حسو هورمي
في صيف عام 2014، وتحت شمس آب اللاهبة، سقطت سنجار. سقطت المدينة بأبراجها ومعابدها وبيوتها العتيقة، سقطت جميع القرى والمجمعات السكنية التابعة لها. لكن الأهم من سقوطها، أن آلاف الأرواح سقطت معها، أو سُلبت حريتها، أو تشتت في دروب الموت. وفي خضم تلك الكارثة الإنسانية التي هزّت ضمير العالم، وقف الإعلام لأول مرة أمام امتحان مصيري: هل سيكون مجرد ناقل للخبر، أم سيتحوّل إلى شاهد على التاريخ، وصوت لمن لا صوت لهم؟
ما ارتكب من جرائم ضد الإيزيديين في سنجار لم يكن مجرد فصل عابر في سجل الصراعات، بل كان إبادة ممنهجة، وخطاب كراهية تحوّل إلى سكين. وفي مواجهة تلك الهمجية، كان الإعلام الجسر الذي عبرت فوقه الحقيقة من المقابر الجماعية إلى العالم، محولًا الألم إلى قضية، والضحايا إلى شهود، والشهود إلى رسل عدالة. حين بدأت جرائم داعش تتصدر النشرات الإخبارية، لم يكن الأمر مجرد نقل وقائع. كان فعل توثيق بكاميرات الهواتف المتواضعة، وبأصوات النساء اللواتي هربن من السبي، وبروايات الرجال الذين فروا من الموت وبقصص الناجين من المقابر الجماعية، بدأت تتشكل مادة خام لا تُقدّر بثمن: ذاكرة إنسانية حية. الصور التي وصلت إلى العالم لم تكن مجرد بكسلات على شاشة بل كانت عيون أطفال تبحث عن أمهاتهم، كانت أيادٍ مرفوعة بالدعاء في اللحظات الأخيرة. كانت مقابر جماعية تروي صمت الموتى وهكذا، تحوّل التوثيق الإعلامي إلى أرشيف لا يقبل الإنكار، إلى سجل مفتوح لا يمكن طمسه.

من الرقم إلى الإنسان
لقد فهم الإعلامي المحترف أن الأرقام وحدها لا تصنع قضية. فخمسة آلاف امرأة مختطفة، وأربعمائة طفل قتيل، وسبعمائة مقبرة جماعية… كلها أرقام قد تمر مرور الكرام. لكن عندما تظهر امرأة واحدة تحمل طفلها، وتروي كيف باعوها في سوق النخاسة، وعينيها تدمعان… هنا تتحول القضية من إحصائية إلى إنسانية. هنا يهتز الضمير. هنا يتحرك العالم، هذا ما فعله الإعلام بامتياز: أعاد للإيزيديين إنسانيتهم المسلوبة، وجعل من جرائم داعش قضية رأي عام عالمي، وليس مجرد خبر عابر في زاوية منسية.
ففي كل مأساة، هناك من ينجو ليروي. وفي ما نحن بصدده، كان للناجين صوت لم يخفت. خرجوا من تحت الأنقاض، ومن بين الجثث، ومن خلف الأسوار، ليحملوا على أكتافهم مسؤولية لا تقل ثقلاً عن مسؤولية الموت ذاتها: مسؤولية الشهادة. لقد تحوّل هؤلاء الناجون إلى شهود أحياء على جريمة لم تكتمل. هم الذين رأوا الموت بعيونهم، وذاقوا الخوف حتى الثمالة، وعاشوا التفاصيل التي لا تُكتب في التقارير. وعندما وقفوا أمام الكاميرات، لم يكونوا يروون فقط، بل كانوا يقاضون. يقاضون الصمت العالمي، ويقاضون النسيان، ويقاضون كل من تغاضى وتقاعس عن اداء مسوؤليته.
