الأَدِيبِ وَالنَّاقِدِ الفلسطيني د. مُحَمَّد عَبْد الله القَوَاسْمَة: كاتب ادب الأطفال يستطيع أن يكتب لهم في أي موضوع من الموضوعات حتى السياسية منها

نلتقي اليوم بقامة أدبية ونقدية بارزة، جمعت بين عذوبة السرد وأصالة الكلمة، وبين الرؤية التحليلية الواعية التي تتقصى مواطن الجمال والخلل في نصوصنا المعاصرة. في الجزء الثاني والأخير من الحوار الممتد مع الأَدِيبِ وَالنَّاقِدِ الفلسطيني د. مُحَمَّد عَبْد الله القَوَاسْمَة، نُبحر مع ضيفنا عبر خمس محطات رئيسية؛ نناقش فيها ملامح الغربة في ثنايا رواياته، وموقع الناقد من المؤسسات الثقافية، ونستعرض قراءاته في تجارب روائية وشعرية رائدة، وصولاً إلى شؤون القصة القصيرة، وأدب الطفل، وكواليس العمل الأكاديمي والصحفي.

حاوره: عطا درغام

الجزء الثاني والأخير

 

* تتبعت دراساتك تفكيك “الخطاب الروائي في الأردن” هل يعاني هذا الخطاب من أزمة تسويق عربية أم أزمة تجريب فني داخل النص؟

 

– يعاني الخطاب الروائي في الأردن كما في البلاد العربية أزمات كثيرة منها ما يتصل بالنقد والروائي نفسه والناشر والسلطة فالخطاب النقدي يعتمد على التناول السطحي والمجاملاتي للأعمال الأدبية، والروائي يعاني من قلق العيش لأنه لا يجني من رواياته غير التعب وربما المضايقات على رزقه، وبات يحلم بالجوائز التي تجعله غنيًا ولو على حساب جودة فنيه واستقلاله. أما الناشر، فلا يهمه غير نشر ما يجلب له المال، حتى ولو كان النص الروائي تافهًا. أما السلطة، فلم تعد تهتم كثيرًا بالروائيين والأدباء، ولا تحرص على تسويق الرواية والتعريف بالروائيين، إلا في نشاطات موسمية معينة أما عن التجريب فلا يكون إلا للتناغم مع ما يريده الآخرون لا مع متطلبان الفن الروائي، الذي يجب أن يعبر بصدق عن الواقع المعايش.

 

في بداية ظهور الرواية استوردنا الشكل، والآن بعد أن حققنا التقدم في السرد في ثمانينيات القرن الماضي استوردنا الشكل والضمون معًا؛ فصارت الرواية تتحدث عن واقع غير واقعنا، فكثر الحديث عن الشذوذ وعن الجرائم الجنسية والخوارق.

 

* عندما قمت بجمع وتحليل مادة “الكشاف التراكمي لمجلة تايكي” (المعنية بأدب المرأة) ما هي الميزة البنائية التي تتفوق بها الرواية النسوية الأردنية على الرواية الذكورية؟

 

– إن الرواية النسائية لا تتفوق على الرواية التي يكتبها الرجل؛ فالروايتان لا فرق بينهما إلا في الموضوع، فالرواية النسائية موضوعها غالبًا علاقة الرجل بالمرأة، وتظهر فيها المرأة شاكية باكية من ظلم الرجل، ونظرته الدونية إليها. كما لا تعالج الرواية النسائية في الأردن مشاكل الواقع بطريقة موضوعية مؤثرة، إنها في الغالب تساير السائد، ولا تخرج عن السرب.

 

“أرى أن هذا العصر يناسبه السرد القصير، وليس السرد الطويل، الذي يحتاج إلى تفرغ للقراءة، وإلى وقت طويل في كتابته. صار الإنسان في سرعة من أمره في أكله وشربه ونومه وحركته، ولهذا ربما تعود القصة القصيرة أو القصيرة جدًا أن تحل محل الرواية؛ فلا يتلاءم وهذه الحياة المليئة بالمشاكل والمصاعب غير السرد القصير”

 

* كتابك “البنية الروائية في رواية الأخدود لـ عبد الرحمن منيف”؛ كيف ترى محاولات الروائيين الجدد لمحاكاة ملحمية “مدن الملح” دون السقوط في فخ التقريرية التاريخية؟

 

