الأَدِيبِ وَالنَّاقِدِ الفلسطيني د. مُحَمَّد عَبْد الله القَوَاسْمَة: كاتب الأطفال يستطيع أن يكتبلهم في أي موضوع من الموضوعات حتى السياسية منها

 

عنوان فرعي اول

علاقتي بالسلطة، أية سلطة سياسية وثقافيةواجتماعية وعائلية علاقة رفض لكثير من الظواهروالممارسات بأسلوب أدبي ونقدي موضوعي، لا يظهرالعداوة لأي مخلوق، وليس فيه خروج على القانون. لكن مع ذلك، وفي أحيان كثيرة أتعرض للذموالإهمال، وحرمان من الكتابة في بعض المواقع. لكنلا تصل الأمور إلى حافة حادة كالسجن، أو العقابالبدني، أو القطيعة التامة

 

عنوان فرغي ثاني

حقًا الناقد أو الكاتب عمومًا عليه التفاعل مع وسائلالثورة الرقمية؛ فهو يحتاج إلى نشر فكره وأعمالهوالإعلان عنها، والتعريف بها، لكن ذلك كله يتطلبمنه ألا يستخدم الانترنت بدلًا عنه، أو يجعله جسرًالإيصال المعلومات إلى المتلقي، أي لا يجعل الآلةتتحكم فيه، فيتقبل ما تقدمه دون غربلة ونقد؛ فليسكل ما تقوله الآلة الذكية بصحيح.

//////////////////////////////////////////////////////

حوار: عطا درغام

نلتقي اليوم بقامة أدبية ونقدية بارزة، جمعت بينعذوبة السرد وأصالة الكلمة، وبين الرؤية التحليليةالواعية التي تتقصى مواطن الجمال والخلل فينصوصنا المعاصرة. في هذا الحوار الممتد معالأَدِيبِ وَالنَّاقِدِ الفلسطيني د. مُحَمَّد عَبْد اللهالقَوَاسْمَة، نُبحر مع ضيفنا عبر خمس محطاترئيسية؛ نناقش فيها ملامح الغربة في ثنايا رواياته،وموقع الناقد من المؤسسات الثقافية، ونستعرضقراءاته في تجارب روائية وشعرية رائدة، وصولاً إلىشؤون القصة القصيرة، وأدب الطفل، وكواليسالعمل الأكاديمي والصحفي.

 

الجزء الأول

* في روايتكحبيباتي الثلاث إلى ورقلة اخترتفضاءً جغرافياً مغاربياً (الجزائر) كيف وظّفتورقلة كبيئة صحراوية لخدمة قلق الشخصيةالفلسطينية المغتربة؟

 

في الحقيقة أن الرواية لا تقوم فكرتها علىالاغتراب، لأن بطل الرواية جاء إلى الجزائر بدعوةمن وزارة الثقافة الجزائرية للمشاركة في ندوة عنأدب الصحراء؛ فلم يحس بقلق الوجود والاغتراب، بلكانت فرصته للبحث عن أخواله وسؤالهم عن قبر أمه،التي كان والده قد أبلغه في صغره بأنها توفيت أثناءزيارتهما لأهلها في مدينة ورقلة. ولكنه يفاجأ بأن أمهما زالت على قيد الحياة؛ فيعمل على إعادتها إلىعمان لتعيش معه ومع زوجة أبيه المتوفى. لا شك أنالرواية تشعل عواطف البطل نحو وطنه، فوجوده علىأرض الجزائر يذكره بوطنه فلسطين. والمعروف أنتجربة الشعب الجزائري شبيهة بتجربة الشعبالفلسطيني، فكلا البلدين وقعا تحت الاحتلال، بل إنما انتهت اليه التجربة الجزائرية في النضال ضدفرنسا، يبعث الأمل بانتصار الشعب الفلسطيني فينضاله ضد العدو الإسرائيلي. مهما طال الزمن، فكلاحتلال إلى زوال، ومن ناحية أخرى؛ فإن العثور علىالأم ورفض الظلم الذي وقع عليها من الأب هوامتداد لرفض الظلم الذي يمارس ضد وطنه،وبخاصة أن الأم هي رمز للوطن الذي يستحقالتضحية. بهذه الرؤية ،يمكن أن نتعامل مع أحداثالرواية في ورقلة.

 

* كتبت في مقالاتك الرقمية عنالبُعد عن الوطنوالهوية الممزقة كيف تمنعالذكريات النوستالجيةمن تحويل الرواية إلى بكائية وتحافظ على قيمتهاالفنية؟

 

العمل الأدبي يستند إلى ذكريات الأديب، وهمومه،وتجاربه، وأفكاره، وتأملاته سواء أكان عملًا متخيلًاأم منتزعًا من الواقع. إن تلك العناصر كلها تقدم فيقالب فني، له لغته وتراكيبه الخاصة، وجماليتهالمؤثرة. هكذا صوّرتْ، على سبيل المثال روايتاي: “سلام على مخيم الفوار وأصوات في المخيمآلام اللاجئين وحزنهم وبكائهم تحت الخيام والبيوتالضيقة، وطردهم من وطنهم. إنالذكرياتالنوستالجية تتحول في العمل الروائي إلى مشاهد،ومتواليات سردية، وشخصيات نابضة بالحياة، لتخلدما جرى في صورة ساطعة، بل أشد سطوعًا منالواقع الذي تعادله.

 

* في روايةلعنة الفلسطيني هل اللعنة هنا هيقدر الشتات المحتوم أم هي وعي الشخصية الحادبرفض الاستسلام للواقع؟

 

في رواية لعنة الفلسطيني معالجة للحالةالفلسطينية من جانب مختلف؛ فاللعنة، التي تعنيالعذاب والحساب في الدنيا والآخرة تلاحق كل منيعادي الفلسطيني، ويقف في طريقه، وهو يدافع عنوطنه، كما تلك اللعنة التي كانت تلاحق علماء الآثارفي تعاملهم مع المومياوات الفرعونية. وبطل الروايةليس فلسطيني الجنسية بل إن لقب عائلتهفلسطيني؛ لأن أحد أجداده قتل في فلسطين. لقدتعرض ذلك الرجل وعائلته للعذاب والنبذ بسبب لقبه،ورأينا في الرواية أن اللعنة تنصب على القرية التيوقفت ضده، فكأن الرواية تقول إن من يتعرضلفلسطين بالشر يتعرض إلى الموت والدمار والعذاب،وربما يعود ما يجري في العالم من كوارث طبيعيةوبشرية إلى صمت العالم على ما يجري لفلسطين.

 

* كيف تفاعل جمهور الفضاء الرقمي مع معالجةرواياتك للمكان الأردني والفلسطيني مقارنة بالنقادالتقليديين في الصحف؟

 

لا شك أن المكان عنصر مهم من عناصر الرواية،ويُبعث حيًّا(كما أرى) في رواياتي كلها، وبخاصةتلك التي حملت في عنوانها مفردة مكانية، مثلروايات: “شارع الثلاثين، وأصوات في المخيم،وفهمان في عمان. في الأدب، كما في الواقعالمعايش الأردن امتداد لفلسطين، وفلسطين امتدادللأردن. والمكان في بعض رواياتي، وبخاصة عندمايشير إلى مكان واقعي يثير إشكالات لدى المتلقي،كما حدث أن غضب شيخ الجامع في شارع الثلاثينولعنتي على المنبر في خطبة الجمعة، لأنه اعتقد بأنهالمقصود بما قام به الشيخ في الرواية عندما أمبالمصلين وهو على جنابة. وفي وقت آخر رأى ابنيالناس متجمعين على راس الشارع المؤدي إلىالبيت، فقال لأمه إن الناس يريدون قتل أبيه لأنهيهاجم فساد رجال الدين في رواياته. وهذا يدلل علىتفاعل الناس مع ما يجري في المكان الروائي تفاعلًايصل أحيانًا إلى حافة الرعب.

 

* بصفتك ولدت في الخليل وتعيش في الأردن وتنقّلتكتابياً كيف تنعكسثنائية الهوية الجغرافية علىالبناء النفسي لأبطال روايتك الأخيرةإلى الهاوية؟

 

إلى الهاوية رواية ديستوبية يسودها الشروالفساد، وينعدم فيها الحب والخير، وهي مثلروايتيمدينة على ظهر الشيطان. لا شك أنالروايتين فيها شخصيات إيجابية تواجه الخوفوالفساد. هي شخصيات متألمة، لكنها متفائلة فيالمستقبل، ففي نهاية الروايتين ضوء ينبئ بحياةأفضل. أما عن ثنائية الجغرافيا بين الأردن وفلسطينفهي مصطنعة، لا تنعكس بشكل سلبي على الناسفي البلدين، إنما توجد ثنائية مفارقة بين الناسجميعًا وبين الطغاة المحتلين، الذين اعتدوا علىالجغرافيا، وعلى كل شيء.

 

* في كتابكالشمس والظلال تفكك علاقة الناقدبالسلطة السياسية والمؤسسة الثقافية أين يقفمحمد عبد الله القواسمة اليوم من هذه المعادلة؟

 

إن علاقتي بالسلطة، أية سلطة سياسية وثقافيةواجتماعية وعائلية علاقة رفض لكثير من الظواهروالممارسات بأسلوب أدبي ونقدي موضوعي، لا يظهرالعداوة لأي مخلوق، وليس فيه خروج على القانون. لكن مع ذلك، وفي أحيان كثيرة أتعرض للذموالإهمال، وحرمان من الكتابة في بعض المواقع. لكنلا تصل الأمور إلى حافة حادة كالسجن، أو العقابالبدني، أو القطيعة التامة. ها أنا أكتب مقالًاأسبوعيا في إحدى الصحف الرسمية، وفي كل مقالرفض لشيء ما في الحياة والمجتمع، وفي كتابيالشمس والظلال ما يؤكد هذه الحقيقة. إني مثلسقراط أحترم قوانين أثينا، وأمارس حقي في نقدها.

 

* في كتاباتك حالةالأدب والأدباء في الجامعاتكيف يؤثر جمود البيئة الأكاديمية سلباً على تفجيرالطاقات الإبداعية لدى الأكاديمي الأديب؟

 

في مقالات كثيرة انتقدت التعليم في الجامعات،وتعيين الأكاديميين، وموقف المسؤولين من الأدباءوالمفكرين، وكذلك انتقدت الممارسات والبيئةالأكاديمية في بعض المسرحيات الواردة في كتابيّ:”ليلة في تل الصافي، وربيع الليل. إنالأكاديمي، إذا كان أديبًا حقيقيًا يجد الوسيلةالمناسبة لمواجهة الواقع ومواصلة الإبداع. وفي أثناءعملي في الجامعة أنتجت كثيرًا من الرواياتوالأعمال القصصية والمسرحية للأطفال والكبار،متبعًا نصيحة الكاتب اللبناني أمين الريحاني: “قلكلمتك وامش ولكن بأمانة وصدق.

 

* دافعت عن ضرورة وجودالمعارك النقدية هلترى أن منصات التواصل الاجتماعي ومواقعالإنترنت قضت علىالجدل النقدي الرصينوصنعت بدلاً منهمجاملات رقمية؟

 

الحياة بصورة عامة مبنية على التنوع والاختلاف،لهذا فإن النقد يزدهر ويتطور ويؤثر في الحياةالثقافية من خلال اختلاف الآراء، كما كان يحدث بينطه حسين والعقاد مثلًا. أما الآن فقد خبا النقد،وانحصر في المجاملات، ومع غزو التكنولوجياالرقمية عمت التفاهة والركاكة، وصار كل من يظهرعلى وسائل التواصل الاجتماعي كاتبًا وناقدًا، وجاءالذكاء الاصطناعي ليزيد الوضع سوءًا، وسرىالوهن والكسل حتى في الأدباء والنقاد المحترفين؛فأنتجوا كتابات ضعيفة خاوية المعنى، وغاب النقدالجيد، وحل محله النقد العشائري والجهويوالدعائي، وسادت نظرية الحك حك لي أحك لكوبات المقال النقدي يثير الغضب ليس عند الأديبصاحب النص المنقود فحسب بل عند أصدقائهوأقاربه ومعارفه، فيتصدى الجميع للرد على الناقدبما في وسعهم من شتائم وإهانات.

 

* انتقدت تراجع المعرفة وضعف القراءة بسبب الثورةالرقمية كيف يوازن الناقد بين كرهه لسطحيةالإنترنت وحاجته لنشر فكره عبر الفضاء الإلكتروني؟

 

حقًا الناقد أو الكاتب عمومًا عليه التفاعل معوسائل الثورة الرقمية؛ فهو يحتاج إلى نشر فكرهوأعماله والإعلان عنها، والتعريف بها، لكن ذلك كلهيتطلب منه ألا يستخدم الانترنت بدلًا عنه، أو يجعلهجسرًا لإيصال المعلومات إلى المتلقي، أي لا يجعلالآلة تتحكم فيه، فيتقبل ما تقدمه دون غربلة ونقد؛فليس كل ما تقوله الآلة الذكية بصحيح.