قوة التكامل بين الإعلام والناجين
لطالما كانت العلاقة بين الإعلام والناجين علاقة تكاملية فريدة. الإعلام يبحث عن الحقيقة، والناجون يملكونها. الإعلام يبحث عن الصورة، والناجون يقدمونها دامية حية. الإعلام يسعى للتأثير، والناجون هم التأثير ذاته. عندما تجلس ناجية أمام الكاميرا، وتروي كيف كانت حياتها قبل الاختطاف، ثم كيف تحوّلت إلى سلعة تُباع وتُشترى، ثم كيف هربت لتبدأ من الصفر… هنا لا يحتاج المشاهد إلى ترجمة. الدموع لغة عالمية. والألم لا يحتاج إلى شرح. هذا التكامل بين الإعلام المهني والشهادة الصادقة أسهم في خلق رأي عام عالمي مناهض لداعش، ومتعاطف مع الإيزيديين. فبعد سنوات من الصمت والتجاهل، بدأت الحكومات والمؤسسات الدولية تتحرك. بدأت التحقيقات. بدأت المحاكمات. بدأت الاعترافات الرسمية بأن ما جرى هو إبادة جماعية. لقد كان الإعلام هو الوقود الذي أبقى هذه القضية متقدة. وكلما خفت وهجها، عاد ناجٍ أو ناجية ليُشعلها من جديد. وهكذا، بقيت قضية الإيزيديين حاضرة في الأجندة الدولية، ليس لأنها الأكثر دموية فحسب، بل لأنها الأكثر توثيقًا، والأكثر حضورًا إنسانيًا.
نحو عدالة لا تسقط بالتقادم
مع تراكم الأدلة وتوثيق الشهادات، بدأت تتحقق العدالة بخطى مترددة. محاكمات في ألمانيا، وفي الولايات المتحدة، وفي العراق. عناصر داعش يمثلون أمام القضاء، والضحايا يواجهونهم وجهاً لوجه. هذا المشهد، الذي كان يبدو خيالاً قبل سنوات، أصبح حقيقة بفضل الجهود المضنية للتوثيق والإعلام. إن متابعة الإعلام لهذه المحاكمات، ونقل تفاصيلها، والتذكير المستمر بالجرائم، كلها عوامل تؤكد أن العدالة وإن تأخرت لن تسقط، وأن الضحايا وإن غابوا، فإن صوتهم يبقى حياً.
ربما كان أهم إنجاز حققه التحالف بين الإعلام والناجين هو الاعتراف الرسمي من عدة دول ومؤسسات دولية بأن ما جرى بحق الإيزيديين هو إبادة جماعية. هذا الاعتراف ليس مجرد وصف قانوني، بل هو إقرار بأن الإيزيديين استهدفوا لكونهم إيزيديين. وأن جرائم داعش لم تكن عسكرية بقدر ما كانت وجودية. وأن ما حدث في سنجار هو فصل مأساوي في تاريخ الإنسانية يجب ألا يتكرر.
تحديات تواجه السردية الإنسانية
1: خطر النسيان
في عالم يموج بالأخبار والأزمات المتلاحقة، يبقى الخطر الأكبر هو النسيان. فكل يوم يمر، تتراجع قضية الإيزيديين خطوة إلى الخلف في أولويات الرأي العام. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام الإعلام والناجين معاً: كيف نحافظ على زخم القضية؟ كيف نمنع إعياء التعاطف؟ كيف نذكّر العالم بأن آلاف المختطفين ما زالوا في عداد المفقودين، وأن آلاف الناجين ما زالوا يعانون في المخيمات؟
2: التضليل والتحيز
ليس كل إعلام نزيهاً. ففي زمن الحرب، تختلط الحقائق بالأكاذيب، وتنحاز بعض الوسائل لجهات على حساب أخرى. هذا الواقع يفرض على الناجين أن يكونوا أكثر حرصاً في اختيار منصاتهم، وأكثر دقة في نقل شهاداتهم، وأكثر صموداً في مواجهة محاولات تشويه الرواية.
الخاتمة: نحو مستقبل لا يُنسى
في المحصلة، يبقى الإعلام، إلى جانب شهادات الناجين، خط الدفاع الأول عن الذاكرة الإنسانية. فالتوثيق الصادق يمنع النسيان، والشهادة الحية تفضح الجريمة، والانتشار الإعلامي يخلق ضغطًا نحو تحقيق العدالة.
