محمد علي محيي الدين
في قلب مدينة الحلة، حيث تتعانق ظلال النخيل مع نسمات الفرات، وتتماوج القصيدة في هواء الطفولة، وُلد الشاعر جعفر حمود هجول عام 1940 في محلة الوردية، تلك الزاوية التي تعرف كيف تخرج من صمتها فكرًا، ومن بيوتها شعراءً. هناك، في الأزقة المضمخة برائحة الطين والفرات، تفتحت عيناه على جمال اللغة، فوجد في الكلمة ملاذه الأول، وفي الشعر هواءه الذي لا يُستغنى عنه. لم يرَ التعليم عند نهايته شهادة تُعلّق على الجدار، بل مدخلًا إلى وعيٍ أكثر عمقًا بالذات والوجود. تنقّل بين إعدادية الحلة والدورة التربوية حتى أصبح معلّمًا، ثم تابع دراسته العليا في الجامعة المستنصرية متخصصًا في اللغة العربية، قبل أن يشدّ الرحال إلى ليبيا ليكمل دراسة القانون في جامعة طرابلس المفتوحة، فجمع بين ثقافة الوجدان وثقافة العقل، وكان شاعرًا يرى الحياة من أكثر من نافذة.

لم يكن جعفر هجول شاعر ورقٍ، بل شاعر منبر وصوت، يُجيد الإلقاء كما يُجيد الكتابة، ويمنح القصيدة روحًا جديدة حين يتلوها. كانت نبرته الشعرية تخرج من القلب لتستقر في القلوب، وكان حضوره في أي مهرجان كافياً لأن يمنح الأمسية مذاقًا خاصًا من الدفء الإنساني. عام 1971 أسهم في تأسيس ندوة عشتار الأدبية في الحلة، تلك الندوة التي تحولت إلى رئةٍ يتنفس منها المثقفون، ومحرابٍ يلتقي عنده الحلم بالحرف. لم يكتفِ بالمشاركة، بل تولّى موقع نائب الرئيس ثم رئاسة اللجنة الثقافية لمحافظة بابل بين عامي 1974 و1976، وكان في كل دوره صادق الانتماء، لا يطلب جاهًا ولا يسعى إلى شهرة، بل يريد أن يرفع منسوب النور في مدينته. عرفته المنابر والمهرجانات في الحلة وكربلاء والنجف والموصل والبصرة، وكان دائم الحضور في مهرجان المربد، يحمل قصيدته كما يحمل العراقي عوده بين النخيل والمطر.
لم يكن هجول شاعرًا تقليديًا ينسج من الألفاظ زينةً، بل كان شاعر تجربةٍ إنسانيةٍ متوهجة، فيها الغربة والمنفى، وفيها العشق والحنين، وفيها الوطن بوصفه وجعًا ووصية. في ديوانه الأول «من أصداء الغربة» كتب:
يا غربتي، كم رافقتني طفلًا وشابًا وشيخًا،
كم كنتِ ملجأي في الزمن المكسور،
وفيكِ ذرفتُ دمع الكلمات، وحفرتُ وجهي على جدران المدن.
أما في ديوانه الثاني «بين الرؤى والمرائي» فقد تماهى الشعر بالفكر، واقترب البوح من حدود الفلسفة:
نحن الذين ولدنا من رماد،
نمشي على ظلّ الأمل،
ولا نُجيد سوى الانتظار.
وفي مذكراته «الحلة بين العشق والانتماء»، نلمح وجه المدينة كما يراه هو: وجه أمٍّ تفيض بالحنين، وذاكرةٍ تحتفظ بصدى الخطوات القديمة. كتب عن الحلة كأنها امرأةٌ من لحم الذاكرة:
الحلة لم تكن مدينةً، كانت امرأة،
عرفتُ أول دقات قلبي بين ضفائرها،
وفي شوارعها قرأتُ أول قصيدة،
وقطفتُ أول خيبة.
كتب عنه النقاد شهادات تؤكد تفرده الإنساني والأدبي. رآه محمد علي محيي الدين “شاعرًا تنويريًا يحمل همّ الإنسان العراقي بكل خيباته وأحلامه”، فيما وصفه ناجح المعموري بأنه “شاعر الموت والعشق” في دراسته لديوانه «نبع يتدفق». أما الدكتور عبد الإله الصائغ، فقد رثاه في مقاله المؤلم «دموع الطيور المهاجرة»، وكأنه كان يدرك أن شاعرًا مثل هجول لا يودّع من منصة، بل يمضي في الطريق إلى الشعر كما وُلد فيه، وهو ما حدث بالفعل.
في يوم 22 آذار 2010، ركب جعفر هجول القطار المتجه إلى البصرة لحضور مهرجان المربد، حاملاً معه قصيدة جديدة عنوانها «وداعٌ في هيئة عشق». لكن الموت كان في انتظاره على الطريق، فأغلق عينيه قبل أن يلقيها، تاركًا القصيدة يتيمة، والنداء الأخير عالقًا بين السطر والأنفاس. يقول فيها:
إيه غاليتي، من قبل في فتوة العمر سعيت إليك…
ولأنك دافئة، يدفعني البرد إليك.
لم تكن البصرة في شعره مدينةً، بل كائنًا أنثويًا تتجسد فيه الطيبة والعشق، كما كانت الحلة ذاكرته الأولى. يجمع بينهما في قوله:
أنتِ وعشقي الحلة فيحاءان،
فيهما يضوع طلع الأدب الثرّ.
ثم يضمّن في القصيدة مقطعًا من أغنيةٍ عراقيةٍ قديمة:
ابنادم داده بهيده اعله بختك لا تعت بيها…
روحي انحلت والشوق يبنادم… والشوق ماذيها.
وهكذا يمزج هجول الشعر الفصيح بالوجدان الشعبي، ليوقّع وداعه بأغنية يعرفها أبناء الوطن جميعًا. ويختمها بجملةٍ تختصر رحلته كلها:
تبقى أمنيتي الكبرى أن يتجدد هذا العرس مديدًا… ثم أموت.
وكأن القصيدة كانت نبوءة، أو وصيةً شعريةً كتبها قبل أن يفي بوعدها. لقد خُصص له ملف أدبي كامل في مجلة أوراق فراتية، ووُثقت سيرته في مؤلفات عدة، منها: أدباء وكتّاب بابل المعاصرون – د. عبد الرضا عوض، والنهضة الفكرية في الحلة وتكملة شعراء الحلة أو البابليات – د. صباح نوري المرزوك.
رحل جعفر هجول جسدًا، لكنه بقي صوتًا عذبًا في الذاكرة الأدبية العراقية، وجسرًا بين أصالة الشعر الحلي ونبض الحداثة العربية. ترك لنا شعرًا يمزج بين رصانة الجملة ورهافة الإحساس، وبين حزن الوطن وبهجة الكلمة. لقد مات في طريقه إلى القصيدة، كأنه أراد أن يثبت أن الشاعر لا يموت داخل بيته، بل وهو يسير نحو المنبر، نحو الحلم، نحو الضوء.