيق الورقي هو في النهاية إعلان انحياز للإنسان في أصالته الأولى، ورغبة في أن تظل الكلمات قادرة على إحداث أثر حقيقي يهز استرخاء القارئ، ليس فقط من خلال معناها، بل ومن خلال جسدها المادي الذي يشاركه العيش في نفس الغرفة.

* كيف ترين أثر “الموسوعات الأدبية المشتركة” في خلق بيئة حوارية جماعية بين الأقلام المعاصرة؟

– إن الموسوعات المشتركة لا تقتصر قيمتها على كونها دمجاً لنصوص في غلاف واحد، بل هي تأسيس لوعي جمعي معاصر، وإثبات أن الأقلام وإن اختفت وراء شاشاتها أو أوراقها، فإنها قادرة على التجمع لتعزف لحناً واحداً يعكس ثراء اللحظة الأدبية المعاصرة وتنوعها … لذلك تُعد الموسوعات الأدبية المشتركة واحدة من أبرز الظواهر الثقافية المعاصرة، وهي بمثابة “مضافة إبداعية” أو صالون أدبي عابر للحدود والجغرافيا. في زمن يميل فيه المبدع بطبعه إلى العزلة الفردية، تأتي هذه الموسوعات لتخلق بيئة حوارية جماعية تُعيد تعريف العلاقة بين الأقلام المعاصرة.

* هل تختلف معايير الرقابة الذاتية على النص عندما ينتقل من حيز الفضاء الأزرق المفتوح إلى دفتي كتاب ورقي مطبوع؟

– تختلف معايير الرقابة الذاتية بشكل جوهري بين الفضاء الأزرق المفتوح والكتاب الورقي المطبوع، حيث ينتقل الشاعر أو الكاتب من سلطة “اللحظة والمجتمع الافتراضي” إلى سلطة “التاريخ والمؤسسة”.

* كيف تنظرين إلى العلاقة بين عنوان الديوان (مثل “عيناكِ ترنيمة عشق”) وعتبات النص الداخلية؛ هل هو واجهة شارحة أم إغواء قرائي؟

– في المقام الأول حالة “إغواء قرائي” ومفتاح طقسي يفتح الباب أمام عتبات النص الداخلية وعوالمه الوجدانية … أي أن العنوان هو البوابة الروحية للديوان؛ إنه لا يشرح البيت بل يغوي العابر بالدخول، لتتولى عتبات النص الداخلية قيادته عبر دهاليز التجربة الشعرية الممتدة بين الوجدان والواقع.

* إلى أي مدى نجحت إصداراتكِ المطبوعة في لفت انتباه القراء والمهتمين بالمشهد الأدبي خارج الحدود المحلية؟

– إن لفت الانتباه خارج الحدود أكد لي أن الإنسانية في الأدب والصدق الأسلوبي هما الجواز الحقيقي للعبور؛ فالمشاعر والتقنيات الفنية التي تهز استرخاء القارئ المحلي هي ذاتها التي تلامس القارئ المغترب أو العربي أينما وجد … حيث نجحت إصداراتي المطبوعة، وفي مقدمتها كتاب “شغف المُنى”، في اختراق الحدود المحلية والوصول إلى القراء والمهتمين بالمشهد الأدبي العربي والعالمي بنسب متفاوتة وملحوظة، مستفيدة من آليات النشر الحديثة والمعارض الدولية.

المحور الرابع: الممارسة الثقافية والمسؤولية الإعلامية

* كيف يخدم العمل في إدارة الأقسام الأدبية بالجرائد مشروعكِ الإبداعي الخاص، وهل يطغى عين الصحفي أحياناً على عين الشاعر؟

– إنني أرى عملي الصحفي بمثابة “المختبر” الذي أراقب فيه حركة الحياة والناس عن قُرب، بينما يظل محرابي الإبداعي الخاص هو المكان الذي أعيد فيه صياغة هذه المشاهدات بحبر روحي، مستعينة بوعي الصحفي لتنظيم الفوضى، وبجنون الشاعر لإشعال النور في عتمة السطور … لذلك يُمثل العمل في إدارة الأقسام الأدبية بالجرائد والمجلات سلاحاً ذو حدين؛ فهو من جهة يغذي المشروع الإبداعي الخاص بمادة خام لا تنضب من المعرفة والتواصل، ومن جهة أخرى يضع المبدع في تحدٍّ دائم للحفاظ على مسافته الفاصلة بين “عين الصحفي” و”عين الشاعر”.

