د. سيامند مزوري
دراسة في الواقع العملي والتحديات التشريعية
أصبحت التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، إلا أن هذا التطور صاحبه ظهور صور متعددة من الإساءة الرقمية، كجرائم التهديد والقذف وانتهاك الخصوصية ونشر المعلومات والصور دون إذن. وفي هذا السياق، تشهد محافظة دهوك في إقليم كوردستان – العراق ارتفاعاً مقلقاً في قضايا إساءة استخدام أجهزة الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ أصبحت هذه القضايا تشكّل ما يقارب (20%) من إجمالي القضايا المنظورة أمام المحاكم. ولم يقتصر أثر هذه الجرائم على الجانب الجزائي فحسب، بل امتد ليخلّف آثاراً اجتماعية خطيرة، تمثلت في تسجيل (175) حالة طلاق في المحافظة خلال عام 2025 نتيجة الخلافات المرتبطة بالاستخدام غير المشروع لوسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ضوء هذه التحديات، اتجه المشرّع في إقليم كوردستان – العراق إلى إصدار قانون منع إساءة استعمال أجهزة الاتصالات رقم (6) لسنة 2008، بهدف توفير الحماية القانونية للأفراد في البيئة الرقمية. وقد نصت المادة (1) من القانون على ضمان سرية وحرمة الاتصالات الهاتفية والبريدية والإلكترونية، انسجاماً مع المبادئ التي كرستها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ومن جانب آخر، حددت المادة (2) من القانون الأفعال التي تُعد جرائم بموجبه، والعقوبات المقررة لها، ومن أبرزها:
* التهديد والقذف والسب عبر وسائل الاتصال.
* نشر الأخبار المختلقة التي تؤدي إلى إثارة الرعب والذعر.
* تسريب المحادثات والصور والمقاطع المنافية للآداب العامة.
* التقاط الصور أو تسجيلها دون إذن أو ترخيص قانوني.
* إسناد أمور خادشة للشرف والاعتبار.
* التحريض على ارتكاب الجرائم أو أفعال الفسق.
* نشر أسرار الحياة الخاصة والعائلية، حتى وإن كانت المعلومات المنشورة صحيحة، متى كان من شأن نشرها الإضرار بأصحابها.
وقد رتب القانون على هذه الأفعال عقوبة الحبس لمدة تتراوح بين ستة أشهر وخمس سنوات، وغرامة مالية تتراوح بين مليون وخمسة ملايين دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وفي سياق آخر، خصّص المشرّع الكوردستاني في المادة (3) عقوبة أخف لجريمة (الإزعاج المتعمد) عبر أجهزة الاتصال في الحالات التي لا تنطبق عليها أحكام المادة (2)، وحددها بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، وغرامة مالية تتراوح بين (750) ألف دينار وثلاثة ملايين دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كما نصت المادة (4) من القانون على أنه إذا ترتب على الفعل المرتكب وفق أحكام المادتين (2) و(3) ارتكاب جريمة أخرى، عُدَّ المتسبب شريكاً فيها، ويُعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة المرتكبة. كذلك شددت المادة (5) العقوبة في بعض الحالات، ولا سيما إذا كان الجاني من أفراد القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية، أو استغل صفته الوظيفية أو اطلاعه على أسرار الآخرين بحكم وظيفته، أو استخدم جهاز شخص آخر لارتكاب الجريمة.
ومن ناحية أخرى، ألزمت المادة (6) الشركات العاملة في قطاع الاتصالات بتسجيل جميع بطاقات الاشتراك وربطها بهويات حقيقية للمستخدمين، مع التزامها بتزويد المحاكم بالمعلومات اللازمة عند الاقتضاء، وفرضت على الشركات المخالفة غرامة مالية تتراوح بين (50) و(100) مليون دينار.
وبناءً على ما تقدم، يتميز القانون بشموليته النسبية في تجريم صور متعددة من الإساءة الرقمية، وبصرامة العقوبات التي تجمع بين الحبس والغرامة المالية، فضلاً عن تحميل شركات الاتصالات مسؤولية قانونية مباشرة، الأمر الذي يسهم في الحد من ظاهرة التخفي خلف الهوية المجهولة.
