د. ضياء عبد الخالق المندلاوي
في السادس عشر من آب من كل عام، تستعيد الذاكرة الكوردستانية واحدةً من أهم المحطات في تاريخها الحديث، وهي ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 1946، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد ولادة تنظيم سياسي، بل انطلاقة لمسيرة طويلة من النضال والتضحيات والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الكوردي.
ثمانون عاماً مرت منذ أن وضع الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني اللبنات الأولى لهذا الصرح السياسي. ثمانية عقود تعاقبت فيها الثورات والانتكاسات والانتصارات، وتبدلت خلالها الأنظمة والتحالفات، وتغيرت الظروف الإقليمية والدولية، فيما ظل الحزب حاضراً في قلب الأحداث، محافظاً على هويته وثوابته، ومواصلاً مسيرته في الدفاع عن تطلعات شعب كوردستان.
لم يولد الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ظروف طبيعية أو في أروقة سياسية مرفهة، بل نشأ من رحم المعاناة، ومن واقع شعب حُرم طويلاً من حقوقه القومية والسياسية، فكان تأسيسه تعبيراً عن إرادة شعبية متطلعة إلى الحرية والكرامة والاعتراف بالحقوق. ومنذ بداياته، تبنى الحزب رؤية تقوم على النضال السياسي والجماهيري والعسكري، مستنداً إلى إيمان راسخ بأن حقوق الشعوب لا يمكن أن تُصان من دون إرادة سياسية وتنظيم قادر على حمل مسؤولية المرحلة.
وكان شعار “الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان” تعبيراً مبكراً عن رؤية الحزب للعراق الذي يتسع لجميع مكوناته، وعن إيمانه بأن القضية الكوردية لا تنفصل عن بناء دولة ديمقراطية تحترم التنوع القومي والديني والمذهبي، وتضمن الحقوق والحريات لجميع أبنائها.
وشكلت ثورة أيلول الكبرى عام 1961 محطة مفصلية في تاريخ الحزب والحركة التحررية الكوردستانية، وأسهمت تضحياتها في الوصول إلى اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970، التي مثلت آنذاك خطوة مهمة نحو الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي. غير أن انهيار الاتفاق لاحقاً، وما رافقه من أحداث مؤلمة، فتح فصلاً جديداً من الصراع، ليواصل الحزب مسيرته في مواجهة الظروف الصعبة، وصولاً إلى اندلاع ثورة كولان عام 1976، التي قادها الرئيس مسعود البارزاني والشهيد إدريس البارزاني.
ومع انتقال راية القيادة إلى الرئيس مسعود البارزاني، دخل الحزب مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز العمل السياسي والدبلوماسي، إلى جانب الاستمرار في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الكوردي. وتمكن الرئيس البارزاني من الجمع بين صلابة الموقف ومرونة السياسة، وبين التمسك بالثوابت والانفتاح على الحوار، ليصبح حضوره أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار القضية الكوردية والعراقية.
وكانت انتفاضة عام 1991 محطة تاريخية أخرى، إذ أسهمت في فتح الطريق أمام تأسيس المؤسسات السياسية والإدارية في إقليم كوردستان، وترسيخ تجربة سياسية جديدة قامت على الانتخابات والبرلمان والحكومة والمؤسسات، لتتحول كوردستان تدريجياً إلى تجربة سياسية لها حضورها في المشهد العراقي والإقليمي.
وبعد عام 2003، برز الدور السياسي للحزب وقيادته في المشاركة في إعادة بناء العراق الجديد، والمساهمة في صياغة العملية السياسية والدستورية، والدفاع عن مبادئ التعددية والشراكة والتوازن، مع الحرص في الوقت ذاته على حماية مكتسبات إقليم كوردستان وحقوق شعبه.
وفي مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، أثبتت قوات البيشمركة قدرتها على التصدي للإرهاب والدفاع عن أرض كوردستان، فيما كان الرئيس مسعود البارزاني حاضراً في الميدان، قريباً من المقاتلين، ومتابعاً لتطورات المعركة، في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها المنطقة. وقد أسهمت تضحيات البيشمركة في تعزيز مكانتها بوصفها قوة رئيسية في مواجهة الإرهاب وحماية شعوب المنطقة.
