الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
منذ انتخابات برلمان كوردستان في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مرّ قرابة العامين والإقليم ينشد الحسم السياسي للوصول إلى حكومته الجديدة وتفعيل برلمانه المعطّل.
ومن هذا الواقع تحديداً ينبغي أن ينطلق أي حديث جاد عن مستقبل كوردستان، فالإقليم أحوج ما يكون اليوم إلى تمتين جبهته الداخلية وترسيخ مؤسساته الدستورية، إذ لم تكن قوة المؤسسات يوماً خياراً ثانوياً، بل هي الدرع الأول لحماية هذا الكيان الدستوري وصيانة مكتسباته.
ورغم مرحلة الانسداد الشديدة التي مرت بها القوى السياسية، تأتي المستجدات الأخيرة والأنباء المؤكدة حول التقارب الملموس والتوافقات الإيجابية بين الحزبين الرئيسيين لتطوي مرحلة الترقب والانتظار. إنها خطوة مشجعة تفتح باباً واسعاً كان مغلقاً أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والعمل الوطني المشترك الذي يبتغيه الجميع.
هذا التقارب يعيد إلى الأذهان قيمة القيادة الحكيمة وقدرتها على إدارة الأزمات المعقدة والعبور بالإقليم من فوق صفيح المنطقة الساخن.
فلم يكن الإقليم ليعبر هذه المرحلة الصعبة لولا الرؤية الاستراتيجية للرئيس مسعود بارزاني، والحكمة التي تتجلى في قيادة كل من السيد نيجيرفان بارزاني رئيس الإقليم، والسيد مسرور بارزاني رئيس الحكومة.
لقد نجحت هذه القيادة في إبقاء كوردستان بعيدة عن شرار التوترات الإقليمية والحرب المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران، معتمدة على الدبلوماسية الهادئة والعقلانية التي حافظت على أمن المواطن واستقرار الإقليم الداخلي في أعتى الظروف.
إن هذه الحكمة السياسية تجسد نهجاً حقيقياً يرى في المسؤولية الوطنية واجباً لبناء مؤسسات حديثة قائمة على سيادة القانون واحترام التكافؤ والحرية، بعيداً عن الطائفية أو الاستئثار.
ومع هذا الانفراج السياسي، يتجدد الأمل في الانتقال إلى بغداد بصف موحد لحسم الملفات العالقة: من المادة 140 والمناطق المتنازع عليها، إلى حسم الملف المالي والرواتب، وصولاً إلى ملف النفط وتثبيت الحقوق الدستورية.
فحين تنطق أربيل بصوت حكومي واحد وقوي، تصبح قدرتها على التفاوض وانتزاع المستحقات أعلى وأشمل.
ولا يمكن فصل هذا الاستقرار المؤسسي المرتقب عن الواقع التنموي الملموس، فبيانات وزارة التخطيط الاتحادية التي تشير إلى ارتفاع معدلات الفقر في محافظات عدة لتتجاوز 43%، بينما تبقى في أربيل والسليمانية و دهوك و حلبجة دون 9%، تعكس حجماً لافتاً من العمل والبناء.
ورغم شح الموارد والتحديات الاقتصادية الخانقة، لم تتوقف بوصلة الإقليم عن تطوير الطرق والمياه والصحة والتعليم، بل واصل حضوراً إيجابياً في دعم مسارات السلام الإقليمية وتوسيع علاقاته الدولية، لتظل أربيل نقطة تواصل واستقرار تحظى باحترام البعثات والقنصليات العالمية.
لقد برهنت التجارب السابقة أن كل البدائل المطروحة كان أحلاها مرّاً، سواء بالحديث عن حل البرلمان والدخول في انتخابات مبكرة بتكاليفها الباهظة وتعقيداتها، أو باللجوء إلى بغداد والقبول بانتقاص الخصوصية الدستورية، أو حتى بالارتداد نحو مربع “الإدارتين” والتقسيم الحزبي. واليوم، يثبت هذا التقارب أن الخيار الأصيل المتمثل باستكمال التشكيلة الوزارية للكابينة العاشرة وإعادة تفعيل البرلمان على قاعدة الشراكة والتوازن، هو المسار الدستوري الوحيد الذي يحمي كيان الإقليم ويصون تطلعات أبنائه.
إن الدرس الأبرز من تجارب الشعوب يؤكد أن الحوار والتوافق هما السبيل الوحيد للحفاظ على هيبة الكيان وقدرته على الفعل.
واليوم، مع ظهور تباشير هذا التقارب بفضل الوعي الوطني وحكمة القيادة، يثبت الإقليم مجدداً قدرته على ترتيب بيته الداخلي.
فقد حان الوقت فعلاً لتفعيل البرلمان والإسراع بتشكيل الكابينة الحكومية العاشرة لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل زاهر يستحقه شعب كوردستان.