كاروش طه.. من زاخو إلى فضاء الرواية الألمانية

نبيل عبد الأمير الربيعي

من زاخو إلى ألمانيا، ومن لغة البيت الكوردية إلى لغة الكتابة الألمانية، قطعت الكاتبة الكوردية الألمانية كاروش طه مسارًا أدبيًا تشكل بين ثقافتين ولغتين وتجربتين إنسانيتين. وفي روايتها الجديدة (غوليستان) (Gulîstan ) تعود إلى العراق، وتحديداً إلى إحدى أكثر مراحل تاريخه قسوة، لتكتب عن الخوف والاختفاء والسلطة، ولكن من خلال الإنسان لا من خلال الشعارات.
وقد أُدرجت (غوليستان) ضمن القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الألمانية لعام 2026، التي ضمت عشرين رواية اختيرت من بين 205 عناوين. ولم تنتقل الرواية إلى القائمة القصيرة التي أُعلنت في 8 سبتمبر 2026، إلا أن وصولها إلى القائمة الطويلة يمثل حضورًا مهمًا لتجربة أدبية ذات جذور كوردية داخل المشهد الروائي الألماني.

ولدت كاروش طه عام 1987 في زاخو، ووصلت إلى ألمانيا مع عائلتها وهي في التاسعة من عمرها. ومنذ طفولتها وجدت نفسها بين لغتين وثقافتين؛ الكوردية لغة البيت والجذور، والألمانية لغة المجتمع الجديد التي ستصبح لاحقًا لغة الكتابة والتعبير الأدبي.
ولم يكن هذا الانتقال مجرد تبدل في اللغة، بل تحول إلى جزء من تكوينها الإبداعي. فالكاتب الذي يعيش بين لغتين لا يعيش بالضرورة بين لغتين فقط، وإنما بين ذاكرتين وفضاءين ثقافيين وتجربتين مختلفتين في النظر إلى الذات والعالم.
في عام 2018 صدر كتابها الروائي الأول (Beschreibung einer Krabbenwanderung»)، وحصلت في العام نفسه على جائزة تشجيعية من ولاية شمال الراين وستفاليا. وفي عام 2019 نالت جائزة هوهنمس الأدبية، المخصصة للكتاب من أصول غير ألمانية الذين يكتبون باللغة الألمانية، تقديرًا لتجربتها الأدبية وقدرتها على الكتابة من موقع ثقافي يتجاوز القوالب الجاهزة.
وكان حضور اللغة الكوردية في حياتها منذ الطفولة جزءًا أساسيًا من تجربتها؛ فقد حافظت والدتها على اللغة الأم داخل البيت إلى جانب اللغة الألمانية. وهكذا أصبحت اللغة عند كاروش طه أكثر من أداة للكتابة، إذ تحولت إلى مساحة يتقاطع فيها الانتماء والهوية والهجرة والذاكرة.
في روايتها الجديدة تعود كاروش طه إلى العراق، حيث تدور الأحداث حول غوليستان وزوجها جيا Çiya))، وهما زوجان كورديان يعيشان في ظل نظام صدام حسين. يختفي جيا في ظروف غامضة، ثم تعثر عليه زوجته في مشهد غرائبي وقاسٍ؛ إذ يظهر مرتدياً زي صدام حسين، مستفيداً من الشبه بينهما، ليستخدم بوصفه شبيهًا بالدكتاتور أو بديلاً عنه في بعض المناسبات. ومن هذه المفارقة الغريبة تبني الكاتبة عالمها الروائي، حيث تتقاطع السلطة مع الخوف والهوية والجسد. فالدكتاتورية لا تكتفي بالسيطرة على إرادة الإنسان، بل تستطيع أن تصل إلى جسده نفسه، وتحوله إلى أداة تؤدي وظيفة رسمتها السلطة.
لكن قوة الرواية لا تكمن في غرابة الفكرة وحدها، وإنما في ما تكشفه هذه الفكرة عن طبيعة الحياة تحت الاستبداد. فغوليستان، وهي تبحث عن زوجها، تدخل عالماً تنقلب فيه الحقائق، ويصبح الاختفاء مصدرًا دائمًا للقلق، ويتحول حضور السلطة من شأن عام إلى قوة تتسلل إلى البيت والعلاقات والحياة الخاصة.