* ما هي التحديات التي تواجه صياغة خطاب ثقافي موجه للشباب عبر منصات مثل الاتحاد الأوروبي العربي الأفريقي؟

– إن النجاح في صياغة هذا الخطاب يتطلب وعياً يشبه “وعي الشاعر والصحفي معاً”؛ فمن جهة يحتاج إلى دقة الصحفي في رصد قضايا الشباب الواقعية والآنية، ومن جهة أخرى يحتاج إلى مرونة وخيال الشاعر للعبور فوق الحدود الجغرافية، وملامسة المشترك الإنساني الذي يجمع شاباً في بروكسل بآخر في القاهرة أو نيروبي … لذلك نلاحظ أن المنصات الكبرى تتحرك مثل الاتحاد الأوروبي العربي الأفريقي في فضاء جيوسياسي وثقافي شديد التعقيد. صياغة خطاب ثقافي موجه للشباب عبر هذه المنصة تواجه تحديات بنيوية وفكرية واتصالية، تتطلب الموازنة بين التعددية الثقافية للمنطقة من جهة، والخصائص النفسية والرقية لجيل الشباب المعاصر من جهة أخرى.

* كيف يمكن للصحافة الثقافية المعاصرة أن تعيد إحياء الاهتمام بالنقد الأدبي الجاد في ظل هيمنة القراءات السريعة؟

– إن الصحافة الثقافية المعاصرة لكي تحيا، يجب أن توظف “وعي الصحفي” في اقتناص اللحظة والسرعة، و”عين الشاعر والناقد الفيلسوف” في سبر أغوار النص؛ لتقدم للقارئ وجبة سريعة النفاذ لكنها عميقة الأثر، تبقى في ذهنه طويلاً بعد إغلاق الشاشة أو طي الورقة … لذلك نرى أن الصحافة الثقافية المعاصرة قادرة على استعادة بريق النقد الأدبي الجاد من خلال التخلي عن قوالبه الأكاديمية الجافة، وإعادة صياغته بأدوات رقمية تناسب روح العصر، دون المساس بعمقه الفكري. التحدي لا يكمن في “مقاومة” هيمنة القراءات السريعة، بل في استثمار آلياتها لجذب القارئ المعاصر نحو نصوص أكثر عمقاً .

* إلى أي مدى تسهم إدارة المنابر الأدبية في غربلة الغث من السمين وسط الطوفان اليومي للنصوص الرقمية؟

– إن إدارة المنابر الأدبية اليوم لا تملك ترف الاسترخاء؛ فدورها لم يعد مجرد تنسيق صفحات، بل هو فعل مقاومة ثقافي. إنها تحتاج إلى “عين الصحفي” الذكية والمواكبة التي تعرف كيف تقتنص النص الحي الصادق وسط ركام السوشيال ميديا، و”حكمة الناقد الشاعر” التي ترفض المساومة على الجودة، لتظل قادرة على إقناع القارئ المعاصر بأن الجهد المبذول في قراءة نص جاد هو الاستثمار الأبقى لوعيه وروحه … لذلك تتحمل إدارة المنابر الأدبية والصحفية اليوم مسؤولية تكاد تكون “وجودية” في فضاء النشر؛ فهي بمثابة “صمام الأمان” وخط الدفاع الأخير لحماية الذائقة العامة، وسط طوفان الاستسهال الرقمي وسيولة النشر الحر الذي يتيح لكل من يمسك لوحة مفاتيح أن يطلق على نفسه صفة “أديب”.

* كيف تتكامل الأدوار داخل قصور الثقافة ونوادي الأدب لخلق بيئة حقيقية لاكتشاف وصقل الأقلام الواعدة؟

– هذا التكامل يضمن ألا تظل الموهبة مجرد “ومضة عابرة” في فضاء افتراضي، بل تتحول عبر الاحتكاك الإنساني والنقدي الحقيقي إلى مشروع إبداعي متكامل، يمتلك وعي الصحفي في رصد الواقع، وجنون الشاعر في إعادة صياغته، حيث تُمثل قصور الثقافة ونوادي الأدب التابعة لها البنية التحتية الأساسية والأكثر عراقة في رعاية الإبداع، حيث تعمل كمشاتل ثقافية تتكامل أدوارها لـتحويل الموهبة الفطرية العفوية إلى قلم ناضج يمتلك الأدوات الفنية والوعي الفكري …

المحور الخامس: قضايا الإنسان والامتداد الجغرافي

* نُشرت أعمالكِ في المشرق والخليج وفي دول المهجر؛ ما هي القواسم الإنسانية المشتركة التي تجدينها الأكثر تفاعلاً لدى القارئ باختلاف جغرافيته؟

