د. نادية الجدوع
ليست برلين هذه المرة مجرد محطة دبلوماسية على خارطة العلاقات الدولية، وليست بغداد مجرد عاصمة تبحث عن نافذة جديدة في جدار الاقتصاد العالمي.
ثمة شيء آخر كان يجري خلف الكلمات الرسمية. عندما تلتقي بغداد ببرلين حول التكنولوجيا، فإن المسألة لا تتعلق بتبادل المصالح فحسب، بل بإعادة تعريف موقع العراق في عالم يتسارع فيه الزمن إلى حدٍّ لم يعد يسمح للدول بأن تؤجل مستقبلها.
ومن هنا تأتي العبارة التي قالها الزيدي: «الليل يطلك بالنهار»؛ عبارة تبدو للوهلة الأولى شعبية في مفرداتها، لكنها تحمل في عمقها معنى استراتيجياً بالغ القسوة: الزمن لا ينتظر أحداً. ومن هذه العبارة يمكن أن نقرأ المشهد بعنوان أكثر دلالة: برلين على توقيت بغداد. فالمطلوب ليس أن تضبط بغداد ساعتها على توقيت برلين، بل أن تصل بغداد إلى مرحلة تجعل التكنولوجيا الألمانية تعمل داخل مشروع عراقي، لا أن يبقى العراق مجرد مستهلك لها.
حين يصبح النهار مشروعاً
في السياسة، هناك فرق بين زيارة تُسجَّل في محاضر اللقاءات، وزيارة تُنتج مساراً جديداً. والفرق بينهما هو ما بعد الزيارة. فإذا عادت الوفود إلى مكاتبها، وأُغلقت الملفات، وانتهت الصور والبيانات، بقيت الزيارة في إطارها البروتوكولي. أما إذا تحولت اللقاءات إلى شركات تدخل السوق العراقية، ومشروعات تُنفَّذ، ومعرفة تُنقل، وكفاءات تُدرَّب، وتقنيات تُوطَّن، فإننا نكون أمام شيء مختلف تماماً:
نكون أمام سياسة خارجية تتحول إلى اقتصاد، والاقتصاد يتحول إلى قدرة وطنية. وهنا تكمن قيمة الانفتاح على الشركات الألمانية المتخصصة بالتكنولوجيا المتقدمة.
العراق لا يحتاج إلى شراء المستقبل من الخارج. العراق يحتاج إلى بناء القدرة التي تجعله شريكاً في صناعة المستقبل. ألمانيا ليست مجرد شركة.. إنها مدرسة
عندما نتحدث عن ألمانيا، فإننا لا نتحدث فقط عن منتجات تكنولوجية متقدمة، بل عن منظومة متراكمة من الصناعة والهندسة والبحث والتطوير والتدريب والانضباط المؤسسي.
وهذه النقطة هي التي ينبغي أن تكون في قلب أي تفاوض عراقي. فالعراق إذا دخل إلى الشراكة الألمانية بعقلية المشتري، سيحصل على منتج. أما إذا دخل بعقلية الشريك الاستراتيجي، فيمكنه أن يحصل على ما هو أكبر: المعرفة، والخبرة، والتدريب، والتوطين، والتطوير، والأسواق، وسلاسل القيمة. وهنا يبدأ الفرق بين دولة تستورد التكنولوجيا ودولة تبني اقتصاداً تكنولوجياً.
العراق أمام لحظة لا تحتمل التأجيل العالم لم يعد ينتظر. الذكاء الاصطناعي يتقدم، والمدن تتحول إلى منظومات ذكية، والإدارة الحكومية تنتقل إلى المنصات الرقمية، والصناعة تدخل عصر الأتمتة، والأمن السيبراني أصبح جزءاً من الأمن الوطني، والبيانات أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدول. وفي المقابل، ما زالت دول كثيرة تنظر إلى التحول الرقمي باعتباره مشروعاً يمكن تأجيله إلى الغد.
لكن المشكلة أن الغد نفسه أصبح أسرع من الأمس. ولهذا كانت عبارة الزيدي عن الليل والنهار أكثر من مجرد توصيف للسرعة. إنها، في قراءتي، تحذير استراتيجي من فجوة الزمن. فالدولة التي تتأخر عن التكنولوجيا لا تتأخر في مجال تقني واحد؛ بل يمكن أن تتأخر في الصناعة، والتعليم، والطاقة، والإدارة، والأمن، والاقتصاد، وحتى في قدرتها على المنافسة الدولية.
من بغداد إلى برلين… لا نريد صفقة، بل معادلة المعادلة العراقية التي ينبغي أن تُطرح أمام الشركات الألمانية يجب أن تكون واضحة: السوق العراقية مقابل الاستثمار. الموارد مقابل المعرفة. المشروع مقابل التوطين. الاستثمار مقابل التدريب. التكنولوجيا مقابل بناء القدرة العراقية. هذه هي الشراكة التي تستحق أن تحمل عنواناً استراتيجياً.
