خليل إبراهيم خليل
لما اشتد البلاء على المسلمين بعد بيعة العقبة الثانية أذن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكرام بالهجرة إلى المدينة المنورة فجعلوا يخرجون ويُخفون ذلك فنزلوا على الأنصار في دورهم فآووهم ونصروهم وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة إلا من حُبس أو فُتن إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق رضى الله عنهما.
كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه كثيراً ما يستأذن النبي محمداً في الهجرة فيقول النبي صلى الله عليه وسلم له: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً) فيطمع أبو بكر أن يكونه ولما رأت قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صار له أصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم مَنعة فحذِروا خروج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إليهم فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيما يصنعون في أمره؟ فاتفقوا أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً ليعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فيتفرَّق دمُه في القبائل جميعها ولكن النبي صلى اله عليه وسلم علم بأمرهم وتمكن من الخروج من بيته سالماً، وبات علي عليه السلام في فراشه كأول فدائي في الاسلام.
كانت هجرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة في يوم الاثنين في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته وكان أبو بكر حين استأذن النبي في الهجرة ابتاع راحلتين فاحتبسهما في دار يعلفهما إعداداً لذلك وعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: (إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة) فقال أبو بكر رضى الله عنه: (الصحبة يا رسول الله) ؟ قال : (الصحبة) ثم قال أبو بكر رضى الله عنه : ( يا نبي الله .. إن هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا ) فاستأجرا عبد الله بن أريقط الكناني وكان مشركاً يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
ولم يعلم بخروج النبي أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر وآل أبي بكر فلما أجمع النبي صلى الله عليه وسلم الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمدا إلى غار بثور وهو جبل بأسفل مكة فدخلاه وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى في الغار فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن النبي محمد وأبي بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه.
وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما وبدأ المشركون باقتفاء أثر النبي فلما بلغوا جبل ثور اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا : (لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه) وعن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه فقال : قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار : ( لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه) ؟ فقال : ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ؟ قال الله تعالى في الآية 40 من سورة التوبة : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
ومكث النبي وأبو بكر في الغار ثلاث ليال ثم خرجا وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حرُّ الظهيرة فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : ( يا معشر العرب .. هذا جدكم الذي تنتظرون ) فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتاً فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمسُ رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناسُ رسولَ الله ﷺ عند ذلك فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناسُ حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته : ( هذا إن شاء الله المنزل )
ثم عاد رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا : ( بل نهبه لك يا رسول الله ) فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً فطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه وهو يقول حين ينقل اللبن :
هذا الحمال لا حمال خيبر.. هذا أبر ربنا وأطهر
لا هم إن الأجر.. أجر الآخرة
فارحم الأنصار والمهاجره
أطلق على أبي بكر العديد من الألقاب منها الصديق لكثرة تصديقه لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. وأيضا العتيق ولقَّبه به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال له : (أنت عتيق الله من النار) فسمي عتيقاً .. كما لقب بالصاحب والأتقى في القرآن الكريم.. كما لُقب أبو بكر بالأواه وهو لقب يدل على الخشية والوجل من الله تعالى .
أبو بكر الصديق رضى الله عنه رزقه الله بستة أولاد ثلاثة ذكور وثلاث إناث وهم : عبد الرحمن وعبد الله ومحمد وأسماء وعائشة وأم كلثوم وفي شهر جمادى الآخرة سنة 13 هـجريا مرض الخليفة أبو بكر الصديق رضى الله عنه واشتد به المرض فلما ثقل واستبان له من نفسه جمع الناس إليه وقال : ( إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتاً لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي ورد عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمَّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي ) فتشاور الصحابة ثم رجعوا إلى أبي بكر فقالوا : ( رأيُنا يا خليفة رسول الله رأيُك ) قال: ( فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده ) ثم وقع اختيار أبي بكر بعد أن استشار بعض الصحابة على عمر بن الخطاب رضى الله عنه ثم كتب عهداً مكتوباً يُقرأ على الناس .
استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوماً حتى مات يوم الاثنين ليلة الثلاثاء 22 جمادى الآخرة سنة 13هجريا وهو ابن 63 سنة وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس وأن يدفن بجانب النبي صلى الله عليه وسلم وكان آخرَ ما تكلم به أبو بكر قولَ الله تعالى : ( توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ) .
ارتجت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق رضى الله عنه ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يوماً أكثر باكياً وباكية من ذلك المساء وأقبل علي بن أبي طالب مسرعاً باكياً مسترجعاً ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر وقال : ( رحمك الله يا أبا بكر كنت إلفَ رسول الله ﷺ وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته ) إلى أن قال : ( والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبداً كنت للدين عزاً وحرزاً وكهفاً فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد ﷺ ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك ) فسكت الناس حتى قضى كلامه ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا : صدقت .
أبو بكر الصديق رضى الله عنه بعد أن غسلته زوجه أسماء بنت عميس دفن جانب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقد جعل رأسه عند كتفي النبي وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن وألصق اللحد بقبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .