سرحان محمد علي الكاكئي
لم يكن سعد يملك قارباً للصيد ولا شباكاً يرميها في مياه النهر الممتد على أطراف المدينة؛ بل كان يقضي أصيل الأيام يمشي بمحاذاة الضفة، يجمع القناني الزجاجية الفارغة التي تقذفها الأمواج نحو الطين الخشن. لم يكن يبحث عن الزجاج لإعادة بيعه، بل كان يبحث عن “الرسائل المخفية” داخلها. كان سعد يؤمن أن الناس عندما يضيق بهم الصدر، يكتبون أسرارهم التي يخافون قولها جهاراً على قصاصات ورق صغيرة، ويلقونها في جوف الزجاج ويرمونها للنهر، لعل المياه تأخذ أحزانهم بعيداً. يعود بالقناني إلى غرفته، يغسلها بماء البئر، ويمسك بملقط حديدي دقيق ليسحب الأوراق بحذر شديد دون أن تمزقها الرطوبة.في ليلة دافئة من ليالي الصيف، عثر على قنينة خضراء داكنة، غطاها الطحلب البحري كأنها عاشت في القاع لسنوات طويلة. وعندما فتحها وسحب الورقة المبللة، وجد خطاً يدوياً مألوفاً جداً كُتب بحبر أسود صامد؛ كانت الرسالة مكتوبة بخط يده هو قبل عشرين عاماً، عندما كان شاباً يافعاً يمتلئ بالطموح والأحلام!جلس سعد ينصت لصوت ماضيه من خلال الكلمات؛ كان يقرأ أمنياته القديمة في السفر، ورغبته في بناء بيت صغير يتسع لكتبه وأصدقائه، وكيف أنه كان يخشى أن تسرقه الأيام وتتحول حياته إلى روتين بارد وممل. تطلع إلى جدران غرفته الضيقة، وإلى قناني الزجاج الفارغة المحيطة به، وأدرك الصدمة الواقعية الحزينة؛ لقد تحققت كل مخاوفه، وأصبح الرجل العجوز الذي كان يخشى أن يكونه في شبابه.بكى سعد بصمت، وأعاد طي الورقة القديمة، ووضعها داخل قنينة زجاجية جديدة، ومشى بخطوات ثقيلة نحو النهر وألقى بها في عمق المياه الجارية، مدركاً لأول مرة أننا أحياناً نقضي الأعمار في البحث عن حكايات الآخرين وأسرارهم، بينما ننتظر من يعيد لنا أرواحنا القديمة التي ألقيناها في مجرى الزمن دون أن نلتفت وراءنا.