جاسم العقيلي
في زمن تتدفق فيه الأخبار كالسيل الجارف عبر منصات لا تعد ولا تحصى، أصبحت المصداقية في نقل الخبر ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل حجر الزاوية الذي تقوم عليه ثقة الشعوب بمؤسساتها الإعلامية، والضمانة الأساسية التي تحمي المجتمعات من فوضى الشائعات والتضليل، فالخبر ليس مجرد كلمات، بل سلاح ذو حدين، إن صدق بنى مجتمعات وأنقذ أوطاناً من الجهل والتخلف، وإن كذب أو حُرف أصبح أداة هدم تمزق النسيج الاجتماعي وتزرع الشقاق بين أبناء البلد الواحد، وفي عصر السرعة الإعلامية، لا يكفي أن نكون السابقين إلى النشر، بل الأهم أن نكون الأكثر تثبتاً ودقة، لأن المسؤولية الأخلاقية تفوق بأهمية سبق اللحظة بأي ثمن .
إن المصداقية لا تعني الصدق في الرواية فقط، بل تعني الدقة والموضوعية وتقديم الصورة الكاملة، فالخبر الصادق لكن المنقوص الزوايا هو خبر مضلل، لأنه يترك في ذهن المتلقي صورة مشوهة للحقيقة، فيبني أحكامه على جزء من المشهد لا على كله، وهكذا يتحول الإعلام من ناقل للأخبار إلى صانع لواقع افتراضي، ولا تقتصر آثار غياب المصداقية على الفرد، بل تمتد إلى أمن المجتمع، فالشائعات في الأزمات تثير الهلع وتدفع الناس إلى تصرفات غير محسوبة، كما حدث حين تداول البعض صورة قديمة لمخازن فارغة على أنها أزمة غذاء حقيقية، فهرع الناس إلى التخزين المفرط، وتحولت الشائعة إلى نقص حقيقي استنزف الأسواق وأرهق الاقتصاد، وهذا التفكك في الثقة بين أبناء المجتمع الواحد هو الكارثة الحقيقية، لأن الثقة هي الغراء الذي يربط المجتمع، فإذا انهارت انهار كل شيء .
المسؤولية هنا لا تقع على الإعلامي المحترف وحده، بل على كل من يمارس النشر، ففي عصر التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد ناشراً، وهذا يضعنا أمام اختبار أخلاقي يومي، نتساءل فيه: هل نتمسك بالقيم المهنية أم ننجرف وراء التفاعل والانتشار ولو على حساب الحقيقة؟ والتثبت من الخبر قبل نشره لم يعد ترفاً، بل أصبح واجباً دينياً ووطنياً وأخلاقياً، والإسلام وضع لنا قاعدة ذهبية في هذا السياق بقوله تعالى: (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، فهذه الآية ليست وصية أخلاقية فحسب، بل منهج حياة يحمي المجتمع من آفة التسرع وسوء الظن .
ومن أهم مظاهر المصداقية التي تغيب غالباً، شجاعة الاعتراف بالخطأ، فالناشر الموثوق هو الذي يمتلك الجرأة ليتراجع عن خبر خاطئ، ويصححه بنفس القوة التي نشر بها الخبر الأول، ويعتذر بصدق لجمهوره، وهذا التصرف لا يضعف مصداقيته، بل يزيدها رسوخاً، لأنه يثبت أنه يضع الحقيقة فوق كل اعتبار، أما من يتمادى في الخطأ أو يتجاهله، فإنه يخسر ثقة جمهوره إلى الأبد، لأن الجمهور ذكي ولا يغفر لمن استهان بعقله