 

* ما هيالظلال التي ما زالت تحجبشمسالنقد المعاصر عن كشف عيوب السرد الإقليمي؟

 

لعل من العوامل التي تحول دون ممارسة نقدية حرةنكشف عن عيوب السرد العربي بمعناه الواسعالقصصي والمسرحي والتاريخي والفني يمكنتلخيصها في سيطرة ضمير الأنا التي أفرزها الواقعالتقسيمي للأمة العربية فكل دولة عربية تتحيزلسردها الخاص وامتدت هذه الأنا إلى الناقد فضخمذاته وساعدته التكنولوجيا على ذلك كما انجر بعضالنقاد تحت إغراءات المال إلى الترويج إلى السردالهابط فقدمت جوائز وعقدت مؤتمرات وندواتوأقيمت حفلات إشهارية لروايات ومجموعاتقصصية ضعيفة المستوى. لقد قُتلت الموضوعية علىأيدي بعض النقاد المتميزين وفقد الناقد مصداقيتهأمام السارد والقارئ فسارت الرواية في طريقالإهمال والضياع، وصارت تكتب لإرضاء الآخر ولاتنبع من رؤية الأديب الخاصة. يضاف إلى ما سبقفقدان الحرية لدى الناقد فقد يتعرض للأذى ليس منالسلطة فحسب، بل أيضًا من الأدباء الذين تناولأدبهم بالنقد. والسلطة ليست السياسية فقط، بلالعشائرية والجهوية وسلطة العادات والتقاليد. إنفقدان الحرية جعل فنًا عندنا يخبو ويتحول إلىتهريج ومادة للتسلية والترفيه، ألا وهو المسرح. هذهالموانع ليست ظلالا، بل حواجز متينة من الصعوبةأن ينفذ منها الضوء.

 

* قدمت دراسة هامة حولالبنية الزمنية في رواياتغالب هلسا ما الذي يمكن أن يتعلمه الروائيالعربي الشاب اليوم من تقنيات غالب هلسا الزمنيةبناءً على بحثك؟

 

الاطلاع على تقنيات الزمن لدى غالب هلسا مفيدةجدًا للروائي العربي؛ فالرواية فن زمني بالدرجةالأولى تتنوع فيها الأزمنة. فلم تعد الرواية تعتمدالزمن الخطي، بل تلاعبت بالزمن من الماضي إلىالمستقبل، ومن المستقبل إلى الحاضر وهكذا. كماتنوع فيها الزمن من حيث السرعة والبطء، والتوقف،وظهرت فيها تقنيات زمنية مثل الاسترجاع والاستباقوتزمين الوصف وتنوع الإحساس بالزمن لدىالشخصيات حسب المواقف التي يتعرضون لها.

 

لقد تداخلت في روايات غالب هلسا الأزمنة، وتنوعتوغلب عليها استخدام زمن الطفولة وتقنياتالاسترجاع والاستباق والحوارات الداخلية والخارجيةوأحلام النوم واليقظة لتبطيء السرد. وحملت بعضروايات غالب دلالات زمنية في عناوينها، مثلالخماسين والبكاء على الأطلال.

 

* في كتابكالأعماق والضفاف: كلام على الشعروالشعراء (2024) تنقلت من الجاهلية إلى الحداثةما هي الصفة الجوهرية المشتركة التي وجدتها تربطالشاعر الجاهلي بالشاعر الرقمي المعاصر؟

 

الشعر العربي سواء في العصر الجاهلي أم فيالعصر الحديث، عصر التكنولوجيا الرقمية يخاطبالإنسان عبر العصور، ويعبر عن وجدانه وأفكارهوأحلامه، لكن أبرز الصفات المشتركة بين شعرناالمعاصر والشعر الجاهلي هو الحنين إلى الماضيباعتباره معروفًا لدى الشاعر، وهو مأواه النفسيالذي يلتجئ إليه هربًا من واقعه التراجيدي، والصفةالأخرى المشتركة بين الشعر في العصرين هياستمرار الشاعر المعاصر في جلد نفسه وبنيجلدته، حتى إنه يتمنى لو أنه لم يكن بينهم، كما ترددهذا المعنى في شعر الشنفرى.

 

قد يعجبك ايضا