محمد سعيد الطريحي (صاحب موسوعة الموسم)
العالم المؤرخ والكاتب المسرحي والقاص المصري الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود (1912 ــ 1993)، أحد مشاهير الادباء والكتاب المبدعين العرب، له خبرة طويلة في كتابة الأغاني والمسرحيات الإذاعية، واهتمام خاص في كتابة المناهج المدرسية؛ مثل التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعية والنقد الأدبي. وهو صاحب موسوعة (الإمام علي بن أبي طالب) التي تتألف من تسعة أجزاء ضخمة.

من اليمين، الاساتذة: ضيف ألماني، محمد قبا زرد، عبد الفتاح عبد المقصود، طالب الرفاعي، محمد بحر العلوم، جعفر الخليلي، يوسف الغانم، عبد العزيز العندليب، وفي الخلف: سمير بركات ومحمد الاحمر (1976 الموسم).
وُلد بتاريخ 10 يونيو 1912م، في قرية من توابع مدينة الإسكندرية في مصر. وأكمل تعليمه الابتدائي في مدرسة رأس التين، افتتح حياته الكتابية وهو في هذه المرحلة المبكرة من حياته حيث بدأ الكتابة وهو طالب في الابتدائية، بتشجيع من معلمه، وكان لهذا التشجيع تأثير عميق عليه، وواصل الكتابة وهو في المرحلة الدراسية الثانوية بالمدرسة العباسية، وخلال دراسته الجامعية في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وبعد حصوله على درجة الليسانس في التاريخ الإسلامي، واصل أبحاثه المتقدمة في المدرسة العليا للرأي العام والإعلام.
عمل في وظائف حكومية؛ مثل موظف مكتب السكك الحديدية والوظائف الخاصة؛ ثم عمل خبيراً في النشر والإعلان في أحد المعاهد الاقتصادية. كما عمل لفترة من الوقت رئيسًا لمكتب حسن إبراهيم؛ نائب رئيس جمهورية مصر العربية لشؤون الوحدة الاشتراكية ورئيس ديوان رئيس مجلس الوزراء؛ حتى وفاته سنة 1993م.
نشر أول أعماله في مجلة “السيف والناس” على شكل قصص قصيرة تناسب الأطفال والمراهقين. ثم كتب مقالات افتتاحية في مجلة “الناصح” الأسبوعية بالإسكندرية، ركزت على النقد السياسي والاجتماعي وتفسير الأحداث العامة في عصره، وقد أدى شغفه بشؤون الصحافة إلى قيامه بإصدار مجلة أسبوعية مستقلة بعنوان “الحديث” على نفقته الخاصة.
وهناك بُعد آخر في حياته الكتابية وهو تصوير حياة الشخصيات في شكل قصص؛ ومنها القصة التي ألّفها عن حياة الإمام الحسين (عليه السلام)
عالج عبد المقصود كتابة القصة وخاصة قصص الأطفال، ونشر أكثر من خمسين قصة، تناول فيها جوانب الشموخ والعظمة للأطفال، الذين أصبحوا بعد ذلك من العلماء والأبطال، وهو من المنتقدين لبعض ما يكتب تحت مسمى قصص الأطفال، بواسطة النقل والترجمة والتحريف لأعمال الأطفال في الغرب، محذراً من توجيه الأطفال لفهم وفكر وسلوك غريب عنهم، وبدلاً من ذلك يدعو الاستفادة من القصص ذات المعاني السامية التي يزخر بها تراثنا.
ومن أعماله الابداعية الاخرى: أبناؤنا مع الرسول، يوم عثمان، الحملة الصليبية الأبدية، الزهراء أم أبيها، السقيفة والخلافة، وكتاب عن أدب الرحلات، الممزوج بسرد التحولات الاجتماعية في منطقة الخليج، وكتاب «أنشودة على أوتار النور.. فاطمة الزهراء» وهو من جزأين.