لا تتعامل (غوليستان) مع التجربة الكوردية بوصفها خطاباً سياسياً مباشراً، وإنما تحولها إلى تجربة إنسانية يستطيع القارئ التفاعل معها، حتى لو كان بعيدًا عن المكان والتاريخ. فالتاريخ يخبرنا عن الأنظمة والحروب والقوانين، أما الرواية فتمنح تلك الوقائع وجوهًا وأصواتاً ومصائر. تجعلنا نرى الخوف من داخل البيت، ونشعر بوطأة الغياب على الأسرة، ونتابع كيف يستطيع الاستبداد أن يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان والآخر وبذاته.
وهنا يصبح السرد وسيلة لكشف ما تحاول السلطة إخفاءه، ليس من خلال إعادة كتابة الوقائع التاريخية بصورة وثائقية، وإنما عبر مصائر الأشخاص الذين عاشوا تلك الوقائع ودفعوا أثمانها. ولعل أهمية الرواية تكمن أيضًا في قدرتها على نقل التجربة من مستوى الحدث السياسي إلى المستوى الإنساني؛ فالخوف لا يبقى مفهومًا مجرداً، والاختفاء لا يعود خبراً عابراً، والدكتاتورية لا تظهر فقط في مؤسسات الدولة، وإنما في أثرها على تفاصيل الحياة اليومية.
حين تكتب كاروش طه بالألمانية عن كردستان والعراق، فإنها لا تنقل جغرافيا بعيدة إلى قارئ أوروبي فحسب، بل تفتح حوارًا بين تجربتين وثقافتين ولغتين.
وهنا تكتسب اللغة الألمانية دلالة خاصة؛ فهي لم تعد لغة المنفى أو الاندماج وحدهما، بل أصبحت لغة تستطيع من خلالها الكاتبة أن تستعيد عالمًا نشأت جذوره في زاخو، وأن تقدمه إلى قراء ينتمون إلى فضاء ثقافي مختلف.
لقد انتقلت كاروش طه من زاخو إلى ألمانيا، ومن تجربة الهجرة إلى عالم الأدب، ومن لغة البيت إلى لغة الكتابة، لكنها لم تتخل عن جذورها. بل حولت هذا التعدد إلى طاقة إبداعية وجسر يصل بين عالمين. ومن هذه الزاوية، تصبح «غوليستان» أكثر من رواية عن مرحلة سياسية عراقية؛ إنها محاولة لإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية، بعدما حاولت السلطة أن تجعل الفرد مجرد تابع داخل روايتها الرسمية.
لعل أهم ما يستطيع الأدب أن يفعله أمام التاريخ القاسي هو أن يمنع الإنسان من التحول إلى رقم. فالضحايا ليسوا إحصاءات، والمختفون ليسوا مجرد أسماء في السجلات، والعائلات التي عاشت الخوف ليست هامشًا في كتب التاريخ. وراء كل اسم حياة كاملة: بيت، وذكريات، وأحلام، وعلاقات، ومستقبل كان يمكن أن يكون مختلفًا.
من هنا تبدو (غوليستان) محاولة لاستعادة الإنسان الذي يقف خلف الحدث التاريخي، وتحويل التجربة الكوردية من مجرد واقعة سياسية إلى حكاية بشرية قابلة لأن تُقرأ وتُفهم خارج حدودها الجغرافية.
إن قيمة تجربة كاروش طه لا تكمن فقط في وصول روايتها إلى القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الألمانية، وإنما في قدرتها على تحويل تعددها الثقافي واللغوي إلى مشروع أدبي. فهي تكتب بالألمانية، لكنها تحمل معها زاخو وكردستان والعائلة والطفولة وأسئلة الانتماء، وتضعها في حوار مع قارئ يعيش في عالم آخر.
هنا تكمن قوة الأدب: أن يعبر الحدود التي تعجز السياسة والتاريخ والجغرافيا أحيانًا عن عبورها. فالسلطة قد تفرض روايتها الرسمية، وقد تحاول محو آثار الماضي، لكن الأدب يستطيع أن يعيد للذين غُيّبت أصواتهم فرصة جديدة للكلام؛ لا بوصفهم أرقامًا في سجل التاريخ، بل بشراً كانت لهم أسماء وبيوت وأحلام وحيوات. وربما لهذا تبقى الرواية، في جوهرها، واحدة من أعمق وسائل مقاومة النسيان؛ لأنها لا تحفظ ما حدث فحسب، بل تحفظ الإنسان الذي حدث له ذلك.

قد يعجبك ايضا