لو طرق الحسين أبواب المنطقة الخضراء… فمن سيفتح له؟

نبيل عبد الأمير الربيعي

لو خرج الإمام الحسين اليوم، لا من صحراء كربلاء، بل من بين أحياء العراق الفقيرة، رافعاً راية الإصلاح، ومطالباً باستعادة المال العام، ومحاسبة الفاسدين، وإنهاء نظام المحاصصة، وإنصاف الأرامل والأيتام والعاطلين عن العمل، فكيف سيكون موقف الذين يملؤون الشوارع بصوره، والمنابر بخطبه، والفضائيات بشعارات الولاء له؟
السؤال ليس افتراضاً أدبياً، بل امتحان أخلاقي وسياسي لكل من جعل من اسم الحسين وسيلة للوصول إلى السلطة، ثم نسي القضية التي استشهد من أجلها.
لقد خرج الحسين لأنه رفض أن تتحول الدولة إلى مزرعة للحاكم، وأن يصبح المال العام غنيمة، وأن تُسحق كرامة الإنسان تحت أقدام المستبدين. خرج معلناً أن الإصلاح ليس شعاراً انتخابياً، وإنما تضحية ومسؤولية، وأن السكوت على الظلم مشاركة فيه.
أما عراق اليوم، فقد أصبح نموذجاً صارخاً للمفارقة المؤلمة. فمنذ أكثر من عقدين، تتعاقب الحكومات وهي تتحدث باسم الدين والإصلاح، فيما تتضخم ثروات السياسيين، وتزداد قصورهم، وتتوسع امتيازاتهم، بينما يعيش ملايين العراقيين تحت خط الفقر، وتنهار المدارس والمستشفيات، وتغرق المدن في الفساد وسوء الخدمات.
أين ذهبت مئات مليارات الدولارات؟ ومن المسؤول عن بلد يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم، بينما يقف شبابه في طوابير البطالة والهجرة؟
المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في طبقة سياسية حولت الدولة إلى شركة لتوزيع المناصب والمغانم، وجعلت المحاصصة بديلاً عن الكفاءة، والولاء الحزبي بديلاً عن المواطنة، والفساد أسلوباً دائماً لإدارة البلاد.
لقد كان الإمام علي بن أبي طالب يقول: “جئتكم بجلبابي هذا وثوبي هذا، فإن خرجت بغيرهما فأنا خائن.”
بهذه الكلمات اختصر فلسفة الحكم في الإسلام؛ فالسلطة أمانة لا وسيلة للثراء، والخدمة العامة تكليف لا تشريف. أما اليوم، فقد أصبحت المناصب طريقاً لتكوين الإمبراطوريات المالية، وتحولت الأحزاب إلى شبكات مصالح، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الفشل.
إن أخطر ما أصاب العراق ليس الفساد المالي وحده، بل الفساد الأخلاقي الذي جعل بعض السياسيين يرفعون راية الحسين نهاراً، ثم يمارسون كل ما ثار عليه ليلاً. يبكون عليه في عاشوراء، لكنهم لا يسمعون أنين الفقراء. يقيمون المواكب الضخمة، لكنهم يغلقون أبواب العدالة. يتحدثون عن المظلومية التاريخية، فيما يصنعون مظالم جديدة كل يوم.
ولو وقف الحسين اليوم أمام المنطقة الخضراء مطالباً بمحاكمة الفاسدين، وإلغاء الامتيازات، وإعادة الأموال المنهوبة، وإقامة دولة المواطنة والقانون، فهل ستستقبله الطبقة السياسية بالترحاب؟
أم ستتهمه بأنه يهدد الاستقرار؟
أم ستصفه بالمندس، أو العميل، أو مثير الفتنة، أو الخارج على الإجماع السياسي؟
لقد فعلوا ذلك مع كل صوت طالب بالإصلاح، وكل شاب خرج في ساحات الاحتجاج مطالباً بوطن يليق بالعراقيين.
إن الحسين لم يكن مشروعاً للطائفة، بل مشروعاً للعدالة. ولم يكن ثائراً من أجل سلطة، بل من أجل إنقاذ الضمير الإنساني من الاستسلام للطغيان. ولذلك فإن من يختزل الحسين في طقوس البكاء، ويهمل رسالته في مقاومة الظلم، لم يفهم ثورته، مهما أكثر من الشعارات والرايات.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الخطب، بل إلى مسؤولين يشبهون قيم الحسين، وإلى قضاء يحاسب الفاسدين، وإلى دولة تحترم الإنسان، وإلى سياسي يخاف على المال العام كما كان الإمام علي يخاف على بيت مال المسلمين.
فالحسين لا يُنصر بالهتافات، بل بإقامة العدل. ولا يُحب بالدموع وحدها، بل بالوقوف مع الفقراء، ومواجهة الفساد، ورفض الاستبداد، والدفاع عن كرامة الإنسان.
ويبقى السؤال الذي يطارد ضمير العراق كله:
لو خرج الحسين اليوم متوجهاً إلى أبواب السلطة، رافعاً شعار الإصلاح ومحاربة الفساد، فكم من الذين يعلنون ولاءهم له سيقفون إلى جانبه؟ وكم منهم سيغلقون الأبواب في وجهه، لأن وجوده سيهدد امتيازاتهم التي بنوها باسمه؟
ذلك هو السؤال الذي لا تجيب عنه المواكب، بل تجيب عنه مواقف الرجال.

قد يعجبك ايضا