ويبقى كتابه “الإمام علي بن أبي طالب (ع)” أهم الأعمال التي أنتجها عبد الفتاح عبد المقصود وهو تصويره وبحوثه التحليلية المعمقة لحياة وأحوال الإمام علي (ع). وقد أحدث صدور هذا الكتاب (الموسوعة) صدى واسعاً في الأوساط الثقافية في العالم الإسلامي ولقي كتابه ومؤلفه ترحيباً من قادة الفكر ومن مثقفي مصر والبلدان العربية والمهتمين بهذه الأبحاث من الأقطار الأجنبية، كما كُرّم غير مرَّة في العراق وغيره من البلدان.
رأي في الفهم التاريخي والمراجعة النقدية لكتب لتراث الإسلامي
من رأي الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود ان الباحث في التاريخ يجب عليه التحري والدقة واستيعاب كل ما يتعلق بالأحداث التاريخية، وبالنسبة لنظرته للدراسات الاستشراقية فإنه يرى أن المستشرقين عموماً بحثوا ودرسوا وأخرجوا لنا الكثير من التراث الإسلامي. وليس جميعهم على درجة واحدة من الحياد والتجرُّد العلمي ففيهم المُغرِض أو المخطئ من دون قصد، وهؤلاء كثيرون؛ لأنهم نظروا إلى الواقع من خلال قصورهم بمفاهيم الحقب التي كتبوا عنها، ولو أنهم عايشوا البيئة العربية، وعرفوا فكر أصحابها، لأنصفوا التاريخ الإسلامي، باعتبار أن مهمة المؤرخ أن يناقش ويمحص ويدقق في كل الآراء قبل الأخذ بها.
وربما يعيب بعض المؤرخين الإسلاميين سرعة البت في الحكم، وإصدار الآراء المتعجلة، بل يحدث أحياناً الميل إلى الأخذ من المستشرقين طلباً للراحة، وهذا هو أخطر ما يكون في كتابة التاريخ الإسلامي. ويرى أهمية الاهتمام بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي وإعادة النظر فيه، ذلك أنَّ عهود التاريخ الإسلامي عمرها قرون طويلة، مرت فيها الأمة الإسلامية بمراحل سياسية مختلفة، تبعاً لتعاقب الدول. ومن المعلوم أن السياسة دائماً، تفرض نفسها على التاريخ. لذلك فقد تأثرت الروايات التاريخية التي وصلت لنا، ومن هنا يجب أن تعاد غربلة الروايات وتصنيفها، ليس فقط بالمقياس العلمي البحت، من حيث صدق أو كذب الرواة، بل من حيث وزنه بموازين البيئة والظروف المحيطة بالحدث، بمعنى الاتجاه إلى قياس المنقول بالمعقول. إضافة إلى أن إعادة كتابة التاريخ تظهر صفات هذه الأمة، وكيف نتعامل مع الأيديولوجيات الأخرى. ما منابع قوتها ونقط الضغط فيها؟ وكيف نثير الطاقات الكامنة المكبوتة بداخلها؟ ثم أخيراً لندرك الصور المضيئة لهذه الأمة حتى يشعر شباب هذا الجيل بعمق انتماءاته وأصول تاريخه، فلا يحس بالغربة، في طوفان الحضارة الغربية، فيضيع ويغرق في أمواجها.

غلاف موسوعة علي بن أبي طالب (9 مجلدات)
تكريمه في العراق
زار عبد المقصود العراق غير مرَّة، وكل مرَّة كان موضع احترام وتقدير وتكريم، ومن بين التكريمات الأدبية، وفي النجف الأشرف أُقيمت للأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود عدة احتفالات تكريمية؛ منها الاحتفال الذي أقامته جمعية منتدى النشر عام 1977.
