العراق بين زمنين.. من يملأ الفراغ بعد أمريكا؟

مهند محمود شوقي

في 30 أيلول 2026 يُفترض أن تكون آخر القوات الأمريكية قد غادرت العراق. التاريخ يحمل شيئاً من المفارقة. ففي كانون الأول 2011 انسحبت القوات الأمريكية أيضاً، وانتهى وجود عسكري بدأ مع غزو 2003، لكن نهاية الحرب لم تكن نهاية أزماتها. وبعد أقل من ثلاث سنوات، سقطت الموصل بيد تنظيم داعش، ووجد العراق نفسه أمام حرب جديدة.
لهذا فإن السؤال الأهم هذه المرة ليس: لماذا تغادر أمريكا؟ بل: ماذا سيحدث بعد رحيلها؟ ومن يملأ المساحة التي ستتركها؟
العراق لم يكن يوماً بعيداً عن الحروب. منذ تأسيس دولته الحديثة، مرّ بحروب خارجية وانقلابات وصراعات داخلية تركت آثارها في بنية الدولة والمجتمع. دخلته القوات البريطانية عام 1914 ووصلت إلى بغداد عام 1917، ثم شهد الحرب العراقية–البريطانية عام 1941، والحرب العراقية–الإيرانية بين 1980 و1988، وغزو الكويت وحرب الخليج، والحصار، وصولاً إلى الغزو الأمريكي عام 2003.
لكن تاريخ العراق لا يمكن قراءته من خلال حروبه الخارجية وحدها. فقد تعرض الكورد لحملات عسكرية وتهجير وعمليات الأنفال واستخدام السلاح الكيميائي، وصولاً إلى حلبجة عام 1988، بينما شهد جنوب العراق قمعاً واسعاً بعد انتفاضة آذار 1991، شمل القتل والاعتقالات والتهجير وتجفيف الأهوار. تلك الذاكرة لم تختفِ مع تغير الأنظمة، كما أن الملفات التي أنتجتها الصراعات لم تجد دائماً تسويات سياسية نهائية.
ربما هنا تكمن واحدة من مشكلات العراق المزمنة: الحروب تنتهي عسكرياً قبل أن تنتهي سياسياً.
في 2003 سقط النظام، لكن الحرب استمرت بأشكال أخرى. انهارت مؤسسات، وظهرت المقاومة، ثم تنظيم القاعدة، وتصاعد الصراع الطائفي. وعندما انسحبت القوات الأمريكية عام 2011، لم تكن كل الخلافات السياسية والأمنية قد وجدت طريقها إلى الحل.
ثم جاءت الموصل.
في حزيران 2014 سيطر داعش على المدينة، وسرعان ما تمدد في مناطق واسعة من العراق. سيكون من السهل اختزال القصة في الانسحاب الأمريكي، لكنه اختزال لا يفسر الواقع. الحرب السورية، وانهيار أجزاء من الحدود، وبقايا تنظيم القاعدة، والانقسام السياسي، وضعف بعض المؤسسات الأمنية، كلها ساعدت في إنتاج البيئة التي استغلها التنظيم.
الدرس الأهم من 2014 لم يكن أن غياب أمريكا يصنع الإرهاب، بل أن ضعف الدولة يترك فراغاً يمكن أن تملأه قوى أخرى.
عاد الأمريكيون عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش، وبطلب من الحكومة العراقية. وخاض الجيش العراقي والبيشمركة وقوى أخرى حرباً طويلة انتهت باستعادة المدن والأراضي من التنظيم. لكن الحرب نفسها أعادت تشكيل موازين القوة داخل العراق، ورسخت أدوار فصائل مسلحة أصبحت لاحقاً جزءاً من المشهد السياسي والأمني.
اليوم تنتهي مهمة التحالف العسكري، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة مع واشنطن. فالعلاقة يمكن أن تنتقل من وجود عسكري مباشر إلى تعاون ثنائي في التدريب وتبادل المعلومات والاستخبارات. المسألة إذن ليست انتقال العراق من النفوذ الأمريكي إلى فراغ كامل، بل انتقاله إلى مرحلة سيكون فيها عليه أن يتحمل مسؤولية أكبر عن أمنه وقراراته.
وهنا يبدأ الاختبار.
العراق اليوم ليس عراق 2011. قواته الأمنية أكثر خبرة، وتجربته في مواجهة داعش صنعت قدرات لم تكن موجودة قبل عقد ونصف. لكن الدولة تواجه في المقابل ملفات لم تُحسم، ومناطق أمنية رخوة، وفصائل مسلحة، وخلافات سياسية ودستورية، إلى جانب منطقة تعيش تصعيداً عسكرياً واسعاً يمكن أن تمتد آثاره إلى الأراضي العراقية.
