في عيد ميلاد نيجيرفان بارزاني..حين يصبح السلام سيرة حياة!!

في أعياد ميلاد السياسيين، غالباً ما تتحول الكلمات إلى مجاملات، وتصبح السيرة الشخصية مناسبة لاستعراض عبارات المديح. لكن بعض التجارب السياسية تستحق أن تُقرأ بعيداً عن المجاملة، لأن قيمتها لا تكمن في صاحبها فقط، بل في الأفكار التي حاول أن يجعلها جزءاً من الحياة العامة!

في الحادي والعشرين من أيلول، وُلد نێچیرڤان بارزاني في بارزان عام 1966. ومنذ سنوات مبكرة من تجربته السياسية، وجد نفسه داخل واحدة من أكثر البيئات تعقيداً في الشرق الأوسط؛ بيئة تختلط فيها القضية القومية بالصراع السياسي، وتتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، وتبقى فيها الذاكرة حاضرة بقوة في صناعة القرار.

لكن ما يلفت في مسيرته ليس فقط المناصب التي شغلها، من رئاسة الحكومة في أكثر من دورة إلى رئاسة إقليم كوردستان، وإنما الطريقة التي حاول بها التعامل مع السياسة نفسها: هل تكون السياسة امتداداً للصراع، أم وسيلة للخروج منه؟!

هذه هي النقطة التي تستحق التأمل. السلام بالنسبة إلى نێچیرڤان بارزاني لم يظهر في خطابه باعتباره مجرد غياب للحرب. ففي أكثر من مناسبة ربط السلام بالأمن، والاستقرار، والحقوق، والتعايش، والحوار، والاعتراف المتبادل. وفي خطابه عند توليه رئاسة الإقليم، شدد على أن معالجة الخلافات بين أربيل وبغداد ينبغي أن تتم بالحوار وفي إطار الدستور، وأن التنوع القومي والديني يجب أن يكون جزءاً من بناء المجتمع لا سبباً للصراع داخله.

وهنا تكمن أهمية التجربة. فالسياسي الذي يعمل في منطقة مثل كوردستان والعراق لا يستطيع أن يتعامل مع السلام بوصفه شعاراً رومانسياً. السلام هنا يحتاج إلى مؤسسات، وإلى قوانين، وإلى قدرة على إدارة الاختلاف، وإلى الاعتراف بأن المجتمع ليس كتلة واحدة، وأن تعدد القوميات والأديان والمذاهب ليس عيباً ينبغي إخفاؤه، بل حقيقة اجتماعية ينبغي تنظيمها سياسياً.

وقد ركزت رئاسة الإقليم في عرضها الرسمي لسيرته على رؤيته لمجتمع مسالم ومتقدم ومتسامح، وعلى التعددية السياسية والتعايش بين المكونات، كما أشارت إلى تشريعات وإجراءات ارتبطت بحقوق المرأة وحرية الصحافة ومناهضة العنف الأسري وحماية التنوع الديني والقومي!

لكن قيمة أي تجربة سياسية لا تُقاس بما تقوله عن نفسها فقط، بل بما تتركه من أسئلة أمام المستقبل. وهنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة: السلام ليس إنجازاً يُعلن اكتماله، والتعايش ليس حفلاً سنوياً، والديمقراطية ليست مؤسسة تُفتح أبوابها ثم تنتهي المهمة. كلها مشاريع تحتاج إلى مراجعة مستمرة، وإلى شجاعة سياسية للاعتراف بالأخطاء، وإلى قدرة على الاستماع إلى المختلف قبل محاولة إقناعه.

ولعل هذا هو أحد أكثر الدروس أهمية في تجربة نيجيرفان بارزاني: أن الاختلاف السياسي لا.

قد يعجبك ايضا