الفنان كاظم الساهر.. سر الأصالة والتألق والابداع الدائم

د. حسين جبار

يمثل استمرار تألق كاظم الساهر في بيئة فنية واجتماعية صعبة مثل العراق، شهادة واضحة على رسوخ اسسه الفنية ومتانة مشروعه الإبداعي. لم يكن هذا الحضور وليد أغنية عابرة أو نجاحا مؤقتا، وإنما جاء ثمرة مسار طويل من التراكم والتجريب والقدرة على تطوير الذات بدأ منذ سنواته الأولى في الموصل ثم في بغداد، واتسع تدريجيا حتى تجاوز الحدود العراقية والعربية.

تشكلت تجربة الساهر عبر سلسلة متعاقبة من الأعمال التي رافقت مراحل مختلفة من مسيرته؛ بدءا من “ورد العشق” و”خليني بحالي” و”وحدي محتار”، مرورا بـ”شجرة الزيتون” و”في حياتي شخص ثاني” و”عابر سبيل” و”عبرت الشط”، وصولا إلى المرحلة التي اتسعت فيها علاقته بالشعراء الكبار، وفي مقدمتهم نزار قباني وكريم العراقي. ومع ذلك، فإنّ الحديث عن هذه الأسماء لا ينبغي أن يحجب الدور التأسيسي الذي أداه معه شعراء البدايات بشير العبودي وأسعد الغريري وداود الغنام وعزيز الرسام، الذين أسهموا هم وغيرهم في تشكيل ملامح تجربته الأولى، ووفروا له النصوص التي استطاع من خلالها أن يختبر صوته ويبلور شخصيته الغنائية ويؤسس تدريجيا لأسلوبه الخاص.

ومن هنا، فإن أعماله مع اولئك الشعراء، ثم مع من جاء بعدهم، تبدو وكأنها حلقات متصلة في سلسلة إبداعية واحدة، تراكمت فيها الخبرة وتطورت القدرة على الاختيار والتلحين والاداء، حتى غدت أشبه بعقد متصل من الأغنيات التي تجاوز كثير منها حدود زمن إنتاجه. فلم تكن مجرد أعمال غنائية حققت انتشارا، بل أسهمت في بناء هوية فنية أخذت تنطلق من بغداد، مستفيدة من رصيد الأغنية العراقية وتقاليدها، لتصل بعد ذلك إلى جمهور عربي واسع، ثم إلى فضاء أكثر رحابة.

وما يزال الساهر يخطو بثبات نحو آفاق جديدة، ولا يتوقف عند إنجاز حققه إلا ليجعله نقطة انطلاق إلى تجربة أكثر نضجا واتساعا. وفي هذا تكمن إحدى السمات اللافتة في شخصيته الفنية؛ إذ اعتمد منذ وقت مبكر على ذاته وموهبته ووثق بقدراته، ولم يسمح للضجيج المحيط به، ولا للتفاصيل الهامشية، بأن تصرف ذهنه عن مشروعه الاساسي. كان يصغي باحترام إلى آراء الآخرين، لكنه ظل محتفظا باستقلال واضح في قراراته الفنية، فلا يتعامل مع النص الغنائي بوصفه مادة جاهزة للتلحين، بل يتناوله بالقراءة والفحص والاختبار وإعادة النظر، مستندا إلى معرفة واسعة بالشعر وإحساس دقيق ببنيته وإيقاعه وصوره ومعانيه.

ولهذا، لم يكن تعامله مع النص مجرد تحويل للكلمات إلى لحن، بل كان أقرب إلى عملية إعادة تشكيل فنية تحفظ للنص روحه، وتكشف إمكاناته الموسيقية والجمالية، ثم تضيف إليه من خلال اللحن والاداء أبعادا جديدة. ولعل هذه القدرة على الجمع بين احترام النص والجرأة في إعادة صياغته كانت من العوامل التي ميزت تجربته وجعلت بعض القصائد تتحول بعد دخوله إلى عالمها الموسيقي، إلى أعمال راسخة في الذاكرة الغنائية.

لم يكن نجاح كاظم الساهر ثمرة الموهبة وحدها، بل حصيلة صبر طويل وإصرار متواصل على التميز. فقد واجه العقبات بارادة صلبة، ولم يسمح لها بأن توقف مسيرته، كما لم يستسلم لإغراء الراحة بعد النجاحات الأولى أو يستعجل قطف ثمار ما حققه، بل تعامل مع كل نجاح باعتباره مسؤولية جديدة واختبارا إضافيا. ولذلك تحولت خطواته الأولى إلى منصات متتابعة للانطلاق، لا إلى محطات نهائية يكتفي عندها بما أنجزه.

مع كل هذا التطور، ظل الساهر وفيا لجذوره، محتفظا بصلته بالمكان الأول والذاكرة الأولى، وكأن الماضي، بما حمله من حرمان وتعب وأحلام، ظلّ حاضرا في تكوينه الداخلي. ولم تكن تلك البدايات القاسية مجرد مرحلة تجاوزها ونسيها، بل تحولت مع مرور الزمن، إلى مصدر من مصادر القوة والحنين، وإلى جزء من الذاكرة التي غذت إحساسه بالناس والحياة. وهكذا استطاع أن يحول سنوات الحرمان والعمل والكفاح إلى رصيد معنوي وفني، وأن يجعل من تلك المرحلة، التي ربما بدت في وقتها شديدة القسوة، واحدة من العلامات المضيئة في مسيرته الطويلة.

ولعل القيمة الأهم في تجربة كاظم الساهر تكمن في أنها تقدم نموذجا لفنان لم يبنِ حضوره على لحظة شهرة عابرة، وانما على التراكم والانضباط والقدرة على التعلم واعادة اكتشاف الذات. فاستمرار حضوره مع تغير الأذواق والأجيال وتحولات سوق الغناء، يؤكد أن مشروعه الفني لم يكن قائما على نجاح أغنية أو مرحلة واحدة، بل على شخصية موسيقية وشعرية أخذت تنضج مع الزمن، وتعيد صياغة نفسها من دون أن تفقد جذورها.

قد يعجبك ايضا
∧