الشيخ الوائلي يحيي مصر والمصريين والأستاذ عبد المقصود
وأنشد فيه الدكتور الشيخ أحمد الوائلي قصيدة جميلة ترحيباً بضيف النجف نُشرت في المجموعة الكاملة للشيخ الوائلي (هذه أشعاري) ومما جاء فيها:
طلعت فلاح الفكر والمقول الحر
ولحت فهلت في مفاتنها مصرُ
ومصر كفاءات وحشد مواهب
بكل مجال رائع عندها جذرُ
ومصر من الفصحى لسان معبر
ومن غرر الافكار منبعها الثرُ
ومهد حضارات ٍ تصدى قديمها
إلى حدثان الدهر فانهزم الدهرُ
ونضَّرها الاسلام فهي لوامع
تموج في أبعادها النور والنورُ
فأهلاً برمز الضاد فكراً ومقولاً
ومفخرة التاريخ اذ يذكر الفخرُ
أوافد مصر للعراق تحية ٌ
لمصر ٍ ومقصود يكرمه القطرُ
ومصر وأرض الرافدين توائم
وما توأم الا لتوأمه شطرُ
يشدهما عمق الحضارة مؤئلاً
وينميهما للمجد من يعربٍ نجرُ
ومن فوق هذا شرعة الله وحَّدت
مسارهما فاستلحم الشفع والوترُ
وضمهما درب الكفاح فأوغلا
إلى أن تولى البغي وانتزع النصرُ
وما كان يرجى غير ذلك بيننا
فان عظام الصدر يمسكها الظهرُ
كذا أرضعتنا الأمهات أخوةً
لننزع عن قوس ٍ اذا احترب الأمرُ
افتَّاح هذا مربع في ترابه
لحيدرة جسم وفي افقه فكرُ
ثلاث وعشر من قرون تصرمت
ومازال منه فوق هذا الثرى عطرُ
وازمنة مرَّت بكل صروفها
يشيد بها زيد ويدفعها عمرو
تمر عليه وهي سوداء غيمة ٌ
فيمشي اليها وهو منبلج بدرُ
ومن خلق الشطئان ان صخورها
جلامد مهما استفحل المد والجزرُ
يعربد بحر ثم ينحل موجه
ويبقى برغم الموج ينتصب الصخرُ
وعى الدهر انغاماً فأبعد ناشزاً
وعاشت على اسماعه النغمة البكر
تمر السَّما في كل يوم نيازك
فتفنى وتبقى الشمس اشعاعها غمرُ
أجل تلك عقبى المتقين خوالدٌ
من الذكر لا تفنى ولا ينتهي الذكرُ
أيا موسع التاريخ نقداً وخبرة ٌ
ومبتدعا في نهجه ليس يجترُ
تجلى له التاريخ بحراً فخاضه
وغاص إلى الاعماق فانكشف القعرُ
وأبصر اشتاتاً تغاير نعتها
وراعته أغوار ومنعطف وعرُ
وشاهد زيفاً يستطيل وواقعاً
يذاد ومقياساً إلى الخلط ينجرُ
وأخبار يرويها الهوى وصحائفاً
تحكم فيها الحب والبغض والتبرُ
ومرت به الأقلام منهن قانع
بفضل فتات الظالمين ومعترُ
فميز لم تغرره لامعة الحصى
ولم يختفي عن لمح ناظره الدرُ
فكان له السفر الكريم بما حوى
ورب كتاب لا كريم ولا سفرُ
وأقلام هذي الناس كالناس نفسها
ففي بعضها رجس وفي بعضها طهرُ
(أفتَّاح) هذا الكون يفنى بما به
وكل الذي يحويه منقطع نزرُ

عبد الفتاح عبد المقصود في ضيافة الخليلي (طرائف ومداعبات)
بين الأديب العراقي الكبير الأستاذ جعفر الخليلي علاقة راسخة، وبينهما مراسلات كثيرة نشرتها في موسوعة (الاعمال الكاملة للأستاذ الخليلي – الموسم المجلد 216 ص 452 وما بعدها) وكانا قد اجتمعا معاً في عدة مناسبات ومنها في الكويت عام 1976 في دعوة من الوجيه الكويتي محمد قبا زرد، أقامها في صحراء الكويت وكان ضمن المدعوين السيد طالب الرفاعي (القادم من القاهرة آنذاك)، الدكتور السيد محمد بحر العلوم، الحاج يوسف الغانم، عبد العزيز العندليب (وهو اديب وشاعر كويتي كانت تربطنا به علاقة طيبة وكتبنا عنه في مذكراتنا)، وهؤلاء جميعاً مع الاستاذين الخليلي وعبد المقصود جمعتهم الصورة التي زيَّنا بها بداية مقالتنا هذه وهي من “أرشيف الموسم”.