– إن هذا التفاعل العابر للقارات يثبت أن الأدب الحقيقي لا يحتاج إلى تأشيرة دخول؛ فالصدق الإنساني والتكثيف الإبداعي هما اللغة العالمية التي تجعل قارئاً في تورونتو يبكي أو يبتسم لذات السطر الذي يهز قارئاً في بغداد أو دبي، حيث تعبر الكلمات الحدود الجغرافية والسياسية وتجد صداها في المشرق، الخليج، ودول المهجر، يتأكد لي أن الجغرافيا مجرد واجهة خارجية، بينما يبقى الإنسان في جوهره واحداً. من خلال تفاعل القراء مع أعمالي (مثل “شغف المُنى”)…

* كيف يعالج نصكِ قضايا المرأة العربية بين مطرقة الواقع المجتمعي وسندان الطموح الإبداعي؟

– يعالج نصي قضايا المرأة العربية ليس عبر الشعارات الرنانة أو الخطابات المباشرة، بل من خلال تفكيك الموقف الإنساني والنفسي للمرأة حين تجد نفسها محاصرة بين مطرقة الضغوط المجتمعية وسندان طموحها الإبداعي والمعرفي … حيث إن النص يسعى ليكون مرآة حية؛ لا يكتفي برصد الوجع، بل يمنح المرأة العربية عبر جماليات الحبر والمجاز مساحة حرة للتنفس والتحلق، محولاً معاناتها بين الواقع والطموح إلى قوة إبداعية قادرة على العبور واختراق الحدود الجغرافية والثقافية.

* ما هو موقف قصائدكِ من قضايا الاغتراب النفسي والوجودي التي يعيشها الإنسان المعاصر وسط وتيرة الحياة المتسارعة؟

– إن القصيدة في مشروعي ليست مجرد ترف جمالي، بل هي وثيقة وجودية صممت لتكون مرآة يرى فيها الإنسان المعاصر تشوهاته وعزلته، ولتذكره من خلال جلال الكلمة وحميمية الورق بأن روحه لا تزال قادرة على الشغف والدهشة رغم قسوة الآلة وتسارع الدقائق…لذلك تتخذ قصائدي ونصوصي القصيرة موقف المقاومة والتفكيك من قضايا الاغتراب النفسي والوجودي التي تفرضها وتيرة الحياة المعاصرة؛ فالإنسان اليوم لم يعد مغترباً عن وطنه الجغرافي فحسب، بل بات مغترباً عن ذاته، وزمنه، وإنسانيته وسط طوفان “السيولة الرقمية” والاستهلاك السريع للوقت والمشاعر..

* كيف يتجلى مفهوم “الهوية والأصالة” في نصوصكِ عند مخاطبة القارئ العربي في بلاد المهجر كأمريكا وكندا؟

– يتجلى مفهوم “الهوية والأصالة” في نصوصي الموجهة للقارئ العربي في بلاد المهجر كأمريكا وكندا، ليس كحالة من البكاء التقليدي على الأطلال، بل كـ”جسر وجودي صلب” يربط المغترب بوجدانه الأول، ويحميه من التلاشي في مجتمعات الـ”صهر الثقافي” والسيولة الرقمية العابرة، لذلك أرى أنني أن مخاطبة القارئ العربي في المهاجر لا تتطلب تبسيط اللغة أو “تغريبها”، بل تتطلب تكثيف أصالتها وشحنها بالعمق الفلسفي والإنساني؛ لأن المغترب لا يبحث في الأدب عن قشور واقعه الجديد، بل يبحث عن عمق مرآته القديمة ليتأكد أن ملامح روحه لم تتشوه بعد.

* في ظل الصراعات والتحولات العالمية، كيف تصبح الكلمة الأدبية أداة للمقاومة الثقافية وصناعة السلم الإنساني؟

– الكلمة الأدبية في زمن الأزمات تقاوم بصمودها وقدرتها على البقاء، وتصنع السلم بـ تذكير العالم بإنسانيته المفقودة؛ إنها السلاح الوحيد الذي لا يقتل، بل يمنح الضحايا خلوداً، ويمنح القتلة فرصة للمراجعة واليقظة الضميرية … بينما في ظل الصراعات والتحولات العالمية المتسارعة، لم تعد الكلمة الأدبية مجرد ترف جمالي، بل تحولت إلى خط دفاع أول للمقاومة الثقافية، وجسرٍ حيوي لصناعة السلم الإنساني.

قد يعجبك ايضا
∧