سرحان محمد علي الكاكئي
دائماً ما تتردد في الأوساط الثقافية عبارة تقول: «مصر تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ . وقد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، توصيفاً لحركة الكتاب العربي بين عواصم الثقافة، لكنها حين تُقال عن بغداد تبدو كأنها تختصر تاريخ مدينة عريقة في فعل القراءة وحده، وتغفل حقيقة أكبر من ذلك بكثير.
ولذلك، ربما آن الأوان لأن نقلب العبارة ونقول:
بغداد تكتب، وبغداد تطبع، ومصر تقرأ.
ليست المسألة منافسة بين بغداد والقاهرة وبيروت، ولا محاولة لانتزاع دور ثقافي من عاصمة عربية ومنحه لأخرى، فالثقافة العربية أوسع من أن تُحصر في مدينة واحدة. لكن بغداد تمتلك خصوصية تاريخية تجعلها مختلفة؛ فهي ليست مدينة دخلت إلى المشهد الثقافي العربي متأخرة، وإنما كانت في لحظة من التاريخ قلب ذلك المشهد ومركزه وذاكرته الحية.
منذ العصر العباسي، لم تكن بغداد مجرد عاصمة سياسية لدولة واسعة، بل تحولت إلى عاصمة للعقل العربي والإسلامي، ومكاناً تتقاطع فيه العلوم والفلسفة والأدب والترجمة والشعر واللغة.
في بغداد كان الكتاب جزءاً من الحياة العامة، وكان العلماء والشعراء والمترجمون واللغويون يتوافدون إليها، وكانت حلقات العلم ومجالس الأدب تعكس حركة فكرية لا تعرف السكون.
وفي بغداد ازدهرت حركة الترجمة، ونُقلت علوم وفلسفات وثقافات مختلفة إلى العربية، ثم لم تكتف بغداد بالنقل، بل بدأت بإنتاج المعرفة وتأويلها ومناقشتها وتطويرها.
وهنا تكمن المسألة.
بغداد لم تكن تقرأ العالم فقط، بل كانت تكتب العالم بلغتها.
كانت القصيدة تجد طريقها إلى مجالسها، وكان الشاعر يحتل مكانة لا تقل عن مكانة السياسي والعالم. وكان النثر العربي يتطور، والرسائل والكتب والمؤلفات تنمو، واللغة نفسها كانت تُدرس وتُجمع وتُصنف.
ولذلك فإن الحديث عن بغداد بوصفها
قارئة ,,,, فقط يشبه النظر إلى شجرة عظيمة من خلال ورقة واحدة من أوراقها.
فإذا كانت القاهرة قد حملت في عصور لاحقة راية الكتابة والصحافة والفكر، وإذا كانت بيروت قد أدت دوراً استثنائياً في نشر الكتاب العربي واحتضان المطابع ودور النشر، فإن بغداد تمتلك جذراً تاريخياً أقدم في صناعة الثقافة العربية، جذراً يعود إلى اللحظة التي أصبحت فيها المدينة مركزاً للمعرفة العربية.
ومن بغداد خرجت أسماء تركت أثرها في الفكر والأدب واللغة والتاريخ.
الجاحظ، أبو نواس، أبو تمام، المتنبي، ابن قتيبة، الطبري، المسعودي وغيرهم، لم يكونوا مجرد أسماء عابرة في كتاب التاريخ، بل كانوا جزءاً من حركة ثقافية ضخمة جعلت بغداد واحدة من أعظم المدن التي عرفتها الحضارة الإنسانية.
ولذلك لا يصح أن نتعامل مع بغداد بوصفها مدينة تنتظر ما تكتبه القاهرة أو ما تطبعه بيروت لكي تقرأه.
لقد كانت بغداد، في مراحل طويلة من تاريخها، هي التي تنتج النص، وتصنع السؤال، وتفتح باب الجدل، وتستقبل الأفكار القادمة من كل مكان، ثم تعيد صياغتها في فضائها الثقافي.
حتى فكرة الكتاب نفسها ارتبطت في الذاكرة العربية ببغداد ارتباطاً عميقاً.
يكفي أن نتذكر «بيت الحكمة» لنفهم حجم المشروع الثقافي الذي احتضنته المدينة. لم يكن الأمر مجرد مكتبة تجمع الكتب، بل كان تعبيراً عن روح مدينة تؤمن بأن المعرفة قوة، وأن الكتاب ليس زينة للمجالس، وإنما وسيلة لبناء الإنسان والحضارة.
ومن هنا فإن عبارة «مصر تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ» تصلح ربما لوصف مرحلة معينة من مراحل الثقافة العربية الحديثة، لكنها لا تصلح لتكون حكماً أبدياً على بغداد.
فبغداد ليست ابنة اللحظة الحديثة.
إنها مدينة لها ذاكرة ثقافية تمتد إلى أكثر من ألف عام، وكلما تحدثنا عن الأدب العربي والفكر العربي واللغة العربية، فإن اسم بغداد يظهر في قلب الحكاية، لا على هامشها.
ولعل الأصح أن نقول إن لكل عاصمة عربية دورها.
القاهرة لها مجدها، وبيروت لها حضورها، ودمشق لها تاريخها، وتونس والجزائر والمغرب وغيرها لها إسهاماتها الكبيرة، لكن بغداد تبقى ذات موقع خاص؛ لأنها كانت في العصر العباسي مركزاً جامعاً للمعرفة، ومختبراً للأدب والفكر والترجمة والعلوم.
لذلك لا نريد أن نستبدل عبارة بأخرى من باب التعصب لمدينة.
نريد فقط أن نعيد النظر في العبارة من زاوية التاريخ.
بغداد تكتب، وبغداد تطبع، وبغداد تقرأ.
بل ربما نستطيع أن نقول أكثر من ذلك:
بغداد تكتب حين تكتب القصيدة،
وبغداد تطبع حين يتحول الكتاب إلى ذاكرة،
وبغداد تقرأ حين تفتح أبوابها للعالم،
وبغداد تفكر حين يصبح السؤال أهم من الجواب.
هذه هي بغداد التي نعرفها من تاريخها.
بغداد التي لم تكن يوماً مجرد مستهلك للثقافة، وإنما كانت واحدة من أهم المدن التي صنعت الثقافة العربية.
ولهذا فإن إعادة العبارة إلى بغداد ليست مجرد تصحيح لغوي.
إنها محاولة لإعادة بغداد إلى مكانها الطبيعي في الذاكرة الثقافية العربية.
فمن حق بغداد، وهي التي عرفت مجالس الأدب وبيوت الحكمة ودواوين الشعراء وكتب العلماء، أن نقول عنها:
بغداد تكتب، وبغداد تطبع، ومصر تقرأ.
ليس انتقاصاً من مصر، ولا من بيروت، وإنما إنصافاً لبغداد.
فبعض المدن تُعرف بما فعلته في حاضرها، أما بغداد فتُعرف أيضاً بما فعلته في تاريخ العقل العربي.
والمدن العظيمة لا تُقاس بما تفعله اليوم فقط، وإنما بما تركته في ذاكرة الإنسان.
وبغداد تركت في الذاكرة العربية كتاباً طويلاً لم يُغلق بعد.