وفي عام 2017، شكّل استفتاء تقرير المصير محطة بارزة في تاريخ الحركة السياسية الكوردستانية، بقيادة الرئيس مسعود البارزاني، الذي اضطلع بدور محوري في التعبير عن إرادة الشعب الكوردي وتطلعاته إلى تقرير مستقبله. وقد عبّر ملايين الكورد عن إرادتهم في الاستفتاء، ورغم التعقيدات والضغوط الإقليمية والدولية التي رافقت تلك المرحلة، ظل الرئيس البارزاني متمسكاً بموقفه، مؤكداً أن إرادة الشعب وحقوقه المشروعة لا يمكن أن تكون موضع تجاهل، وأن القضايا الوطنية الكبرى تحتاج إلى قيادة تمتلك وضوح الرؤية والقدرة على تحمل مسؤولية القرار. وقد أكدت تجربة الاستفتاء أن إرادة الشعوب تبقى عاملاً أساسياً في صناعة التاريخ.
لكن قراءة ثمانية عقود من مسيرة الحزب تكشف أن سر الاستمرارية لم يكن في القدرة على مواجهة العواصف فحسب، بل في القدرة على التكيف مع المتغيرات دون التفريط بالثوابت. فقد انتقل الحزب، عبر مراحل متعددة، من الثورة إلى المؤسسة، ومن العمل الميداني إلى العمل السياسي والدبلوماسي، ومن مواجهة الأنظمة إلى المشاركة في بناء المؤسسات، وهي تحولات تطلبت مرونة سياسية كبيرة، مع الحفاظ على جوهر المشروع الوطني والقومي.
وهنا تكمن إحدى أبرز سمات التجربة، فالثوابت لا تعني الجمود، والانفتاح لا يعني التخلي عن المبادئ، والقوة لا تتعارض مع الحوار. بل إن القدرة على الجمع بين هذه العناصر هي التي تمنح أي حركة سياسية إمكانية الاستمرار في بيئة إقليمية ودولية متغيرة. ومن هذه الزاوية، فإن ثمانية عقود من تاريخ الحزب لا تمثل مجرد امتداد زمني، وإنما تعكس قدرة تنظيم سياسي على إعادة صياغة أدواته بما يتلاءم مع تحولات المرحلة، مع الحفاظ على هويته وأهدافه الأساسية.
كما أدرك الحزب أن النضال من أجل الحقوق لا يكتمل من دون بناء الإنسان والمؤسسات، وأن حماية المكتسبات تحتاج إلى مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية راسخة، كما تحتاج إلى وعي يحافظ على التعايش ويحترم التنوع ويؤمن بالشراكة. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الحزب لا يمكن قراءتها بوصفها تاريخاً من المواجهات فقط، بل بوصفها أيضاً تجربة في الانتقال التدريجي من مرحلة الدفاع عن الحقوق إلى مرحلة بناء المؤسسات التي تحمي تلك الحقوق وتمنحها قابلية الاستمرار.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة في البلاد تفرض على القوى السياسية مسؤولية الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء حلول مستدامة، ومن منطق التنافس السياسي إلى ترسيخ الشراكة الوطنية. وفي هذا السياق، اضطلع الحزب بدور مهم في تحقيق التوازن بين الحقوق الدستورية والمصالح الوطنية، وبين خصوصية إقليم كوردستان ودعم الحكومة الاتحادية، ولا سيما في مواجهة التحديات الاقتصادية، وتعزيز سلطة الدولة، وترسيخ حصر السلاح بيد الدولة. وتبقى هذه القضايا من أبرز التحديات التي تتطلب رؤية سياسية هادئة وواقعية، قادرة على حماية المكتسبات الوطنية وتطويرها.
وختاماً في هذه الذكرى المجيدة، لا يسعنا إلا أن نستذكر بإجلال مؤسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الزعيم التاريخي الملا مصطفى البارزاني، ونستذكر الشهيد إدريس البارزاني وجميع شهداء كوردستان الذين قدموا أرواحهم في سبيل الحرية والكرامة والحقوق المشروعة.
وإذ نستحضر إرثهم وتضحياتهم، فإننا نتطلع إلى المستقبل بإيمان وثقة، ماضين قدماً تحت راية الرئيس مسعود البارزاني، ومستمدين من قيادته الحكيمة رؤيةً راسخة لمواصلة مسيرة الحزب وتعزيز مكتسبات شعب كوردستان، والحفاظ على ثوابته، وبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة.