العرب وبلاغة العجز !

محمد علي الحيدري
واشنطن

لم يعد السؤال: كم بيان إدانة أصدر العرب؟ بل: ماذا تغيّر بعد صدوره؟ كم عدواناً توقّف؟ كم حقاً استُعيد؟ وكم خصماً أعاد حساباته لأن عاصمة عربية أعلنت رفضها واستنكارها؟

الحقيقة القاسية أن بيانات الإدانة لم تمنع حرباً، ولم تحمِ شعباً، ولم تردع معتدياً. وفي معظم الأحيان، لم تكن أكثر من وسيلة لإعلان الحضور في لحظة الغياب، ومحاولة لغوية للتغطية على عجز سياسي لا تريد الحكومات الاعتراف به صراحة. فالبيان يمنح صاحبه شعوراً بأنه اتخذ موقفاً، لكنه لا يُلزم المعتدي بشيء، ولا يغيّر ميزاناً، ولا يصنع واقعاً جديداً.

ليست المشكلة في الإدانة نفسها؛ فالدول تحتاج إلى توثيق مواقفها السياسية والأخلاقية. المشكلة تبدأ حين تتحول الإدانة من مقدمة للفعل إلى بديل عنه، وحين تصبح شدة العبارات تعويضاً عن ضعف الأدوات. وكلما ضاقت مساحة القرار، اتسعت قاموسياً عبارات “الرفض القاطع” و”القلق البالغ” و”التحذير من التداعيات الخطيرة”، ثم ينتهي الأمر من دون خطوة واحدة تترجم الكلام إلى ضغط سياسي أو اقتصادي أو قانوني.

لقد اعتادت القوى الدولية على هذا النمط العربي، وأصبحت تعرف أن الغضب الرسمي له عمر قصير، وأن الاجتماعات الطارئة تنتهي غالباً إلى بيانات لا تترتب عليها كلفة. ولهذا لم تعد الإدانة العربية عاملاً مؤثراً في حسابات الخصوم؛ لأن الردع لا يصنعه ارتفاع النبرة، بل احتمال تحوّل الموقف إلى إجراء حقيقي يمس المصالح.

أما لماذا عجز العرب عن مواجهة التحديات، فالإجابة لا تكمن في نقص الموارد. العالم العربي يمتلك الموقع والثروة والأسواق والممرات البحرية والطاقة والعمق البشري والثقل الثقافي. لكنه لم ينجح في تحويل هذه العناصر المتفرقة إلى قوة سياسية منظّمة. فامتلاك الموارد شيء، والقدرة على توظيفها ضمن مشروع مشترك شيء آخر تماماً.

العجز العربي، في جوهره، هو عجز في بناء القرار. فالدول العربية لا تنظر دائماً إلى التهديدات من زاوية واحدة؛ ما تعدّه دولة خطراً وجودياً قد تراه أخرى ورقة تفاوض، وقد تنظر إليه ثالثة باعتباره شأناً بعيداً عنها. ومع تعدد التحالفات الخارجية وتناقض المصالح الداخلية، أصبح الاتفاق على تشخيص الخطر أصعب من الاتفاق على إدانته. فاللغة الفضفاضة تجمع الجميع، أما القرار المحدد فيكشف الخلافات.

يضاف إلى ذلك أن الأمن العربي لم يُبنَ بوصفه منظومة متكاملة، بل بقي مجموعة ترتيبات منفصلة تعتمد، بدرجات متفاوتة، على قوى خارجية. والدولة التي تربط أمنها وتحالفاتها وسلاحها ودعمها السياسي بالخارج لا تستطيع دائماً أن تتخذ موقفاً مستقلاً عندما تتعارض مصالحها القومية مع مصالح حليفها الدولي. وهنا يصبح القرار العربي محكوماً بسؤال: ماذا يسمح به الحليف؟ لا بسؤال: ماذا تقتضي المصلحة العربية؟

كما دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لضعف الدولة الوطنية في عدد من بلدانها. فحين تنشغل الدول بصراعاتها الداخلية، وتتوزع القوة بين السلطة والجماعات المسلحة، وتضعف المؤسسات لحساب الولاءات الضيقة، لا يبقى مجال لبناء سياسة خارجية متماسكة. من لا يمتلك قراره داخل حدوده يصعب أن يكون صاحب قرار مؤثر خارجها.

ولا يمكن إعفاء النخب العربية من المسؤولية. فقد استُهلكت طاقات كبيرة في صناعة الخطب والشعارات وتبادل الاتهامات، بينما بقيت مراكز البحث وصنع السياسات محدودة التأثير. كثير من القرارات اتُّخذ انفعالاً، وكثير من الأزمات أُدير بمنطق رد الفعل، من دون رؤية بعيدة المدى تحدد المصالح والأولويات والوسائل الممكنة. وفي غياب التخطيط، تصبح المفاجأة قدراً دائماً، ويأتي التحرك متأخراً بعد أن يكون الآخرون قد صنعوا الوقائع.

المواجهة المطلوبة لا تعني الدعوة إلى الحروب ولا المغامرات العسكرية. فالقوة السياسية الحديثة لا تُقاس بعدد الصواريخ وحدها، بل بقدرة الدولة على استخدام الاقتصاد والدبلوماسية والقانون والإعلام والتكنولوجيا والتحالفات بكفاءة. أوروبا لا تدافع عن مصالحها بالبيانات فقط، والقوى الكبرى لا تفصل تجارتها عن سياستها، ولا استثماراتها عن نفوذها. أما العرب، فكثيراً ما يتعاملون مع مواردهم الهائلة باعتبارها ثروة مالية، لا أدوات استراتيجية.

ما يحتاجه العرب ليس بياناً أشد لهجة، بل قراراً أكثر جدية. يحتاجون إلى تحديد حد أدنى من المصالح المشتركة التي لا تخضع للمساومة، وإلى آليات واضحة تجعل انتهاكها مكلفاً. وليس ضرورياً انتظار إجماع شامل قد لا يأتي؛ يمكن للدول المتفقة على قضية محددة أن تبني تحالفات عملية، بخطط معلنة، وأهداف قابلة للقياس، وتوزيع دقيق للأدوار.

لقد جنينا من بيانات الإدانة أرشيفاً ضخماً من المواقف الصحيحة أخلاقياً والعاجزة سياسياً. ووصلنا إلى لحظة لم يعد فيها تكرار الكلمات يحفظ الهيبة، بل قد يكرّس صورة الضعف. فالهيبة لا تُعلن في بيان، والسيادة لا تُصان بالبلاغة، والحقوق لا يحميها حسن التعبير وحده.

العرب ليسوا عاجزين بطبيعتهم، ولا محكومين بالبقاء على هامش التاريخ. لكن امتلاك القدرة لا يعني استخدامها، والثروة لا تصبح قوة إلا حين تقودها إرادة، والإرادة لا تصبح سياسة إلا حين تسندها مؤسسات وخيارات محسوبة. وما لم ينتقل الموقف العربي من الاحتجاج على الوقائع إلى المشاركة في صنعها، سيظل الآخرون يتقدمون بالفعل، ونظل نحن نلحق بهم ببيان إدانة جديد.

قد يعجبك ايضا