الخطر الحقيقي، لذلك، ليس خروج القوات الأمريكية بحد ذاته. الخطر أن تخرج بينما تبقى الظروف التي سمحت لداعش بالتمدد مفتوحة.
صحيح أن داعش فقد المدن والأراضي التي سيطر عليها، لكنه لم يختفِ. وتواصل الأمم المتحدة التحذير من قدرته على التكيف واستغلال نقاط الضعف الأمنية. وفي بلد مثل العراق، حيث تتداخل الحدود الجغرافية مع الخلافات السياسية، يمكن لثغرة صغيرة أن تصبح مشكلة أكبر إذا لم توجد جهة مسؤولة عنها بوضوح.
وتظهر هذه المشكلة بصورة خاصة في المناطق الواقعة بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة.
هذه ليست مجرد مناطق متنازع عليها على الخريطة. إنها مناطق تحتاج إلى ترتيبات أمنية واضحة وتنسيق مستمر وتبادل للمعلومات. وكلما بقيت المسؤولية الأمنية موزعة أو غامضة، بقيت هناك مساحة يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة.
من هنا تصبح العلاقة بين بغداد وأربيل جزءاً من معادلة الأمن العراقي، وليس ملفاً سياسياً منفصلاً عنها.
المادة 140 مثال واضح على ذلك. فالدستور وضع مساراً لمعالجة قضية كركوك والمناطق المتنازع عليها عبر التطبيع والإحصاء والاستفتاء، لكن هذا المسار لم يكتمل. وتأجيل الملفات السياسية لا يجعلها تختفي؛ أحياناً يجعل كلفتها الأمنية أكبر.
الأمر نفسه ينطبق على السلاح.
الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الدولة يتطلب أن يصبح قرار استخدام القوة واضحاً ومحصوراً بالمؤسسات الدستورية. وهذا لا يلغي الدور الذي لعبته القوى المسلحة في الحرب على داعش، لكنه يضع ذلك الدور في سياقه التاريخي. فالدولة التي تنتصر على الإرهاب تحتاج بعد ذلك إلى بناء نظام لا يسمح بتعدد مراكز قرار الحرب والسلم.
وتزداد حساسية المسألة مع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران. العراق لا يستطيع حماية سيادته إذا تحولت أراضيه إلى ساحة لتبادل الضربات، ولا يستطيع بناء استقرار داخلي إذا ارتبط قرار بعض القوى المسلحة بصراعات تتجاوز حدوده.
العراق دفع ثمناً باهظاً عندما تحولت أراضيه إلى ساحة للصراعات الدولية والإقليمية. وقد أنهى مجلس الأمن عام 2022 ملف التعويضات المرتبط بغزو الكويت بعد وفاء بغداد بالتزاماتها، لكن تجربة العقود الماضية تذكّر بأن الأزمات الداخلية يمكن أن تتحول، إذا تراكمت، إلى ضغوط خارجية.
لهذا فإن 30 أيلول ليس مجرد تاريخ عسكري.
إنه لحظة سياسية أيضاً.
في 2011 خرج الأمريكيون، وبعد سنوات استغل داعش ثغرات سياسية وأمنية واسعة.
في 2026 تخرج القوات الأمريكية مرة أخرى، لكن العراق يعرف الآن أين كانت تلك الثغرات.
المسألة ليست أن يجد العراق قوة أجنبية أخرى تملأ المكان. وليست أن يستبدل نفوذاً بنفوذ. التحدي الحقيقي هو أن تصبح الدولة نفسها قادرة على ملء المساحة التي يتركها أي طرف خارجي.
وهذا يعني أكثر من امتلاك جيش قوي. يعني تسوية الملفات الدستورية، وبناء علاقة مستقرة بين بغداد وأربيل، وإغلاق المناطق الأمنية الرخوة، وحصر قرار السلاح والحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية، ومنع العراق من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في 2011 كان السؤال ماذا سيحدث بعد أمريكا.
في 2026 ينبغي أن يكون السؤال مختلفاً: ماذا سيفعل العراق بنفسه بعد أمريكا؟
فإذا استطاعت الدولة أن تغلق الأبواب التي دخل منها داعش، وأن تحول خلافاتها السياسية إلى تسويات بدلاً من أزمات، فإن الانسحاب الأمريكي لن يكون بداية فراغ جديد.

قد يعجبك ايضا