فليس المطلوب أن تأتي التكنولوجيا إلى العراق ثم تغادر مع انتهاء العقد. المطلوب أن تبقى المعرفة. أن يبقى المهندس العراقي قادراً على تشغيل المنظومة. أن يبقى المركز البحثي قادراً على تطويرها. أن تبقى الشركات العراقية قادرة على الدخول في سلاسل التوريد. وأن يتحول المشروع من عقد مؤقت إلى نواة لصناعة عراقية جديدة. من النفط إلى المعرفة
العراق يمتلك ثروة هائلة، لكن مستقبل الدول لا يُقاس بما تمتلكه من موارد فقط، بل بقدرتها على تحويل الموارد إلى قوة مستدامة. ولهذا فإن التحول التكنولوجي ليس مشروعاً تجميلياً. إنه ضرورة اقتصادية. العراق يستطيع أن يستخدم التكنولوجيا المتقدمة في إدارة الطاقة، والمياه، والنقل، والموانئ، والزراعة، والمدن، والمصارف، والصناعة، والتعليم، والصحة، والخدمات الحكومية. وإذا أُدير هذا الملف بمنهج استراتيجي، فإن التكنولوجيا يمكن أن تصبح رافعة لتنويع الاقتصاد العراقي، لا مجرد قطاع إضافي إلى جانب القطاعات التقليدية.
المرأة أيضاً جزء من المعادلة ولا يمكن أن تكتمل صورة العراق التكنولوجي من دون الاستثمار في رأس المال البشري، وفي مقدمة ذلك النساء والشابات. فالتحول الرقمي لا يحتاج فقط إلى مهندسين ومبرمجين؛ بل يحتاج إلى إدارة، وقانون، واقتصاد، وإعلام، وأمن سيبراني، وذكاء اصطناعي، وريادة أعمال.
وهنا يمكن للشراكات الدولية أن تتحول إلى منصة لفتح مسارات جديدة أمام المرأة العراقية في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والابتكار. فالمرأة التي تدخل مختبر التكنولوجيا اليوم، قد تكون غداً صاحبة شركة، أو باحثة، أو مهندسة، أو قائدة لمنظومة رقمية. وهذه ليست قضية اجتماعية فقط. إنها قضية اقتصاد وقوة وطنية.
برلين على توقيت بغداد عنوان كهذا لا يعني أن بغداد تقلد برلين. على العكس. المطلوب أن تستفيد بغداد من الخبرة الألمانية، لكنها تبني نسختها العراقية الخاصة. العراق ليس ألمانيا، وله تركيبته الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية والسياسية. لكن العراق يستطيع أن يتعلم من الدول التي سبقت في الصناعة والتكنولوجيا، وأن يأخذ منها ما يناسبه، ثم يعيد إنتاجه وفق احتياجاته.
وهنا تصبح الشراكة أكثر ذكاءً: لا نقلٌ أعمى للتجربة، ولا استيرادٌ أعمى للتكنولوجيا؛ بل توطينٌ واعٍ للمعرفة. الزيدي… حين تصبح الكلمة بوابة في بعض الأحيان، تختصر جملة واحدة مشهداً كاملاً. «الليل يطلك بالنهار». جملة قصيرة، لكنها تحمل سؤالاً كبيراً:
ماذا سيفعل العراق عندما يصل النهار؟ هل سيكون مستعداً؟ هل سيمتلك الكفاءات؟ هل ستكون بنيته الرقمية جاهزة؟ هل ستكون شركاته قادرة على المنافسة؟ هل سيكون قد بنى شراكاته قبل أن يصبح التأخر أكثر كلفة؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية. ولهذا فإن أهمية التحرك باتجاه الشركات الألمانية لا تكمن في عدد الاجتماعات التي عُقدت، وإنما في قدرة العراق على تحويل هذه الاجتماعات إلى مشاريع قابلة للقياس والتنفيذ
لا نريد أن نستورد النهار برلين ليست النهاية. وبرلين ليست مجرد عنوان على خارطة دبلوماسية. إنها يمكن أن تكون مختبراً لشراكة عراقية جديدة إذا عرف العراق ماذا يريد، وكيف يتفاوض، وما الذي يريد أن يبنيه خلال خمس سنوات، وليس فقط ما الذي يريد أن يشتريه غداً.
إن العراق أمام فرصة، لكن الفرص لا تنتظر طويلاً. والعبارة التي قالها الزيدي تختصر المسألة كلها: الليل يطلك بالنهار. ولهذا يجب ألا يكون النهار موعداً نخاف الوصول إليه، بل مشروعاً نستعد له. نريد بغداد على توقيت المستقبل، لا على توقيت الانتظار. ونريد التكنولوجيا الألمانية أن تدخل العراق لا بوصفها سلعة تُستهلك، وإنما شريكاً في بناء قدرة عراقية تُنتج وتبتكر وتنافس.
فالعراق لا يحتاج إلى أن يستعير ضوء الآخرين. العراق يحتاج إلى أن يتعلم كيف يصنع ضوءه بنفسه. وهنا، تحديداً، يصبح العنوان أكثر من عنوان: برلين على توقيت بغداد… والزيدي يقول: حين يطلع النهار، يجب أن يكون العراق جاهزاً.