فاضل ميراني*
لو أن الاصلاح سهل، لما تحولت مسيرة حياة القائمين على إحداثه فواجهوا المصاعب و لما دفع اغلب المصلحين حياتهم او واجهوا تحديات قاتلة بسببه.
إحداث الفساد و إدامته و انتشاره لم يكن ليكون سهلا لولا ضعف البنية ولولا وجود مصالح لا يمكن تصور بساطتها و لا تصور بساطة معالجتها.
لا يحتاج النظام السليم الى دعاية دفاع عن نفسه و لا جهد اثبات سلامته كاملة او بجزء يسير فيه من فساد، فالحكم على سلامته متحصل من التفاعل بينه و بين رعاياه من الجمهور، و لا تفيد دعاية النظام الفاسد في علاج فساده بل تغلفه و تؤخر اعلان تفسخه لحين معلوم مرتبط بتهرٍ يصيب عصبه السلطوي المحكم.
الفساد و الصلاح و الافساد و الاصلاح ثانئيتان قديمتان بقدر الانسان، و تبلورهما في مصطلحين و بكل اللغات و لنفس تنوع مدلولات الوجود في حدوثهما يعني حيوية قيامهما، وهما اخطر ما يمكن ان يكونا عليه اذا ما اصابا جهاز الحكم، اقول كلاهما لان المصلحين هم في عيون و فهم الفاسدين و المفسدين اعداء و تشن عليهم حرب يمكن ان تنجح في اهدافها لارتباط مصالح انتجه الخلل القيمي( راجعوا فكرة مسرحية عدو الشعب للكاتب هنريك ابسن) و هي تبسط فكرة الصراع بين الرأي العلمي التخصصي الصائب و بين عمى المصالح و ان كان على حساب حياة الناس.
اعود لاذكّرَ بحقيقة لا ينفع معها الصمت او الاعتقاد بخلاف الواقع، من ان الاصلاح معركة من معارك في حرب طويلة، قد تبدو يسيرة بوجود صاحب قرار هو نفسه صالح و مصلح، لكن ذلك ليس كافيا ان كانت المنظومة اقوى منه في ممارسة الفساد و تأسيس الافساد.
ان موظفا او مكلفا بخدمة عامة اذا ما افسد في اجراء او قرار، فلا يصح القول ان ذلك حالة فردية وإن كانت فعلا، فهو قد اضر بكل المنظومة و ان لم تظهر النتيجة مباشرة او بسرعة.
من اخطر معارك الصلاح و الاصلاح ان يكون متبني المبدأين مدانا بالفساد و الافساد، فذلك يحدث ضررا في الاعتقاد يطال المصلحين و الصالحين الحقيقيين.
ومن اخطر المعارك ايضا، استقواء الفاسد سواء بقوة النظام لتخادم بينهما او بالنظام نفسه ان كان الفاسد يشكل عمادا من اعمدته.
لم يترك الفساد و الافساد مكانا الا و دخله و تصارع فيه مع الفطرة و السلامة و صارعه علاج الاصلاح.
ان نضال شعوبنا و منها شعب كوردستان في الاصل و في التفاصيل هو صراع مع فساد و إفساد السلطات الحاكمة و قواها المؤيدة المتخادمة معها.
الفساد عموما هو مرض موجه ضد نقيضه الذي هو الصلاح، و صلاح النظام يكون بوضع مرجعية تحاكم و قوانين عادلة، فإذا ما تم وضع و ممارسة خلاف ذلك، او وضع مرجعية صلاح تحاكمي و مخالفتها تعمدا صريحا او اختيالا فذلك هو الفساد و الإفساد.
ان استخدام اموال الدولة في شراء و استخدام السلاح ضد فرد او جماعة من الدولة او فرد او جماعة خارج الدولة وفق فهم و حيازة مصالح خاصة مخالفة للعدالة فساد.
ان زراعة النظام بمرجعيات متعددة و مراكز قوى خارج مركز مرجعية تنظر و تقيم و تحاسب وفق شروط عادلة، فساد.
ان ابرز عناصر تخلف او جهل او عدم جدية او راكبي فكرة الاصلاح عدم احاطتهم بوسائل الاصلاح التي يجب ان تتفوق على وسائل الافساد، اي ان قوى الصلاح و الاصلاح ليست كلامية وان صدرت من صالح او مصلح، فتلك رومانسية او وهم، بل مثل الصلاح و الاصلاح مثل الطب و الدواء و الطبيب الحاذق الذي يجري علاجا للشفاء.
ان كل متعلق بحياة الافراد يجب ان تخضع لفحص ادائي خاصة تلك التي تصدر من اجهزة الحكم، وبخلافه فالفساد و الافساد ينتشر الى الحد الذي لا ينفع معه علاج.
ان اصلاح العملية التعليمية و التربوية تبدأ من تقييم مستوى المعلم و الاستاذ، مستوى تعليمه و تقييم مسؤوليته و ما يجب ان يكون عليه دخله و وضع المبنى التعليمي و تجهيزاته و التخطيط لمسيرة مترابطة في حلقات مراحل التعلم.
نفس الامر ينسحب على كل الاعمال التي لها علاقة بمصالح و خدمات المجتمع.
لن تتمكن اجهزة الدولة و التي هي اولى محطات المراجعة لمعرفة صلاحها من فسادها و ادراك حجم سوس الفساد و كمية التآكل او التحول السيء و وضع برامج لا دعائية و لا بمدلولات سياسية لتلميع او تقديم فرد او طرف، و اشغال الرأي العام بمشاهد مصورة هي اقرب للتمثيل، مع ان فن التمثيل رسالة نقية و متفق عليها انها ليست حقيقية بل توجيهية.
برامج و سياسات تكون متمكنة من تقريب النص الدستوري و جعل المنبثق عنه من عمل على مقاسات الاساس.
ان مقدرات المجتمع من مأكل و ملبس و مدخل مالي، و فاتورة انفاق تظهر مدى التفاوت او التعادل او التفوق بين المتطلبات و الوارد، و منع جوانب تنشط فيها دوافع الجريمة و التنبيه و تعديل العقوبة و سريانها و اخضاع الفعل الرسمي لمعايير واضحة ضابطة واقعية تتفوق فيه على مضاد الصلاح و الاصلاح من فساد و افساد هي التي تحسم فوز الاول على الثاني و الا فالثاني هو المنتصر.
*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني