المواطنة بلا أرض: المركز القانوني الدولي لسكان الدول المهددة بالاختفاء المناخي

الاستاذ الدكتور
فكري عزيز حمد السورجي

لم يعد تغيّر المناخ في القانون الدولي مسألة بيئية محضة، بل أخذ يتحول إلى اختبار عميق للمفاهيم التي قامت عليها الدولة الحديثة: الإقليم، والسكان، والسيادة، والجنسية، واستمرار الشخصية القانونية الدولية. وتظهر هذه الإشكالية بأشد صورها لدى الدول الجزرية المنخفضة التي يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر أجزاءً من أقاليمها أو كاملها على المدى البعيد. فإذا أصبح الإقليم غير صالح للسكن، أو اضطر السكان إلى الانتقال بصورة دائمة إلى دول أخرى، فهل تبقى الدولة قائمة قانوناً؟ وهل يحتفظ مواطنوها بجنسيتهم وحقوقهم السياسية؟ وهل يمكن أن تنشأ، لأول مرة بصورة واسعة، حالة «مواطنة بلا أرض» لا تعني انعدام الجنسية، بل استمرار رابطة الجنسية رغم تراجع الصلة المادية بالإقليم؟
تكشف هذه الأسئلة أن القانون الدولي التقليدي صيغ في عالم كان يفترض ثبات اليابسة نسبياً. فقد ارتبط تصور الدولة، في الفقه والممارسة، بعناصر السكان والإقليم والحكومة والقدرة على الدخول في علاقات دولية. غير أن التحول المناخي يضع هذا البناء أمام واقعة غير مألوفة: دولة قد لا تنهار بفعل احتلال أو اندماج أو تفكك سياسي، وإنما قد تفقد تدريجياً قابلية إقليمها للسكن نتيجة ظاهرة عالمية لم تتسبب فيها وحدها. ومن هنا يصبح التعامل مع اختفاء الإقليم وفق القواعد التقليدية وحدها غير كافٍ؛ لأن النتيجة قد تكون تحميل الشعوب الأكثر هشاشة العبء القانوني النهائي لأزمة ساهمت فيها تاريخياً وبنسب متفاوتة اقتصادات كثيرة خارج أراضيها.
والتمييز ضروري بين ثلاثة أوضاع قانونية. الأول هو فقدان أجزاء من الإقليم مع بقاء الدولة قابلة للحياة؛ والثاني هو بقاء بعض اليابسة قانوناً أو مادياً مع انتقال غالبية السكان إلى الخارج؛ والثالث هو السيناريو الأشد تعقيداً، أي زوال الإقليم الصالح للسكن أو غمره على نحو يجعل ممارسة السلطة داخله متعذرة. في الوضعين الأول والثاني لا توجد ضرورة قانونية تلقائية لزوال الدولة، لأن استمرار الشخصية الدولية لا يخضع لاختبار تأسيسي جديد في كل لحظة. أما الوضع الثالث فيفتح نقاشاً غير مسبوق حول إمكان استمرار الدولة رغم غياب أحد العناصر المادية التي ارتبطت تقليدياً بقيامها.
إن مفهوم «المواطنة بلا أرض» ينبغي ألا يختلط بانعدام الجنسية. فعديم الجنسية هو الشخص الذي لا تعتبره أية دولة مواطناً بموجب قانونها، بينما المواطن المنتمي إلى دولة مهددة بالاختفاء المناخي قد يحتفظ بجنسية دولته حتى لو أقام بصورة دائمة خارج إقليمها. جوهر المشكلة إذن ليس غياب الرابطة القانونية ابتداءً، بل ضمان استمرارها وفعاليتها. الجنسية لا تمنح اسماً قانونياً فقط؛ إنها مدخل إلى الحقوق السياسية، والحماية الدبلوماسية، والهوية القانونية، والحق في العودة حيث يكون ممكناً، والارتباط الجماعي بتاريخ وثقافة ومجتمع سياسي محدد.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة لأن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحظر الحرمان التعسفي من الجنسية ويعترف بحقوق مرتبطة بالشخصية القانونية والحياة الأسرية والثقافية والمشاركة العامة. ومن ثم فإن زوال قابلية الإقليم للسكن لا ينبغي أن يتحول آلياً إلى زوال حقوق السكان أو إلى إنتاج جماعي لانعدام الجنسية. ويمكن الدفاع قانونياً عن مبدأ الاستمرارية: أي افتراض بقاء جنسية الدولة وشخصيتها الدولية متى أعلنت مؤسساتها وشعبها إرادة واضحة في الاستمرار، ما لم توجد قاعدة دولية صريحة تفرض النتيجة المعاكسة. وهذا النهج أكثر انسجاماً مع الاستقرار الدولي وحماية الحقوق من تصور يربط بقاء الدولة بصورة ميكانيكية بوجود رقعة مأهولة بصورة دائمة.
وقد أسهمت التطورات الدولية الحديثة في تقوية فكرة الاستمرارية. ففي النقاشات القانونية المتعلقة بارتفاع مستوى البحر، برز اتجاه يدعو إلى الحفاظ على الاستقرار القانوني للحدود البحرية وعدم إجبار الدول على إعادة رسم خطوط الأساس كلما تغير الساحل بفعل ارتفاع المياه. وتكمن أهمية هذا الاتجاه في أنه ينقل القانون من منطق «الجغرافيا المتحركة تُنتج حقوقاً متحركة» إلى منطق حماية الاستقرار والحقوق المكتسبة. فإذا أمكن تثبيت بعض الآثار القانونية البحرية رغم تغير الواقع الطبيعي، يصبح من المعقول بحث تثبيت آثار أخرى متصلة بالشخصية الدولية والجنسية، مع مراعاة اختلاف كل مسألة في أساسها القانوني.
أما سكان الدول المهددة، فإن انتقالهم إلى دولة أخرى لا ينبغي وصفه تلقائياً باللجوء بالمعنى القانوني التقليدي. اتفاقية اللاجئين لعام 1951 تقوم أساساً على الخوف المبرر من الاضطهاد لأسباب محددة، ولذلك لا يشكل الضرر المناخي وحده، في صورته العامة، سبباً مستقلاً للحصول على صفة لاجئ وفق تعريف الاتفاقية. غير أن ذلك لا يعني وجود فراغ كامل في الحماية. فالقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المتعلقة بالحق في الحياة وعدم الإعادة إلى ظروف تنطوي على خطر حقيقي وجسيم، يمكن أن يفرض قيوداً على الإبعاد في حالات استثنائية. وقد أبرزت الممارسة الدولية أن الخطر البيئي قد يبلغ درجة يصبح معها ترحيل الشخص محل فحص جدي بموجب التزامات حقوق الإنسان، حتى من دون تحويل كل مهاجر مناخي إلى «لاجئ» اصطلاحاً.
ويظل الحل الأكثر استدامة أوسع من الحماية من الإبعاد. فالسكان الذين قد يفقدون موطنهم يحتاجون إلى إطار يضمن الإقامة طويلة الأمد، والعمل، والتعليم، والرعاية، ووحدة الأسرة، وحفظ الثقافة واللغة، وإمكان ممارسة الحقوق السياسية المرتبطة بدولتهم الأصلية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال اتفاقات ثنائية أو إقليمية تنظم التنقل المنظم، أو ترتيبات إقامة خاصة، أو نماذج للجنسية المزدوجة، أو الاعتراف بمؤسسات الدولة المستمرة في الخارج. وهذه الأدوات لا تلغي الدولة المهددة، بل تمنح شعبها فضاءً قانونياً يسمح باستمرار المجتمع السياسي رغم انتقاله الجغرافي.
ويثير استمرار الحكومة خارج الإقليم سؤالاً حساساً: هل تستطيع دولة مهددة بالغمر إدارة شؤونها من أراضي دولة مضيفة؟ تاريخ العلاقات الدولية يعرف حكومات مارست وظائفها من المنفى في ظروف الحرب والاحتلال، وإن كانت تلك السوابق مختلفة عن الاختفاء المناخي. ومع ذلك فهي تؤكد أن التطابق الكامل بين مقر الحكومة وإقليم الدولة ليس شرطاً مطلقاً في كل الظروف. ويمكن، من حيث التصميم القانوني، تصور حكومة تستمر في إدارة الجنسية والسجلات المدنية والأصول العامة والعلاقات الدبلوماسية والتمثيل الدولي، على أساس موافقة الدولة المضيفة وترتيبات واضحة تحترم سيادتها.
وفي العصر الرقمي يمكن أن تظهر صورة جديدة للدولة المستمرة: سجلات مدنية مؤمنة رقمياً، انتخابات للمواطنين المنتشرين في دول متعددة، خدمات قنصلية إلكترونية، أرشيف وطني موزع، ونظام مؤسسي يحفظ الصلة بين أفراد المجتمع السياسي. لكن «الدولة الرقمية» ليست بديلاً سحرياً عن الإقليم؛ فالسيادة ليست منصة إلكترونية، والحقوق تحتاج إلى اعتراف دولي ومؤسسات وضمانات مادية. القيمة القانونية للتكنولوجيا تكمن في قدرتها على دعم الاستمرارية المؤسسية، لا في إنشاء دولة بمجرد وجود قاعدة بيانات أو حكومة افتراضية.