– لا أعرف أن روائيًا حاول أن يكتب ملحمة روائية كما “مدن الملح” في أجزائها الخمسة. أما على الصعيد الشخصي فحاولت أن أكتب رواية ملحمية، فجاءت روايتي “كورونا 19” في ثلاثة أجزاء، ونشرت في مجلد واحد. لا أعدها متأثرة في “مدن الملح” بل كانت نتيجة واقع عايشته في أزمة كورونا 19حين لزمت البيت مدة ثلاثة أشهر. ربما يعود العزوف عن كتابة الرواية الملحمية إلى أن عصرنا عصر السرعة، لا يناسبه غير الأنواع السردية القصيرة، مثل القصة القصيرة، والقصيرة جدًا والرواية القصيرة، والقصيرة جدًا.

 

* أصدرت مؤخراً كتاب “في فضاء القصة القصيرة والقصيرة جداً” هل ترى أن السرعة الرقمية الحالية جعلت من “القصة القصيرة جداً” (ققج) الفن الأنسب للعصر مقارنة بالرواية؟

 

– امتدادا للإجابة السابقة أرى أن هذا العصر يناسبه السرد القصير، وليس السرد الطويل، الذي يحتاج إلى تفرغ للقراءة، وإلى وقت طويل في كتابته. صار الإنسان في سرعة من أمره في أكله وشربه ونومه وحركته، ولهذا ربما تعود القصة القصيرة أو القصيرة جدًا أن تحل محل الرواية؛ فلا يتلاءم وهذه الحياة المليئة بالمشاكل والمصاعب غير السرد القصير.

 

*عند نقدك لقصص أدباء مثل جمعة شنب وزياد أبو لبن ما هو الخيط الرفيع الأدق الذي يفصل بين “الاختزال الفني المبدع” و”الابتسار المشوه للنص”؟

 

– من الظواهر التي يعانيها الناقد في بعض الأعمال القصصية والروائية ،ظاهرة الإكثار من التفاصيل والشرح التي تبعث الملل في القارئ وتستهين بذكائه .ولعل من الأفضل أن يلجأ الروائي إلى الاهتمام بقمة الجبل الجليدى ،كما يدعو همنجواي .فهذا يوسع من أفق المتلقي ،ويثير شهيته لمواصلة القراءة، ويكون له تأثر جمالي رائع في القارئ، ويعمق فهمه للحياة .أما الابتسار المشوه للنص، فهو تقنية وتحيل النص إلى طلاسم غامضة ترهق عقل القارئ وتدفعه للتوقف عن القراءة ومثل هذا نلاحظه في بعض الروايات في تعجل النهاية واختفاء بعض الأماكن والشخصيات دون مسوغات فنية ،أو موت بعض الشخصيات فجأة لإنهاء مرحلة أو طمس أحداث مهمة. إن الاختزال الفني عامل مهم من عوامل نجاح الرواية، ويظهر قدرة الروائي وبراعته في السرد الفني. أما الابتسار؛ فيدل على ضعف التقنية مما يربك المتلقي ويشتت الناقد.

 

* كتبت للأطفال “في البيت المهجور” كيف يستطيع ناقد أكاديمي صارم أن يتخلص من “أبوية الأستاذ” ليتحدث بلغة طفل القرن الحادي والعشرين؟

 

– الطفولة عالم محبب للكاتب؛ لأنه عالم غني بما يوحي من أفكار وأحلام وذكريات، إنه يعلمنا دروسًا في الحياة، كنت أشرت إلى بعضها في مقالة بعنوان “دروس من حفيدتي الصغيرة” لا شك أن مراقبة الأحفاد وتربية الأولاد تثير لدى الأديب الرغبة في الكتابة عن هذا العالم الجميل. إن كاتب الأطفال يستطيع أن يكتب لهم في أي موضوع من الموضوعات حتى السياسية منها، لكن بأسلوب يتناسب مع عقلية الطفل ولغته ومرحلته العمرية التي يمر بعا.

 

” الناشر خاصة إذا كان من الأدباء الكتبة يعرف من أين تؤكل كتف زميله، فهو يعرف أنه عاجز ماليًا ولكن مكمن ضعفه رغبته الجارفة ليرى إبداعه النور. لا تسأل ناشرًا عن حال النشر إلا ويقول لك خسرانة، ولكن واقعه يقول غير ذلك. هذا الواقع لصناعة الكتاب فاقم من أزمة القراءة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الناس يعزفون عن الكتاب إلى مقاطع الفيديو وكتابة الرسائل القصيرة والثرثرة”

 

* هل تراجع الاهتمام بأدب الأطفال الورقي في الأردن نتيجة زحف الألعاب الإلكترونية أم بسبب ضعف النصوص المقدمة لهم؟

 

– لقد تراجع فعلا أدب الأطفال الورقي في الأردن بسبب التكنولوجيا الرقمية، وبخاصة ألعاب الفيديو، حتى إن بعض المؤسسات التعليمية حولت جزءًا من مرافقها لتمارس فيها الألعاب الإلكترونية والنشاطات الترفيهية، وتراجعت ليس الكتب الموجهة للأطفال بل اختفت بعض المجلات التي كانت موجهة إلى عالم الطفولة مثل مجلة براعم عمان التي كانت تصدرها مديرية الثقافة لأمانة عمان الكبرى ، لم يتبق من المجلات غير مجلة” وسام” فما زالت مستمرة في الصدورعن وزارة الثقافة، وفيها مقالات متميزة وأشعار مناسبة للأطفال في مراحل العمر المختلفة.

 

* كيف يمكن للقصة القصيرة جداً أن تعبر عن قضايا مصيرية كبرى (مثل اللجوء والتحولات السياسية) دون أن تتحول إلى شعارات مباشرة؟

 

– يمكن لأي نص سواء أكان قصة قصيرة جدا أم رواية أم قصيدة، أو حتى تلك الكتابات الموجهة للأطفال المهم اتباع الأسلوب المناسب. وهذا معروف عند الأدباء منذ القدم فهذا ابن المقفع يكتب في السياسة وانتقاده ولاة الأمر في كتابه كليلة ودمنة الموجه للكبار والصغار. أما عن تحول النص القصصي إلى شعارات؛ فهذا يعود إلى الكاتب وتوجهه الأيديولوجي، ومقدار براعته وموهبته الأدبية.

 

* جمعت بين التدريس في “كلية الهندسة التكنولوجية” (بيئة علمية بحتة) وتدريس اللغة العربية كيف أثرت هذه البيئة التقنية على هندسة البناء الفني في رواياتك؟

 

– لا شك أن التدريس في جامعة البلقاء التطبيقية وفي كلية الهندسة التكنولوجية التابعة لها، قد أفادني كثيرًا في إبداعي الروائي حتى إني كتبت أثناء عملي رواية “الغياب”، ونشرت على حلقات في جريدة” الرأي” الأردنية. ثم إن شخصيات كثيرة من زملائي وطلابي وظفتها في رواياتي التي كتبتها في هذه المرحلة، كما في رواية حبيباتي الثلاث وغيوم على الشيخ جراح وحب على قائمة الاحتياط. كما أن البيئة العلمية في الكلية التي عملت فيها، ساهمت في توجهي نحو تقديم الحقيقة الواقعية في صورة أدبية، ربما أكثر صدقًا وجمالًا. ولا يغيب عنا أن الرواية، إنما تحاكي البحث في أعماق المجتمع والنفس. وهذا صميم ما يحث عليه العلم ضمن هذه البيئة العلمية، وهذا ما ظهر في رواية “حبيباتي الثلاث” ،حين صار بطل الرواية يبحث عن أمه ويجمع المعلومات عنها ليعرف الحقيقة.

 

* كتبت لسنوات كمقالتي غير متفرغ في “الرأي” و*”الدستور”* كيف يحمي الكاتب لغته الأدبية الرفيعة من الانزلاق إلى لغة الصحافة اليومية الاستهلاكية؟

 

– إن تجربة كتابة المقال الأسبوعي في جريدة الدستور والكتابات السابقة في الرأي مكنتني، كما أرى من الوصول إلى موضوعات لكتابة الرواية .ثم إن الكتابة في الصحف، ليست بعيدة في لغتها وأحداثها عن عالم الرواية الذي يقوم على التنوع الكلامي ،كما يرى باختين ،ويتسع لتقنيات الصحافة من مونتاج وكولاج ولغة خاصة. .لا شك أن كل جنس من أجناس الكتابة له أجواؤه ولغته وطريقته الخاصة في التناول ،فلا يقوم الفن الروائي على الفوضى ،بل على النظام والتناسق.