وبعد عام من ذلك اللقاء قدم عبد المقصود الى العراق، وفي بغداد أقام الأستاذ جعفر الخليلي دعوة عامرة بل ندوة أدبية رائعة تكريماً لصديقه الاستاذ عبد الفتاح عبد المقصود وعائلته في منزله ببغداد ودعا على شرفه عدد من الشخصيات الاجتماعية والعلمية، وهذه نبذة من ذكريات الخليلي التي يتحدث فيها عن دعوته وما تخللها من النوادر والشعر الطريف الذي لا تخلو منه مآدب الخليلي واحتفاءاته بأصدقائه وأودّائه العلماء والادباء:
في بيتنا ببغداد كان أكثر ما يجرُّ الحديث إلى المناقشات والمباريات الشعرية، وآخرها كان قبل وفاة فؤاد عباس بأيام. فقد كانت الجمعية التاريخية ببغداد قد دعت الباحث المؤلف (عبد الفتاح عبد المقصود) لزيارة العراق، وقد رأيت أنا من المناسب دعوته لتناول العشاء في بيتي، ولأنه كان يصحب معه زوجته وابنته الجامعية، فكان لا بد من دعوة الأدباء وزوجاتهم لهذا العشاء وقبل القيام إلى المائدة أنشدت عبد الفتاح عبد المقصود الأبيات التالية على سبيل المعذرة وقلت:
كلُّ ما في الوجود مما ترى
العين وما لا ترى من الإجرام
إن تأملت كنهه لم تجده
غير مجموعة من الأوهام
تشرق الشمس كل يوم نهاراً
ويعم الضياء كل الأنام
وكما أشرقت تغيب كأن
الأرض طراً تعممت بالظلام
وتمرّ الأيام ترزح همّا
كمرور الأفراح في الأيام
أين ولّى من كان بالأمس يقظاناً
وفي الليل حالماً بالمنام
كل هذا وهمٌ أصدقت كلامي
أم لم تصدق كلامي
فالذي مرّ من حياتك من حلو
ومرّ سيستوي في الختام
يا ابن (عبد المقصود) إن أنا
أطعمتك خبزاً جشباً بدون إدام
فتوهَّمه وجبة من طعام
هي أشهى ما تشتهي من طعام
وتخيّله ما تشاء لحوماً
من فراخٍ مشويَّة وحَمام
كل شي يلذّ بالوهم حتى
الماء لو خلته الحمّيا بجام
واغتفر لي المغموس بالوهم خبزاًً
ثم اقصر في معتبي وملامي
فاغتفار الذنوب والصفح طبعٌ
هو من شيمة الرجال الكرام
وهنا رويت لهم عن شاعر أديب في القرون الإسلامية السالفة وقد أبى أن يتكسب بالشعر كما كان يفعل أمثاله، فعمل ناسخاً عند أحد الوراقين، ولما لم يكن خطه جيداً فقد كانت أجوره اليومية زهيدة تكاد لا تكفي للخبز والملح الذي يتطلبه بيته وعياله، وجزع الأولاد من تكرار الخبز والملح في كل يوم، وطالبوا الأب بشيء من الأدام الشهي ولو لوجبة واحدة في الأسبوع، وما زالوا يلحُّون في طلبهم حتى ضاق بهم أبوهم ذرعاً، وهناك أجلسهم وأمهم معهم وقال لهم: كونوا واقعيين منطقيين، واجعلوا العقل رائدكم في الحياة، وإذا فعلتم هذا فستجدون أن كل الحياة ومن فيها إنما هي أوهام وأخيلة، فإذا جلستم في الصباح للفطور فليتناول كل منكم لقمة من الخبز، وليتوهم أنها مغموسة بالزبدة والعسل، ثم يمضغها كأنها زبد وعسل، ثم ليتناول لقمة أخرى وليتخيل أنها محشوَّة بالبيض والزيتون، وليُوحِ لنفسه بأنه إنما يأكل بيضاً وزيتوناً، وهكذا فليكن غداؤكم وعشاؤكم، توهموا أنكم تأكلون دجاجاً وسمكاً ولحم ضأن، فأنتم والذين أكلوا الدجاج والسمك ولحم الضان حقاً، ستكونون سواء في النهاية، أليس كذلك يا زوجتي ويا أولادي؟ ألم تكونوا سواء في النهاية كما لو كنتم قد أكلتم كل ذلك.