وتبرز كذلك قضية الحقوق البحرية والموارد. فالدول الجزرية تعتمد اقتصادياً وهوياتياً على البحر، وقد تكون مناطقها الاقتصادية الخالصة أوسع كثيراً من اليابسة. وإذا أدى تغير خط الساحل إلى تقليص الحقوق البحرية أو زوالها، فإن الشعب المتضرر سيواجه خسارة مزدوجة: فقدان موطنه وفقدان قاعدة اقتصادية قد تساعده على البقاء كمجتمع سياسي. لذلك ترتبط حماية المواطنة بحماية القدرة الاقتصادية للدولة. إن تثبيت الحدود البحرية المرسمة وفق القانون، حيث يحظى ذلك بقبول دولي، يمكن أن يسهم في منع تحول التغير المناخي إلى آلية لإعادة توزيع الثروة البحرية على حساب الدول الأشد تعرضاً له.
ومن المسائل الأصعب مصير السيادة على الموارد والعائدات إذا انتقل جميع السكان تقريباً إلى الخارج. يمكن تصور إنشاء صناديق سيادية وطنية تدير عائدات الموارد لصالح المواطنين والأجيال اللاحقة، مع رقابة مؤسسية وقواعد تمنع الاستيلاء على الأصول تحت ذريعة ضعف الوجود المادي للدولة. ويصبح مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير مهماً هنا؛ لأن المجتمع الذي اضطر إلى الانتقال بسبب تغير المناخ لا يفقد بالضرورة صفته كشعب ولا حقه في تقرير مستقبله السياسي والثقافي.
كما يفرض الاختفاء المناخي إعادة التفكير في معنى «العودة». ففي القانون التقليدي يفترض حق العودة وجود مكان يمكن العودة إليه. أما إذا أصبح الموطن غير صالح للسكن، فإن الحماية ينبغي ألا تتحول إلى وعد نظري مستحيل. يمكن أن يتخذ الحق في الاستمرارية صوراً أخرى: زيارة المواقع المتبقية، حماية المقابر والمواقع الثقافية، حفظ أسماء الأماكن والخرائط والسجلات، ضمان الوصول إلى المناطق البحرية، ونقل التراث المادي والرقمي بطريقة تحافظ على علاقته بالشعب الأصلي. بذلك تنتقل الحماية من مجرد حماية الفرد المهاجر إلى حماية الذاكرة القانونية للجماعة.
ويتصل بذلك مفهوم الهوية الثقافية. فالهجرة الجماعية قد تؤدي، خلال أجيال قليلة، إلى تآكل اللغة والعادات والمؤسسات المحلية. القانون الدولي لحقوق الإنسان يوفر أسساً لحماية الحياة الثقافية، إلا أن السيناريو المناخي يحتاج إلى تطبيق أكثر ابتكاراً لهذه الضمانات. ويمكن للدول المضيفة أن تعترف بمدارس ومراكز ثقافية ومؤسسات تمثيلية خاصة بالمجتمع المنتقل، وأن تسمح باستخدام لغته في التعليم والخدمات المجتمعية، وأن تدعم الروابط العابرة للحدود بين أفراده. حماية الإنسان هنا لا تكتمل بمجرد منحه إقامة آمنة؛ بل تشمل أيضاً عدم إجباره عملياً على الاختيار بين الأمان وفقدان هويته الجماعية.
ولا يمكن فصل هذه القضية عن العدالة المناخية، ولكن ينبغي التمييز بين الخطاب الأخلاقي وقواعد المسؤولية القانونية الدولية. تحديد مسؤولية دولة بعينها عن خسارة إقليم دولة أخرى يواجه صعوبات السببية، وتعدد مصادر الانبعاثات، والبُعد الزمني، وتطور المعرفة العلمية، واختلاف الالتزامات القانونية عبر الفترات. ومع ذلك، فإن تطور قواعد المناخ وحقوق الإنسان والعناية الواجبة يفتح مجالاً أوسع للبحث في التزامات الوقاية والتعاون والتمويل والتكيف وجبر الضرر. والأهم أن حماية السكان لا ينبغي أن تتوقف على نجاحهم أولاً في إثبات دعوى مسؤولية كاملة ضد دولة محددة؛ إذ يمكن بناء أنظمة حماية جماعية وتعاونية مستقلة عن حسم المسؤولية القضائية.
