د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
نعم، لكنها لم تستقر بعد. نحن أمام انتقال من نظام إقليمي قديم إلى نظام لم تتضح حدوده النهائية.
أولًا، تراجعت قدرة إيران على إدارة المنطقة من خلال شبكة متماسكة من الحلفاء، لكنها لم تُمحَ. وقد تتحول من استراتيجية التوسع الإقليمي إلى استراتيجية الدفاع عن النظام والداخل الإيراني.
ثانيًا، أثبتت إسرائيل تفوقها العسكري والاستخباراتي، لكنها كشفت أيضًا أن أمنها في حرب طويلة ما يزال مرتبطًا مباشرة بالقوة الأميركية. فهي تستطيع توجيه الضربة الأولى، لكنها تحتاج إلى واشنطن لحماية المجال الإقليمي وتأمين الممرات وتمويل حرب ممتدة.
ثالثًا، لم تعد دول الخليج قادرة على الاكتفاء بالموازنة بين إيران وأميركا. إنها تتجه إلى تقوية دفاعاتها وتحالفاتها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التفاوض مع طهران، لأنها ستكون أول من يدفع ثمن أي حرب شاملة.
رابعًا، ستسعى تركيا إلى ملء الفراغ في سوريا والعراق والقوقاز، مستفيدة من ضعف إيران وانشغال روسيا. لكنها ستصطدم بقلق عربي وإسرائيلي وكوردي من تحول التمدد التركي إلى هيمنة إقليمية بديلة.
خامسًا، ستعود القضية الكوردية إلى قلب الحسابات الجيوسياسية، لأن أي ضعف مركزي في إيران وسوريا والعراق وتركيا يفتح ملف إعادة توزيع السلطة والحدود والنفوذ. إلا أن ذلك لا يعني أن قيام دولة كوردستان أصبح تلقائيًا؛ فالفرصة التاريخية لا تتحول إلى مكسب من دون مشروع كوردي موحد، وعلاقات دولية واضحة، وقدرة على تجنب التحول إلى مجرد أداة في صراع الآخرين.
وبالتالي، لن تنتهي الحرب الأمريكية الإيرانية، بانتصار كامل لأي طرف. تستطيع أميركا وإسرائيل إضعاف إيران، لكنهما لا تستطيعان إلغاء موقعها الجغرافي وثقلها البشري. وتستطيع إيران الصمود وإلحاق الأذى بخصومها، لكنها لا تستطيع استعادة نفوذها الإقليمي السابق بسهولة.
ما يتشكل ليس «شرق أوسط جديدًا» مكتملًا، بل شرق أوسط بلا مركز ثابت: إيران أضعف، إسرائيل أقوى عسكريًا لكنها أكثر ارتهانًا لأميركا، الخليج أكثر تسلحًا وحذرًا، تركيا أكثر اندفاعًا، وروسيا والصين أكثر حضورًا من خلف الستار.
وقد يوقف ترامب القتال، لكنه لن يستطيع إنهاء أسبابه. فالهدنة المقبلة، إن تحققت، لن تكون سلامًا؛ بل استراحة لإعادة ترتيب القوى قبل جولة سياسية أو عسكرية أخرى.