إن استمرار دعم حضور الناجين، أمثال إدريس بشار، على المنصات الإعلامية وفي المحافل الدولية، ليس مجرد تكريم لهم، بل هو استثمار في الحقيقة، وضمانة لعدم تكرار الإبادة. فحين يتحدث الناجون، يصمت الإنكار، وحين تُروى الحقيقة، تقترب العدالة.
وربما الأهم من ذلك كله، أن ما حدث في سنجار يجب ألا يبقى مجرد ذكرى مؤلمة، بل يجب أن يتحوّل إلى منهج في مواجهة التطرف، ودروس في حماية الأقليات، وقوانين تمنع تكرار الإبادة وعندها فقط، يمكننا القول إن الإعلام والناجين لم ينقلوا المأساة فحسب، بل ساهموا في بناء مستقبل أكثر إنسانية.
الناجي إدريس بشار والإعلام: صوت العدالة والإنسانية
في أعقاب الجرائم المروّعة التي ارتكبها تنظيم داعش، لم يكن الناجون والناجيات مجرد ضحايا خرجوا من تحت الركام، بل تحوّلوا إلى شهود أحياء على واحدة من أبشع صفحات التاريخ المعاصر. لقد حمل هؤلاء قصصهم المؤلمة إلى العالم، ليس بوصفها ذكريات شخصية فحسب، بل كرسائل إنسانية كاشفة، تفضح حقيقة الإرهاب وتعرّي جرائمه أمام الرأي العام الدولي.
لعبت شهادات الناجين دورًا محوريًا في نقل الحقيقة من ميادين الألم إلى منصات الإعلام والمؤتمرات الدولية. فمن خلال مشاركاتهم في الندوات واللقاءات الحقوقية، استطاعوا أن يضعوا العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية، وأن يحوّلوا معاناتهم إلى قضية رأي عام عالمي. كانت كلماتهم صادقة، خالية من التزييف، تستمد قوتها من التجربة المباشرة، وهو ما منحها مصداقية لا يمكن إنكارها أو التشكيك فيها.
إن أهمية هذه المشاركات لا تكمن فقط في توثيق الجرائم، بل في منع تكرارها. فكل شهادة تُروى هي بمثابة دليل حيّ يُضاف إلى ذاكرة الإنسانية، وكل ظهور إعلامي هو خطوة نحو تحقيق العدالة، ومحاسبة الجناة، وإنصاف الضحايا. كما أن حضور الناجين في المؤتمرات الوطنية والدولية يساهم في رسم سياسات أكثر وعيًا تجاه قضايا الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان، ويعزز من الجهود الرامية إلى حماية الأقليات والمجتمعات الهشة.
إدريس بشار: شاهد من قلب الموت
من بين النماذج التي تجسّد هذا الدور بوضوح، يبرز الناجي إدريس بشار من المقابر الجماعية في قرية كوجو بسنجار. هذه القصة التي تكاد تتجاوز حدود التصديق، تحوّلت إلى رمز كبير للصمود. فذلك الناجي الذي خرج من بين الجثث حيًا، لم يكتفِ بالنجاة، بل اختار أن يكون صوتًا لمن لم يتمكنوا من النجاة. في قرية كوجو، حيث كان الموت ينتظر خلف كل باب، كان إدريس بشار بين من سقطوا في المقبرة الجماعية. جثث فوق جثث، وصمت ثقيل، ثم يد تدفع التراب… خروج من الموت إلى الحياة. لكن إدريس لم يخرج ليتمتع بالحياة، بل خرج ليكون صوتًا لمن بقوا تحت التراب. منذ تلك اللحظة، تحوّل إدريس من ضحية إلى ناشط حقوقي.
في المؤتمرات الدولية، على منصات الإعلام، وفي لقاءات السفراء والمسؤولين، كان يحمل معه روح كوجو، وأرواح ضحاياها. لم يكن يتحدث باسمه فقط، بل باسم كل من دفنوا هناك، وكل من ذاقوا الموت مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالنسيان. إن حضوره في الإعلام وفي المحافل الدولية لا يمنح القضية بُعدًا إنسانيًا فحسب، بل يضفي عليها قوة قانونية وأخلاقية، تجعل من الصعب تجاهلها أو التقليل من شأنها. إنه نموذج حي على أن الناجي ليس مجرد ضحية، بل هو قوة فاعلة في معركة العدالة.