ويستدعي ذلك التفكير في اتفاق دولي أو بروتوكول متخصص بشأن استمرارية الدول المهددة بارتفاع مستوى البحر. ويمكن أن يتضمن افتراض استمرار الشخصية القانونية الدولية، وضمان استمرار الجنسية، والاعتراف بالحدود البحرية المستقرة وفق القانون، وتنظيم وضع الحكومة والمؤسسات في الخارج، وحماية الأصول والسجلات، وتيسير التنقل والإقامة، وضمان الحقوق الثقافية والسياسية للسكان المنتقلين. مثل هذا الإطار لا يحتاج إلى انتظار غمر آخر متر من اليابسة؛ فالقانون الوقائي أكثر عدلاً وأقل كلفة من معالجة أزمة وجودية بعد وقوعها.
ومن الناحية المؤسسية، تستطيع الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والمؤسسات المالية الدولية أن تؤدي أدواراً متكاملة. الأمم المتحدة يمكن أن توفر مظلة للاعتراف والاستمرارية والتمثيل؛ والمنظمات الإقليمية تستطيع تطوير ترتيبات حركة وإقامة؛ والمؤسسات المالية يمكن أن تمول التكيف وإعادة التوطين الطوعي وصون التراث وبناء البنية الرقمية للدولة. كما يمكن إنشاء سجل دولي للوثائق والحدود والأصول العامة للدول شديدة التعرض، بما يقلل مخاطر النزاع المستقبلي على الملكية والحقوق السيادية.
ويجب أن يبقى الانتقال السكاني طوعياً ومنظماً قدر الإمكان. فسياسات «إعادة التوطين» إذا صيغت دون مشاركة السكان قد تتحول إلى صورة جديدة من الوصاية، أو إلى تفكيك المجتمع باسم حمايته. لذلك ينبغي أن يكون السكان شركاء في تحديد مكان الانتقال وتوقيته وشروطه، وأن تُحترم خيارات من يرغب في البقاء ما دام ذلك ممكناً وآمناً. كما ينبغي توزيع السكان بطريقة لا تقضي على الروابط المجتمعية إذا كان الحفاظ عليها جزءاً من إرادتهم الجماعية.
وفي قلب المسألة يظهر سؤال فلسفي قانوني: هل الدولة أرض يسكنها شعب، أم رابطة قانونية وسياسية يمكن أن تستمر عندما تفقد الأرض وظيفتها التقليدية؟ لا يقدم القانون الدولي الراهن جواباً نهائياً لكل سيناريو، لكن مبادئ الاستقرار، وحق الشعوب في تقرير المصير، وحماية الجنسية، واستمرارية الحقوق، وعدم تحميل الضحية نتائج الضرر بصورة آلية، تسمح ببناء إجابة أكثر إنسانية وواقعية. إن فقدان الإقليم بسبب ارتفاع البحر لا ينبغي أن يعني أن الشعب يصبح فائضاً قانونياً في النظام الدولي.
والأقرب إلى منطق العدالة والاستقرار أن تتجه القواعد الدولية إلى فصل نسبي بين فقدان القابلية المادية للإقليم وبين زوال الشخصية القانونية للدولة. هذا الفصل لا ينكر أهمية الإقليم، بل يعترف بأن حالة الاختفاء المناخي استثنائية ولا تشبه الطرق التقليدية لانقضاء الدول. كما أن الاعتراف بالاستمرارية يمنع سلسلة من المشكلات: انعدام الجنسية الجماعي، والنزاع على الموارد، وضياع الأصول العامة، وانهيار التمثيل الدبلوماسي، وفقدان الحقوق السياسية والثقافية.
إن «المواطنة بلا أرض» ليست وصفاً لمستقبل خيالي، بل صياغة لمسألة قانونية تتقدم نحو النظام الدولي كلما ارتفع البحر وتراجعت قابلية بعض الجزر للسكن. والتحدي الحقيقي ليس معرفة ما إذا كان القانون القديم يحتوي نصاً جاهزاً لكل تفصيل، وإنما قدرة المجتمع الدولي على تطوير القانون قبل أن يتحول الفراغ التنظيمي إلى مأساة بشرية. فالدولة التي تخسر أرضها بفعل تغير المناخ قد تفقد مكاناً مادياً، لكن شعبها لا ينبغي أن يفقد اسمه القانوني أو حقوقه أو ذاكرته أو قدرته على تقرير مصيره. وهنا يمكن للقانون الدولي أن ينتقل من حماية الحدود وحدها إلى حماية الاستمرارية الإنسانية للدولة؛ أي حماية الشعب حين تصبح الجغرافيا نفسها غير مستقرة.

قد يعجبك ايضا