ثم قلت لعبد الفتاح عبد المقصود: ليكن هذا الوهم سبيلك إذا قمت إلى مائدتنا ولم تجد غير الخبز الجشب، أما هؤلاء الأدباء المدعوون بقصد تكريمك وزوجاتهم فما عليك منهم لأنهم قد ألفوا ذلك في هذا البيت فلا حاجة لتعريفهم بالوهم وفعله في الحياة.
طرفة وشعر للأستاذ فؤاد عباس
وهنا انبرى فؤاد عباس معقباً وقال: لقد سُئل أديب مُعدم عما يتناول في فطوره؟ فقال: أتناول قدح ماء فأتخيله كوب حليب مشبَّع بالدسم، ثم أتناول كسرة خبز فأغمسها بالماء، وأتوهم أني قد غمستها بالسمن والعسل، ولم أكتف بهذا بل أبدأ بالتجشؤ كتجشؤ المتخوم بأطيب المأكل، فقيل له والغداء؟ وماذا يكون غداؤك؟ قال أتخيل أن أمامي رأس خروف هو المعروف (بالباجة) وأكرعة مسلوقة، وثريداً بحساء الكراع متبّلاً بالتوابل، ومزعفراً بالزعفران…
فقيل له: والعشاء، فما عسى أن يكون عشاؤك؟
قال ــ غفر الله لكم، ما أشد غباءكم!! فهل الذي يكون غداؤه على هذه الشاكلة وهذا الصنف من الطعام أيكون قادراً على أن يتناول شيئاً في العشاء؟
وعند انتهائنا من تناول العشاء كان فؤاد قد حضرته أبيات مرتجلة بارى فيها مقطوعتي المتقدمة، قرأها على الحاضرين، وفي اليوم الثاني كان قد هذبها وبيضها وصحبني إلى الفندق الذي يقيم فيه عند الفتاح عبد المقصود لكي نودعه ورافقنا في السيارة الصديق الشاعر محمد صادق القاموسي، وقد قرأ هناك فؤاد لعبد الفتاح مقطوعته وفي صدرها هذه الكلمة:
«نظمت وأُلقيت في دارة (جعفر الخليلي) في حفلة عشاء خاصة أقيمت مساء الأربعاء 7/4/976 ترحيباً بالأستاذ الكبير عبد الفتاح عبد المقصود بمناسبة تشريفه بغداد» “وفي اول القصيدة إشارة لفريدة وابتسام كريمتا الأستاذ الخليلي” وقد بدأ مقطوعته بتوجيه الخطاب لي قائلاً:
يا كريماً ويا ابن آل كرام
أريحي الأخوال والأعمام
كعبة القصادين بيتك هذا
فهو للوافدين خير مقام
قد سرينا إليه من كل صوب
وحللناه مع حلول الظلام
فالتقانا يفيض نوراً وبشراً
أشرقا من (فريدة) و(ابتسام)
واغتبقنا منك الزلال المصفى
من حديث يفوق صفو المدام
وأصبنا من كل صنف ولون
من طعام يفوق كل طعام
لا كما قلت: شهوة الأوهام
أنَّقتها أمنّية الأحلام
وحمدنا لقاء ضيف هو
(المقصود) بالتهنئات والإكرام
أجزل الله أُجره من (إمام)
كرّم الله وجهه من إمام
وشكرنا مضيفاً سوف يبقى
شكره دأبنا على الأيام
تكريم الشيخ الخاقاني والسيد الرضوي
في عام 1976، أقام الباحث والناشر الأستاذ السيد مرتضى الرضوي الكشميري (ت 2023م) والعلامة الشيخ سلمان الخاقاني (1926 – 1988م) حفلَين تكريميَّين، كلًّا على حدة، للأستاذ عبد المقصود تليت فيه عدد من الكلمات والقصائد التكريمية جمعها في حينه الأستاذ المحقق الشيخ محمد رضا الانصاري، وهذه مقتطفات مما تُلي فيها من الشعر والنثر:
الشيخ محمد باقر المقدسي
((الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود، فتح لنا أبواباً جديدة على عالم مصر وعلى العالم العربي والإسلامي، فصرنا نحن أن نقرأ كثيرا من الكتب التي أسأنا الظن بالنسبة إلى كتابها، وصرنا نستفيد منها أدبيا وتاريخيا وعلميا وأننا نطلب منه أن يكون همزة وصل بين المراكز العلمية في العالم الآخر. فإذا كان همزة وصل، نتمكن أن يوصل صوتنا إليهم، وتمكن أن يوصل أصواتهم إلينا أيضا. وبهذه الطريقة نستطيع أن نتكاتف جميعا وخصوصاً في عصرنا الحاضر ومن لا يحب المحجة البيضاء والصراط المستقيم؟ ومن الذي لا يحب العدالة والخير؟ فالعصر الذي نعيش فيه عصر الحرية في المبادئ والآراء والفكر)).