إن الدور البطولي الذي يضطلع به الناجون والناجيات من براثن تنظيم داعش الإرهابي في وسائل الإعلام المختلفة، وفي ساحات المؤتمرات الدولية والإقليمية، يمثل ركيزة أساسية في المعركة العالمية ضد هذا التنظيم. فمن خلال شهاداتهم الحية والمؤثرة، استطاع هؤلاء الأبطال كسر جدار الصمت، وقلب الطاولة على تنظيم سعى إلى تجريدهم من إنسانيتهم وإسكات أصواتهم إلى الأبد.
لم تكن رواياتهم مجرد قصص مؤلمة، بل أدلة دامغة كشفت همجية التنظيم وإرهابه. فقد نقلوا للرأي العام العالمي، بلغة الصدق والألم، التفاصيل الدقيقة لجرائم داعش التي طالت الرجال والنساء والأطفال على حد سواء. ونجحوا بصوتهم الجريء في تعرية دعايته المضللة وكشف زيف الخطاب الذي استُخدم لاستقطاب المغرر بهم من مختلف أنحاء العالم. لقد تحولت مأساتهم الشخصية إلى منصة فضح عالمية، سواء عبر الأفلام الوثائقية أو اللقاءات الإعلامية أو المؤتمرات الدولية. ولم يكن حضورهم مجرد استعراض للمعاناة، بل شهادة حق أمام العالم جسدت حقيقة التنظيم الوحشية، وحولت الأرقام الجامدة للضحايا إلى قصص إنسانية حيّة تمس وجدان العالم الحر جمعاء.
نحو عدالة انتقالية
في هذا السياق، لم يقتصر دور الناجين على الإعلام فحسب، بل امتد إلى مشاركة فاعلة ومؤثرة في المؤتمرات، حيث أسهم الناجون والناجيات الإيزيديات بشكل خاص في نقل قضيتهم من دائرة التهميش المحلي إلى فضاءات الاهتمام الدولي. لقد كسروا حاجز الخجل الاجتماعي والصمت، مؤكدين أن الصمت لا يمكن أن يكون خيارًا أمام حجم الجرائم والانتهاكات الجسدية والنفسية التي ارتُكبت بحقهم. إلى جانب الناجيات، برز عدد من الناجين من المقابر الجماعية في المحافل الوطنية والدولية، حيث عملوا بلا كلل لتعزيز حضور المرأة في قيادة المجتمع، وقدموا نماذج حقيقية للصمود والإصرار. وأصبحت منصات المؤتمرات فضاءً مفتوحًا لهم لعرض شهاداتهم الحية عن التعذيب والانتهاكات، والمطالبة بالكشف عن مصير المختطفين، وتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا وذويهم.
كما وجّهوا نداءات مستمرة للمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية، والعمل على تحقيق العدالة الانتقالية من خلال آليات واضحة تضمن محاسبة الجناة وإنصاف الضحايا، وحماية حقوق المرأة والطفل وكافة المتضررين من جرائم التنظيم.
كلمة أخيرة: الناجون… ذاكرة حية
إلى الناجين الذين لم تكتمل نجاتهم، هنا نرفع القبعة لكل ناجٍ اختار أن يتكلم بدلًا من أن ينسى. لكل امرأة حملت جرحها وكاميرتها ونزلت إلى العالم. لكل رجل خرج من المقبرة ليقاضي القتلة. لكل صحفي دفع الثمن ليصل الصوت. لكل من آمن بأن الحقيقة أقوى من الرصاص، وأن الكلمة أبقى من السيف، وأن العدالة وإن تأخرت آتية لا محالة.
إلى الناجين والناجيات، أنتم لستم مجرد ناجين. أنتم ذاكرة حية. أنتم ضمير الإنسانية. أنتم الدليل على أن الحياة تنتصر دائمًا.