 

* في معالجاتك لأزمة صناعة الكتاب وأزمة القراءة في مجتمعاتنا هل تقع المسؤولية الكبرى على السياسات التعليمية في المدارس أم على غياب القدوة الثقافية؟

 

– تراجعت صناعة الكتاب بسبب غزو التكنولوجيا الرقمية، ووجود كثير من الكتب المقدمة مجانًا على الانترنت. والناشر لا يجازف بنشر كتاب إلا إذا ضمن الربح من البداية. لهذا، فهو لا ينشر غير الكتب المدعوم نشرها من وزارة الثقافة، أو تلك المقررة أكاديميًا، لأنه يضمن بيعها لطلاب الجامعة. كما قد ينشر الكتب التي يشارك الأديب بجزء من تكاليف نشرها، وهذا الجزء في الحقيقة تكاليف النشر وجزءا من الربح، لأنه لا يطبع من الكتاب إلا عددًا محدودًا من النسخ حسب الطلب، كما أن الناشر مع ذلك يجعل الأديب يتنازل عن حقوقه كلها، مقابل نسخ قليلة يهديها لأصدقائه ويكون له نصف أية جائزة يحصل عليها الكتاب.

 

إن الناشر خاصة إذا كان من الأدباء الكتبة يعرف من أين تؤكل كتف زميله، فهو يعرف أنه عاجز ماليًا ولكن مكمن ضعفه رغبته الجارفة ليرى إبداعه النور. لا تسأل ناشرًا عن حال النشر إلا ويقول لك خسرانة، ولكن واقعه يقول غير ذلك. هذا الواقع لصناعة الكتاب فاقم من أزمة القراءة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الناس يعزفون عن الكتاب إلى مقاطع الفيديو وكتابة الرسائل القصيرة والثرثرة. كما أن المدارس بأنظمتها ومناهجها وبعض معلميها، لا تشجع على القراءة حتى قراءة الكتب المدرسية التي قررتها، وكذلك مصاعب الحياة ومشاكلها الاقتصادية والصحية والمناخية والسياسية. أبعدت الناس عن القراءة ولم تعد الأم تقرأ لأولادها لإنشغالها بعمل البيت ومواجهة مشاكلها مع الزوج ومع الجارات، ومشاهدة الواتس والفيس بوك. إننا في عصر السيولة والتفاهة والضياع أيها الأصدقاء.

 

* بصفتك عضواً مؤسساً في “جمعية النقاد الأردنيين” ما هو المشروع النقدي التأسيسي الذي حلمت به الجمعية ولم يخرج إلى النور حتى الآن؟

 

كنت أحلم في أن يكون للجمعية مقر خاص بها مثل كثير من الجمعيات والروابط وأن يتنامى النقد في بلدنا ويكون له تأثير في الواقع الثقافي ويتمكن كل ناقد من نشر ما يكتبه وتسويقه من قبل الجمعية، وشاركني في هذه الأحلام الصديق المرحوم عبد الله رضوان الذي نهض بعبء تأسيس الجمعية فهو أكثر معرفة مني بالنقاد والأدباء بحكم مسؤوليته عن الدائرة الثقافية في أمانة عمان الكبرى وعمله السابق في وزارة الثقافة. لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن فما زال الواقع على حاله منذ تأسيس الجمعية ومنذ كتابة مقالي” جمعية النقاد الأردنيين: الوجود والعدم”

 

* بعد هذه المسيرة الطويلة بين النقد الإبداعي وسرد الرواية إذا وُضعت في موقف يخيرك فيه التاريخ بين أن تُذكر كـ “ناقد فكك نصوص الآخرين” أو “روائي خلد نصه الخاص” ماذا تختار؟

 

إن الكاتب هو مجموع إنجازاته كلها؛ فأنا مجموع ما كتبت من رواية وقصة قصيرة وقصيرة جدًا ومسرحية ومقالة وشعر وأدب للأطفال. إنني على يقين بأن التاريخ هو الذي سوف يضعني في المكان الذي يراه مناسبًا، لكن إذا خيرت أضع نفسي في طابور الروائيين دون تخل عن الأجناس الأخرى التي رافقتني حتى في كتابة الرواية. فلا تخلو رواية كتبتها من جنس أدبي كتبت فيه، ففي رواية “سوق الإرهاب”، ترى المسرحية. وفي “كورونا 19” القصة القصيرة وفي “وجع الفراشة” الشعر وفي “غيوم على الشيخ جراح” مسرحية للأطفال.

قد يعجبك ايضا
∧