الأستاذ عبد المقصود
((أيها الإخوة الكرام كرم الغيث، الأعزة عزة الحق، القريبون إلى القلب كسويدائه، الأجلاء جلال العلم، أحييكم، وأتساءل. بأي لسان أستطيع أن أصل إلى مسامعكم؟ وقد سبقني الكثيرون بالنثير المسبوك، وبالنظيم المنضود. فملئوا أسماعكم، ولم يتركوا لي مكانا بها لتسمعوا كلمة مني.. ثم أتساءل أيضا.. كيف لي أن أشكركم وقد سبقوني ببلاغة غمرتني بتقدير لا أستطيع أن أقول: إنني أهل له. أنا أقل مما قالوا كثيرا، وكثيرا جدا. أقل من هذا العطف الذي ألمحه على كل وجه منكم، أجل: أنا أقل من هذا بكثير وإذا كنتم رأيتم أن تهبوني كلمة تقدير إكراما لحق الإمام علي بن أبي طالب، فكرم الإمام علي قد غمرني غمرا شديدا حتى لا يمكن أن أنكره، أو أقدره.
بفضل الله تعالى قد كتبت عن الإمام وحزت منكم هذا التقدير الجميل. ولكنني في الحقيقة لا أستطيع أن أقول: إنني كتبت عن الإمام شيئا يذكر. فالإمام أكبر من أن يتسع له سفر مهما كبر وضخم. فالإمام أكبر من أن يستطيع قلم أن يتناوله بسنه مهما فاض مداده. الإمام أكبر من أن يصفه ويقدره حق قدره بليغ أو فصيح مهما بلغ من البلاغة ومن الفصاحة.
الإمام بحر لجي، وما أظنكم تجهلون هذا. وإذا كنت قد استطعت أن أكتب شيئا رأيتم فيه ما يستحق التقدير، فلقد كتبت وأنا مؤمن تمام الإيمان بما كتبت لا من أجل أن الإمام كان شخصية عظيمة فقط، ولا من أجل أن أرضي هؤلاء الإخوة أو أولئك. وإنما من أجل أن أرضي نفسي، أرضي ضميري. الإمام (عليه السلام) كان مجموعة من الفضائل، من المُثل العليا، من المكارم من القوة، من الشجاعة، من الولاء للإسلام، من الفناء في الإسلام. لذلك حينما تناولت الإمام، حاولت – قدر جهدي المتواضع – أن أكتب عنه وأنا أريد أن أظهر منه ناحية واحدة أهم من التاريخ الذي يعرفه الصغير والكبير أردت أن أظهر منه: أنه الرجل الذي عرف كيف يطبق الإسلام التطبيق الحقيقي في مقتبله بادئا بنفسه قبل غيره، متوخياً في كل سلوك يسلكه خطوات رسول الله “ص”..)).
