بيان للرأي العام العراقي: كوردستان كيان دستوري وليس عقداً للمساومة

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في خضم التجاذبات السياسية التي تشهدها البلاد، يخرج علينا البعض بتصريحات تتجاوز حدود الخلاف السياسي المألوف، لتضرب في عمق المبادئ الأساسية التي بنيت عليها الدولة العراقية الحديثة بعد عام 2005. ولعل آخر هذه التجاوزات الخطيرة هي التصريحات العلنية التي أطلقها رئيس حراك الجيل الجديد، السيد شاسوار عبد الواحد، والتي هدد وتوعد فيها بـ “فسخ إقليم كوردستان” وإلغاء كيانه في حال عدم تلبية مطالبه وحساباته السياسية والحزبية.
إن هذه التصريحات لا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيفها تحت بند “حرية التعبير عن الرأي”، بل هي خرق دستوري وقانوني فاضح، يتطلب وقفة جادة وبياناً توضيحياً للرأي العام العراقي حول المآخذ القانونية والدستورية لهذه الأقوال.

أولاً: خرق المادة (1) والمادة (117 / أولاً) من الدستور
لقد أسس الدستور العراقي النافذ لعام 2005 لشكل الدولة بصفتها جمهورية اتحادية (فدرالية) واحدة. وجاءت المادة (117/أولاً) لتقر صراحة بـ “إقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً”. هذا يعني أن الإقليم ليس “شركة خاصة” أو “عقداً مدنياً” يملكه شخص أو حزب ليقوم بـ “فسخه” عند الخلاف، بل هو كيان دستوري شرعي محمي بقوة القانون الأسمى في البلاد.

ثانياً: تجاوز آليات التعديل وحظر الانتقاص (المادة 126)
لقد وضع الدستور العراقي قيوداً صارمة لحماية النظام الاتحادي؛ حيث تنص المادة (126/رابعاً) على أنه لا يجوز إجراء أي تعديل دستوري ينتقص من صلاحيات الأقاليم إلا بموافقة السلطة التشريعية للإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه عبر استفتاء عام. فإذا كان البرلمان الاتحادي في بغداد لا يملك صلاحية الانتقاص من الإقليم إلا عبر هذه الشروط التعجيزية، فكيف لجهة حزبية أن تهدد بـ “فسخ” الإقليم بالكامل؟ هذا التهديد يمثل خروجاً صارخاً على النظام الديمقراطي.

ثالثاً: ضرب مبدأ سيادة القانون (المادة 5)
تنص المادة (5)من الدستور على أن “السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها”. إن ربط مصير كيان دستوري يضم ملايين المواطنين بتحقيق “مطالب شخصية أو حزبية ضيقة” هو تجسيد لخرق مبدأ سيادة القانون، ومحاولة لجعل الرغبات الحزبية سلطة فوق سلطة المؤسسات الشرعية الناشئة عن إرادة الشعب الصندوقية.

رابعاً: تحدي قرارات القضاء الدستوري الأعلى
لقد حسمت المحكمة الاتحادية العليا في بغداد (أعلى سلطة قضائية مفسرة للدستور) هذا اللغط بموجب قرارها البات والملزم رقم (122/اتحادية/2017)، والذي أكد بشكل قاطع على وحدة الأراضي العراقية وعدم جواز انفصال، أو حل، أو فسخ أي مكون أو إقليم من مكونات النظام الاتحادي. بالتالي، فإن التلويح بفسخ الإقليم هو تحدٍ علني لقرارات القضاء الأعلى الملزمة لكافة السلطات والأفراد وفق المادة (94) من الدستور.

خامساً: دعوة للمحاسبة القضائية لردع التهديدات والجرائم الماسّة بأمن الدولة
تأسيساً على ما تقدم، فإن إطلاق مثل هذه التهديدات والتلويح بـ “فسخ” أو إسقاط أركان الكيان الاتحادي للدولة لا يمثل مجرد مناكفة سياسية، بل هو فعل ينطوي على توصيف جزائي خطير يقع تحت طائلة قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل (وتحديداً المواد الخاصة بالجرائم الماسّة بأمن الدولة الداخلي، والتحريض على قلب النظام الدستوري بغير الوسائل القانونية، وتكدير الأمن العام وإثارة الفتنة).
ومن هنا، ومن منطلق الحرص على سيادة القانون وحفظ السلم الأهلي، نوجّه دعوة رسمية ومطالبة مشروعة إلى جهاز الادعاء العام العراقي والمحاكم المختصة (سواء في بغداد أو في الإقليم) لأخذ دورهم الدستوري والتحرك الفوري لملاحقة ومحاسبة مطلقي هذه التصريحات قانونياً. إن السكوت عن هذه التهديدات يفتح الباب لتهديم أسس الدولة القانونية؛ والمحاسبة القضائية العادلة هي الضمان الوحيد لردع أي تجاوز على الدستور وحماية أمن المواطنين ومؤسساتهم الشرعية.

إن الدستور والقانون هما الحصن المنيع الذي يحمي حقوق جميع العراقيين بمختلف مكوناتهم وأقاليمهم، وإن محاولة تسييس الكيانات الدستورية ورهن بقائها بالمصالح الحزبية الضيقة هو منزلق خطير تجب مواجهته بالوعي القانوني وبأطر مؤسساتية تحترم سيادة القانون والدستور العراقي الدائم.

قد يعجبك ايضا