البيئة حق إنسان.. عندما تصبح الطبيعة شريكاً في الكرامة

د . حامد المالكي

في زحام المدن المتعطشة للنمو، وفي خضم السباق المحموم نحو الإنتاج والاستهلاك، يغفل الكثيرون عن حقيقة جوهرية مفادها أن البيئة ليست مجرد خلفية لحياتنا، وليست مجرد مورد نستنزفه كما نشاء، بل هي شريان الحياة نفسه، وهي الإطار الذي تتحقق فيه كرامتنا الإنسانية، وحين نتحدث عن حقوق الإنسان، فإننا غالباً ما نركز على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، لكننا ننسى أن كل هذه الحقوق تظل معلقة في الهواء دون بيئة سليمة تعيننا على التمتع بها، فكيف يمكن للإنسان أن يتمتع بحقه في الصحة، وهو يتنفس هواء ملوثاً بالأبخرة السامة؟ وكيف يمكنه أن يمارس حقه في الحياة الكريمة، وهو يشاهد منزله يغمره الفيضان نتيجة التغير المناخي؟ وكيف يمكن للأطفال أن يمارسوا حقهم في اللعب والنمو، وهم يعيشون في أحياء تفتقر إلى المساحات الخضراء والمياه النظيفة؟ إن البيئة ليست رفاهية نستمتع بها بعد أن نؤمن احتياجاتنا الأساسية، بل هي الأساس الذي تقوم عليه كل احتياجاتنا، وهي الحاضنة التي تمنح الحياة معناها، ولذلك فإن الحق في بيئة سليمة ليس مجرد حق إضافي يضاف إلى قائمة الحقوق، بل هو حق أساسي يضمن جميع الحقوق الأخرى، وحين تنتهك البيئة، فإننا لا ننتقص من جمال الطبيعة فقط، بل ننتقص من كرامة الإنسان ذاته، ونهدر حقه في العيش بسلام وصحة وأمان .

لقد بدأ الوعي بهذه العلاقة العضوية بين البيئة وحقوق الإنسان يتشكل تدريجياً على المستوى الدولي، فبعد عقود من الإهمال، بدأت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تعترف بأن التدهور البيئي ليس مجرد مشكلة علمية أو اقتصادية، بل هو قضية حقوقية بامتياز، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يذكر البيئة صراحة، لكنه وضع الأساس الذي يمكن من خلاله استنباط هذا الحق، فالمادة الثالثة منه تنص على أن لكل إنسان الحق في الحياة والحرية والأمان، والمادة الخامسة والعشرون تنص على أن لكل إنسان الحق في مستوى معيشي كافٍ لضمان صحته ورفاهيته، وهذه النصوص وغيرها تضع البيئة السليمة كشرط أساسي لتحقيق هذه الحقوق، ومع تزايد الأدلة العلمية على تأثير التلوث والتغير المناخي على صحة الإنسان، أصبح من المستحيل تجاهل أن البيئة جزء لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية، وقد تجلى هذا الاعتراف في قرارات عديدة، كان آخرها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوليو 2022 الذي اعترف صراحة بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة كحق إنساني أساسي، وهذا القرار وإن كان غير ملزم قانونياً، إلا أنه يمثل نقلة نوعية في الوعي الدولي، ويفتح الباب أمام المزيد من التشريعات والسياسات التي تضع البيئة في صميم حقوق الإنسان، لكن التحدي الأكبر يبقى في ترجمة هذا الاعتراف الدولي إلى واقع ملموس، في سياسات حكومية، وفي ممارسات يومية، وفي وعي مجتمعي، فالقوانين وحدها لا تحمي البيئة، ولا تحمي حقوق الإنسان، بل تحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى ضغط شعبي، وإلى ثقافة تحترم الطبيعة وتعتبرها شريكاً في الحياة، لا مورداً للاستغلال .

إن العلاقة بين التدهور البيئي وانتهاك حقوق الإنسان واضحة في كل مكان، فالمجتمعات الفقيرة هي الأكثر تضرراً من التلوث ومن تغير المناخ، رغم أنها الأقل مساهمة في انبعاثات الكربون، ففي أحياء المدن الفقيرة، تتركز المصانع الملوثة، وتنتشر النفايات، وتندر المساحات الخضراء، ويضطر السكان إلى شرب مياه ملوثة، واستنشاق هواء سام، والعيش في درجات حرارة مرتفعة، وهذا ليس مجرد ظلم بيئي، بل هو انتهاك صارخ لحقهم في الصحة، وفي الحياة الكريمة، وفي المستقبل الآمن، والأطفال في هذه المجتمعات هم الأكثر معاناة، لأن أجسادهم النامية أكثر حساسية للملوثات، وأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية، ولأن مستقبلهم يختصر في بيئة تئن تحت وطأة الاستغلال، وهذا يخلق حلقة مفرغة من الفقر والمرض والتهميش، الفقر يدفع الناس إلى استنزاف البيئة للبقاء، وتدهور البيئة يدفعهم إلى مزيد من الفقر، وهذه الحلقة تحتاج إلى تدخل جذري، لا يقتصر على علاج الأعراض، بل يتجه إلى معالجة الأسباب الجذرية، من خلال سياسات تنموية عادلة، ومن خلال انتقال عادل نحو اقتصاد أخضر، يخلق فرص عمل، ويحسن جودة الحياة، دون أن يترك أحداً خلف الركب، لأن العدالة البيئية ليست مفهوماً نظرياً، بل هي ضرورة عملية، تقتضي أن يتحمل الجميع مسؤولية حماية البيئة، وأن يتقاسم الجميع فوائدها، وأن لا يُترك الفقراء وحدهم يواجهون تداعيات التلوث والاحتباس الحراري، بينما يستمر الأغنياء في استهلاكهم المفرط للموارد .

واللافت أن التحدي البيئي ليس محلياً أو إقليمياً، بل هو عالمي، يتطلب تعاوناً دولياً غير مسبوق، فانبعاثات الكربون التي تنتجها دولة غنية، تساهم في ارتفاع منسوب البحار الذي يهدد وجود دولة جزرية فقيرة، والتلوث البلاستيكي في محيطات آسيا، يؤثر على مصائد الأسماك في أفريقيا، وهذه التداخلات تجعل من المستحيل فصل الحقوق البيئية عن السيادة الوطنية، وتجعل من الضروري التفكير في حقوق الإنسان على مستوى الكوكب بأسره، وليس فقط على مستوى الدول، وهنا تبرز أهمية مفهوم “العدالة المناخية”، الذي يرى أن تغير المناخ ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو نتيجة لسياسات اقتصادية واستهلاكية غير عادلة، وأن حلها يتطلب إعادة توزيع المسؤوليات والموارد، وتعويض المجتمعات الأكثر تضرراً عن الأضرار التي لحقت بها، وهذا المفهوم يضع البيئة في قلب النقاش حول حقوق الإنسان، ويدعو إلى إعادة تعريف التنمية، بحيث لا تكون تنمية تأخذ من الطبيعة أكثر مما تعطي، ولا تنمية تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بل تنمية تحترم حدود الكوكب، وتضمن حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وحياة كريمة، وهذا يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة تفكيرنا، وفي نمط إنتاجنا واستهلاكنا، وفي علاقتنا بالطبيعة التي لم نخلقها، بل أُئتمنا عليها، وعلينا أن نردها إلى من سيأتون بعدنا، كما أردنا أن نجدها، أو أفضل، لأن البيئة ليست ملكاً لأحد، بل هي إرث مشترك، ومسؤولية جماعية .

 

قد يعجبك ايضا