الاستاذ الدكتور علاء شيال
في زاوية من العالم، تقف امرأة أمام باب محكمة لا تعرف كيف تصل إليها، وتحمل ورقة تقول إنها فقيرة، وعليها أن تدفع ثمنها لتثبت فقرها. هذه ليست حكاية معزولة، بل ملامح واقع تعيشه ملايين المجتمعات الفقيرة، حيث تتحول حقوق الإنسان من ضرورة إلى رفاهية لا يستطيعون تحملها. الفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل انتهاك صامت للكرامة. فحين يعيش 1.6 مليار إنسان دون مأوى لائق أو خدمات أساسية، وحين يتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 3 مليارات بحلول 2030، فإننا لا نتحدث عن أرقام اقتصادية، بل عن أرواح محرومة من أبسط حقوقها .
المشكلة أن الفقر ليس حالة منفصلة عن حقوق الإنسان، بل نتيجة لانتهاك متراكم لها. فمن يعيش في فقر مدقع يحرم من الحق في التعليم والصحة والمشاركة السياسية والوصول إلى المعلومات. وحين تصبح هذه الحقوق غائبة، يجد الفقير نفسه في حلقة مفرغة: لا يستطيع العمل لأنه غير متعلم، ولا يستطيع التعلم لأنه جائع، ولا يستطيع المطالبة بحقوقه لأنه لا يعرفها. وقد أكدت المقررة الخاصة المعنية بالفقر المدقع أن الفقر يقع عند نقطة التقاء الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة .
أمام هذا الواقع، كيف ننفذ حقوق الإنسان في مجتمعات تكافح من أجل البقاء؟ أول خطوة هي جعل العدالة في متناول الجميع. ففي غينيا بيساو، حيث يضمن الدستور حقوقاً واسعة لكن النظام القضائي هش، أنشئت مراكز الوصول إلى العدالة. سبعة مراكز تغطي جميع المناطق تقريباً، قدمت الدعم القانوني لآلاف القضايا، معظمها للنساء. عندما وصلت لسيليانس، التي تخلى عنها زوجها المهاجر، إلى مركز في غابو، وجدت من يرشدها ويحصل لها على شهادة الفقر ويضمن إعفاءها من رسوم المحكمة. تقول: لولا مساعدة المركز، لكنت بقيت محاصرة لا يسمع صوتي. هذه المراكز ليست مجرد مكاتب، بل جسور بين الأنظمة العرفية والقانون الرسمي، وتمكين للمهمشين من المطالبة بحقوقهم .
لكن الوصول إلى العدالة وحده لا يكفي. المبدأ الثاني هو ضمان مشاركة الأشخاص الذين يعيشون في فقر في تصميم وتنفيذ ورصد السياسات التي تؤثر على حياتهم. فمن دون هذه المشاركة، تتحول السياسات إلى حلول منفصلة عن الواقع، وإلى تدخلات إنسانية طارئة بدلاً من حلول مستدامة قائمة على الحقوق. في نيجيريا، دمجت مبادرات التغذية المجتمعية مبادئ إمكانية الوصول وتحمل التكاليف والمشاركة. واستخدمت برامج صحة الأمهات منصات صحية متنقلة لضمان حصول نساء الشعوب الأصلية في المناطق النائية على المعلومات والخدمات. كما استُخدمت توصيات لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة في إعادة تصميم برامج الحماية الاجتماعية لتستهدف الأكثر تهميشا .
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. لا يمكن تحقيق التنمية وحقوق الإنسان في مجتمعات فقيرة دون تغيير جذري في السياسات الاقتصادية. دعت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى التحول نحو اقتصاد قائم على حقوق الإنسان، يوائم السياسات الاقتصادية مع الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان، ويعالج أوجه عدم المساواة النظامية. هذا يعني أن تراجع الحكومات بنود ميزانياتها لترى أين تذهب الموارد، وأن تربط الإنفاق العام بحقوق الإنسان. في نيجيريا، شجع نظام المنح المشروطة الحكومات دون الوطنية على تخصيص موارد للصحة والتعليم، وربط مخصصات الميزانية مباشرة بالحقوق الأساسية، مما أدى إلى تحسين معدلات وفيات الأمهات وزيادة الالتحاق بالمدارس .
وثمة عقبة أساسية أخرى: الهوية القانونية. فلا يمكن للفرد أن يطالب بحقوقه دون إثبات وجوده القانوني. من دون شهادات الميلاد والوثائق المتصلة بها، يحرم الأشخاص الذين يعيشون في فقر من مجموعة واسعة من الحقوق، بما فيها الضمان الاجتماعي والتعليم والصحة والوصول إلى العدالة. لذلك على الدول أن تبذل جهوداً لتسجيل جميع الأطفال مباشرة بعد الولادة، وتنظيم حملات تسجيل للبالغين والأطفال غير المسجلين، وضمان أن تكون أنظمة التسجيل مجانية وبسيطة وسريعة وتعمل دون تمييز .
وأخيراً، تنفيذ حقوق الإنسان يتطلب مؤسسات قادرة. وهذا يعني تدريب القضاة والمحامين وموظفي إنفاذ القانون، وتعزيز المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وآليات المساءلة المحلية. ففي نيجيريا، دعمت الأمم المتحدة لجنة حقوق الإنسان الوطنية لإنشاء لوحة معلومات ومرصد يتيح تتبع انتهاكات حقوق الإنسان وتحليلها في الوقت الفعلي .
حقوق الإنسان في المجتمعات الفقيرة ليست حلماً بعيد المنال، بل هدف قابل للتحقيق إذا توافرت الإرادة السياسية والموارد والتصميم. لكن الطريق يبدأ باعتراف بسيط: لا يمكن محاربة الفقر دون حقوق الإنسان، ولا يمكن تحقيق حقوق الإنسان دون معالجة الفقر. من مراكز الوصول إلى العدالة في غينيا بيساو، إلى منصات الصحة المتنقلة في نيجيريا، إلى أنظمة الإنذار المبكر المجتمعية، هذه ليست مجرد قصص نجاح معزولة، بل نماذج قابلة للتكرار والتوسع. السؤال ليس هل يمكن تنفيذ حقوق الإنسان في المجتمعات الفقيرة؟ لأن الإجابة نعم. السؤال الحقيقي هو: متى نتوقف عن اعتبار الفقراء مواطنين من الدرجة الثانية، ونبدأ في اعتبارهم بشراً كاملين، لهم ما لنا من حقوق، وعليهم ما علينا من واجبات؟ الكرامة ليست حكراً على أحد، وليس هناك أغنى من إنسان يعيش حراً كريما .
///