ساجد الحلفي
عندما نتصفح كتب التاريخ، نجد أنفسنا أمام حقيقة لافتة: كلما ازدهر التعليم، ازدهرت معه حقوق الإنسان؛ وكلما تراجع، تراجعت معه الكرامة. ليست هذه مصادفة، بل هي علاقة عضوية عميقة، حيث يشكل التعليم الطريق الأقصر نحو مجتمع يعرف أفراده حقوقهم ويدافعون عنها. وكما يصفه الخبراء، فإن التعليم يتسم بأهمية ذاتية وكثيراً ما يوصف بـ”الحق المضاعف”، لأن درجة الوصول إليه تؤثر بشكل مباشر على مستوى التمتع بجميع حقوق الإنسان الأخرى .
في عام 1948، وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معياراً مشتركاً لجميع الشعوب، ونصت المادة 26 منه على أن لكل شخص حقاً في التعليم، وأن التعليم يجب أن يستهدف التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. لم تكن هذه المادة مجرد نص قانوني، بل كانت إعلاناً بأن التعليم ليس ترفاً ولا سلعة، بل هو حق أساسي وشرط لا غنى عنه لإعمال الحقوق الأخرى. فبدون الحق في التعليم، لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقوقه، ولا أن يميز حالات انتهاكاتها، ولا أن يدافع عنها .
لكن العلاقة بين التعليم وحقوق الإنسان ليست علاقة اتجاه واحد. إنها علاقة تبادلية تزدهر حين يلتقيان. فالتعليم الجيد الذي يراعي الحقوق هو الذي يسخر التعليم لتحقيق التنمية المستدامة، ويعالج قضايا جوهرية مثل الرعاية الصحية، ومشاركة المجتمعات المحلية، والبيئة، والقيم الإنسانية. وهذا المفهوم للتعليم الجيد يتجاوز بكثير حدود القراءة والكتابة والحساب، ليشمل بناء مواطنة قائمة على أسس ديمقراطية وقيم التضامن والعدالة. إنه التعليم الذي لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يبني وعياً نقدياً قادراً على رؤية العالم بوضوح والاهتمام بالرفاهية الاجتماعية .
عندما ننظر إلى الإنجازات التي تحققت، نجد أنفسنا أمام قصة نجاح حقيقية. ففي عام 1960، كان 42% فقط من سكان العالم قادرين على القراءة والكتابة، وبحلول عام 2015 ارتفعت هذه النسبة إلى 86%. وتراجع عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس عالمياً من 100 مليون عام 2000 إلى حوالي 57 مليون عام 2015. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعني ملايين الأفراد الذين أصبحوا قادرين على معرفة حقوقهم والمطالبة بها. لكنها في الوقت نفسه تخفي حقيقة مؤلمة: أن التقدم كان غير متساوٍ، وأن الحق في التعليم لا يزال محروماً من الفئات المهمشة، كالأطفال ذوي الإعاقة، وأطفال الشعوب الأصلية، والفتيات المنتميات لهذه الفئات .
وفي عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يتسع نطاق الحق في التعليم ليشمل مهارات جديدة. لم تعد القراءة والكتابة كافية، بل أصبحت القدرة على استخدام الأرقام والصور والحواسيب جزءاً من مفهوم “الإلمام” الحديث. وهذا التوسع يفرض على الدول التزامات جديدة: ليس فقط توفير التعليم، بل ضمان جودته وملاءمته لهذا العصر. وقد أكد المحفل الاجتماعي لعام 2025 أن التعليم، المتجذر في حقوق الإنسان، ليس استثماراً في الأفراد فحسب، بل هو استثمار في الإنسانية نفسها، وأن جعله وسيلة وغاية لحقوق الإنسان هو الطريق لبناء عالم أكثر عدلاً وحرية واستدامة .
لكن التحديات لا تزال قائمة. فالمناهج الدراسية والمواد التعليمية وممارسات التقييم كثيراً ما تعيد إنتاج الإرث الاستعماري والعنصرية والتحيز الجنسانيوالقوالب النمطية الضارة. ولا يمكن الحديث عن تعليم يحترم حقوق الإنسان دون تعليم متحرر من هذا الإرث، ملائم ثقافياً، متعدد اللغات، يثمن معارف الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية ويعزز شعور المتعلمين بالهوية والانتماء. كما أن الحرية الأكاديمية للعاملين والطلاب تبقى شرطاً لا غنى عنه للتمتع بالحق في التعليم .
وهنا يبرز السؤال الأعمق: كيف نضمن أن ينسجم تطور التعليم مع حقوق الإنسان؟ الإجابة تبدأ بالاعتراف بأن التعليم ليس مجرد أداة للتنمية الاقتصادية، بل هو حق تمكيني يسهم في إعمال الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. إنه التعليم الذي يمارس حقوق الإنسان في نظمه التعليمية، ويثقف في مجال حقوق الإنسان، ويجعل من الطلاب والمعلمين والمجتمعات فاعلين في بناء مجتمع أكثر عدلاً. وحين يتحقق ذلك، يصبح التعليم قادراً على الحد من الفقر، وتعزيز النمو الاقتصادي، والنهوض بالمساواة بين الجنسين، وتوطيد التماسك الاجتماعي .
في نهاية المطاف، التعليم وحقوق الإنسان ليسا مشروعين منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة: أن كل إنسان يستحق أن يعيش كريماً، وأن يعرف حقوقه، وأن يملك الأدوات ليدافع عنها. وحين ينسجم تطور التعليم مع حقوق الإنسان، لا نكون قد بنينا نظاماً تعليمياً أفضل فحسب، بل نكون قد بنينا مجتمعاً يعرف قيمة الكرامة، ويدرك أن الحرية تبدأ بمعرفة الحقوق، وأن العدالة تبدأ من الفصل الدراسي .