الشيخ حسين الطرفي
اشدد بكفك كفًّا تزدري الذهبا
ترجو عطاء يراعٍ يسكب الأدبا
أبا النجوم، وما أزكاه من نسب
وهل سوى البدر يُدعى للنجوم أبا
البدر أنت، وهذا الحفل هالته
وما النجوم سوانا معشر الأدبا
خفَّت بنا في سماء الشعر أجنحة
لولاك كانت قدامها ريشًا ولا زغبا
ويا أخا الصدق وافتنا ركائبه
وما سوى الحزم في هذا السرى ركبا
يممت منا رحابًا نستريح لها
فألق عنك عصا التسيار والتعبا
وردتنا، فوردنا منك منتهلًا
يروي ظمانا ولم يترك بنا سغبا
على ضفاف خضمٍّ زاخر وقفت
بنا الركائب تثني عنده الركبا
إذ قد لقيناك فانهلَّت مواهبنا
واورد البحر لا يستمطر السحبا
لقياك ذي، سوف نحيي ذكرها فعسى
نقوم بالبعض من حق لها وجبا
فتفزع النفس للقيا، وذكرها
نردده، ومن نمير نداه نطفئ اللهبا
نقيم برهان حب للوصي بها
من ادعاه، ولم يحفل بها كذبا
نحث خيل الهوى والحب منطلق
لمدَّعيه، فمن لم يعتنقه كبا
إنا لقوم وجدنا فيك بغيتنا
وهل يريد امرؤٌ غير الذي طلبا
ففي الإمام “علي” كنت ذا قلم
جَرى، فما شطَّ في قول ولا نكبا
صقلت من مقول سيفًا نصرت به
في موضع لست فيه تحمد القضبا
علقت فيه فؤادًا ملؤه ثقة
أن الولاء سيضحى للنجا سببا
رسالة أخوية من الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود الى الأستاذ الخليلي
الإسكندرية في 5-5-1976
أخي الأستاذ الكبير جعفر الخليلي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مع تحية طيبة من الاسرة الى كريماتك العزيزات، يحفُّها شوق فياض وتمنيات بالسعادة والتوفيق.
وبعد.. فليتك ترضى أن تُعيرني بعض بلاغتك، أيها العزيز الكريم، ولو بيتاً واحداً من شعرك الرشيق الرقيق، لأستطيع التعبير، كما ينبغي، عن صادق شعوري نحوك..
ولا أقول عن شكري لكَ.. فلقد رثت كلمة ((الشكر))، كما تعلم، وفقدت دلالتها الحقيقية لكثرة ما لاكها لساني! ان مذاقها تغيّر على شفتيَّ، وعلى سنّ قلمي، حتى أصبحتُ أنكره.. وإنّ ((الحمد)) لمعنى غال لا يمكن أن تحيط به الألفاظ. وإنَّ الثناء عليك لإحساس في قلبي عسير على البيان تصويره.. فهل أطمع إذن أن تغفر عجزي؟..
أخي.. الأيام القليلة التي قضيتها معكم، بالكويت والعراق، ستظل دائماً محفورة في ذاكرتي.. وما لقيته من ودّكم سيبقى ذخراً أعتزُّ به.. وكم تمنيت لو أن لقاءنا عاصر أعواماً سابقة مضت من عمري كانت في حاجة الى مثل هذا الفيض الكريم الذي غمرتني به نفسك الكريمة.. لكن الامل ممدود أمامي في لقاء آخر وعدتني به في الإسكندرية، فلا تجعل للعذرِ سبيلاً تُرجئ به تنفيد وعدك.
أجمل التمنيات مني ومن كاميليا وأمها لعزيزاتك، مع أمل متجدد في لقاءٍ قريب. والسلام.
57 طريق الحرية – الإسكندرية
عبد الفتاح عبد المقصود
نُشرت هذه الرسالة المرقمة (14) ضمن الملف الخاص عن المُتَرجَم له المنشور في المجلد 214 من ((الموسم)) ولمن يرغب المزيد “في تفاصيل أُخرى” عن الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود في ينظر ((موسوعة الموسم المجلد 216 ص 451-478، وكتابنا: الشيخ سلمان الخاقاني ” جزءان” ((سيرته وآثاره الفكرية الكاملة )).