إلا أن القانون، رغم أهميته، لا يخلو من بعض أوجه القصور، إذ صدر عام 2008 قبل ظهور معظم منصات التواصل الاجتماعي الحديثة، مثل TikTok وInstagram وغيرهما، الأمر الذي جعل بعض نصوصه غير قادرة على مواكبة التطور المتسارع للجرائم الرقمية. كما يلاحظ غياب نصوص خاصة تعالج جرائم الابتزاز الإلكتروني والتنمر الرقمي بصورة صريحة، فضلاً عن ضعف الوعي القانوني لدى شريحة واسعة من المواطنين بوجود هذا القانون، واستمرار ارتفاع معدلات الجرائم الرقمية رغم سريانه، بما يكشف عن وجود فجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي.
ويضاف إلى ذلك عدم توافر عدد كافٍ من الخبراء والفنيين المختصين في مجال الجرائم الإلكترونية، وعدم تجريم البلاغات الكيدية أو الكاذبة التي قد تُستغل للإضرار بالآخرين، مما قد يفتح الباب أمام إساءة استخدام القانون ذاته.
كما ركز القانون على الجانب العقابي وأغفل بصورة مباشرة حماية حقوق الضحايا من الناحية المدنية، ولا سيما حقهم في المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية، فضلاً عن عدم تضمينه نصوصاً تكفل حماية هوية الضحية أثناء مراحل التحقيق والمحاكمة، وهو أمر تزداد أهميته في قضايا الابتزاز والتحرش الإلكتروني.
وفي ضوء ذلك، يمكن اقتراح جملة من التوصيات، من أهمها:
1- تحديث الإطار التشريعي بما يواكب الجرائم الرقمية المستحدثة، مثل جرائم التزييف العميق، والابتزاز الإلكتروني، وسرقة الهوية، والجرائم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع توفير حماية خاصة للقاصرين وتجريم الاستدراج الإلكتروني والمراسلات الضارة.
2- تطوير البنية المؤسسية من خلال إنشاء منصات إلكترونية للإبلاغ عن الجرائم الرقمية، واستحداث وحدات تحقيق متخصصة، وتخصيص خطوط ساخنة لمعالجة الشكاوى بسرعة وسرية.
3- تعزيز التوعية الرقمية والقانونية عبر إدراج الثقافة الرقمية في المناهج الدراسية، وإطلاق حملات توعوية تستهدف الأسرة والمجتمع للحد من الآثار الاجتماعية للجرائم الإلكترونية.
4- توسيع نطاق التعاون الدولي في مجال تبادل المعلومات والخبرات لمواجهة الجرائم الرقمية العابرة للحدود.
5- تطوير المنظومة القانونية والإجرائية من خلال تنظيم حجية الأدلة الرقمية وآليات حفظها، والاستعانة بالخبراء التقنيين، فضلاً عن إضافة عقوبات تكميلية، كمنع المحكوم عليه من استخدام بعض وسائل الاتصال في الحالات التي تستدعي ذلك.
وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن قانون منع إساءة استعمال أجهزة الاتصالات رقم (6) لسنة 2008 يمثل إطاراً تشريعياً مهماً لتنظيم استخدام الوسائل التكنولوجية والحد من صور الإساءة الرقمية في إقليم كوردستان – العراق، إلا أن الواقع العملي، ولا سيما في محافظة دهوك، يكشف استمرار ارتفاع معدلات الجرائم المرتبطة بالإساءة عبر الوسائل الإلكترونية، وما يرافقها من آثار اجتماعية ونفسية تمس الأفراد والأسرة والمجتمع.
وعليه، فإن تقييم مدى فاعلية هذا القانون يقود إلى نتيجة مفادها أن النصوص القانونية القائمة، رغم أهميتها، لم تعد كافية بمفردها لمواكبة التطور المتسارع في أنماط الجرائم الرقمية، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في بعض أحكامه، وتعزيز آليات تطبيقه، ورفع كفاءة الجهات المختصة بالتحقيق والكشف والردع، فضلاً عن تعزيز الوعي القانوني والرقمي لدى مستخدمي وسائل الاتصال الحديثة.
وفي الختام، يمكن القول إن قانون منع إساءة استعمال أجهزة الاتصالات رقم (6) لسنة 2008 يُعد خطوة تشريعية أساسية في تنظيم الفضاء الرقمي في إقليم كوردستان – العراق، إلا أن تحقيق أهدافه في الحد من ظاهرة الإساءة الرقمية يتطلب تحديثاً تشريعياً مدروساً، وتفعيل أدوات الإنفاذ، وتوسيع نطاق التوعية المجتمعية، باعتبار أن حماية الفضاء الرقمي لم تعد مسألة تقنية فحسب، بل أصبحت ضرورة قانونية واجتماعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار المجتمع وصون الحقوق والحريات.