الدكتور ياسين الزيباري
كلمة العيد التي تدل على المناسبة المعينة التي تتكرر على الناس كل ّ حسب عقيدته ، وفكره ، وعمره ، ووطنه ، ومناسباته المتنوعة ، وله أعمال معينة بهذه المناسبة ، ومن ذلك الملبس والسفر ، والطعام ، والتنزه والتفكه ، والتعبد ، فماهو العمل الصحيح الذي يقوم به الإنسان وهو يمر بهذه المناسبة ، وماهو العيد الحقيقي والمجازي ، ومتى يكون الإنسان في عيد هل تكون هذه المناسبة محددة بأيام وليالي ، أم أن الحالة النفسية هي مزروعة في ذات الإنسان ، وهناك ضوابط خاصة تجعل الإنسان في عيد دائم ، وماهي جذور هذه الكلمة وكيف وصفت هذه المناسبة بطرق شتـّـى هذا ما نتناوله خلال هذه المقالة ، فأصل الكلمة أتت من ( عود ) فعل ماض ثلاثي ، وأَصْلُه ( الواو ) ، لأَنَّه مِنْ ( عَادَ – يَعُود ) ، مفرده عِيدٌ ، و مـثـَــنـــّـــاه ( عِيدان ) ، وجَمْعُه : أَعْيَادٌ ، قال ابن الأعرابي : ســُـمـّـــي ذلك لأنه يعود كل فترة بفرح مجدد ، و العِيد : كل يوم فيه جمعي أو تذكارٌ لذي فصل ( التعريفات الفقهية ، البركتي ، 1/ 155 ) و عاد بمعروفة عودا : أحسن ، و الإسم منه العائدة ، والشيء : رجع ، والمريض عيادةً : تعهده ، والبعير عوداً : هرم ، فهو عود ، و ( عادك عيد ) : أي نزل بك حزن ، ( كتاب الأفعال لابن القوطية ، ( ت: 367 هـ) ، 1/ 231 ) ، و قال القاضي عياض : سُمِّيَ بذلك ، لأَنَّه يَعُود وَيتَكَرّرُ لأَوْقَاتِه، وقد يَعُودُ بالفَرَح على النَّاس، و مِنْ باب التَّفَاؤُل ليَعُودَ ثانيةً وثَالِثةً”. ( الدر النقي ، ابن المبرد ( ت : 909 هـ) ، 2/ 273 ) ، وبالنسبة للمسلمين من الْمُسْتَحب للرِّجَال الِاغْتِسَال ، و تطييب الفم ، وَ لبس أحسن الـثِيَاب ، وقد كان بعض الخلفاء يرتدون الثياب البيض في عيد الفطر ، والحمراء في عيد الأضحى ‘ في بعض البلدان ، والتختم والتطيب ، وَسُرْعَة الإبكار وَهُوَ المسارعة إِلَى الْمصلى ، وَأَدَاء الصَدَقَات قبل الصَّلَاة ، وَ الْخُرُوج إِلَى الْمصلى مَاشِيا وَالرُّجُوع فِي طَرِيق آخر ، و سُمِّيَ عِيدًا : لاِعْتِيادِ الناسِ له كلَّ حِيـــنٍ ، ومُعاوَدَتِهِ إيَّاهُم ، ويُقال لِما يُعاوِدُ الْإنسانَ مِنْ هَمٍّ أوْ غيرِه: عِيدٌ، قال الشاعر:
أمْسَى بِأَسْماءَ هذا الْقَلْبُ مَعْمُودَا … إذا أثولُ صَحَا يَعْتادُهُ عِيدَا
( حلية الفقهاء ، الرازي ، ( ت : 395هـ) ، 1/ 88 ) والْعِيد : كل يَوْم مَسَرَّة فَهُوَ عيد وَلذَا قيل :
عيد وَعِيد وَعِيد صرن مجتمعة … وَجه الحبيب وَيَوْم الْعِيد وَالْجُمُعَة
( الكليات ، الكفوي ، (ت : 1094هـ) ، 1/ 597 )
و فـــي القرآن الكريم وردت الكلمة بلفظ العيد ، [ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ] ، ( المائدة : 114) ، ووردت (عود عيد): [كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ] ( الأعراف: 29 ) ، صفة لمصدر محذوف ، أي: تعودون عَوْدًا مثل بدئكم و {يوم الزينة} [ قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ] ( طه : 59) أي : يوم عيد كان لهم ، و في الحديث : (( اللهم أنزل علينا في أرضنا هذه زينتها )) . ( الغريبين في القرآن والحديث ، الهروي ( ت 401 هـ) ، 3/ 845 ) . وفي الإسلام هناك عيد الفطر حينما يفطر فيه الصائمون بعد إكمال شهر الصيام وعيد الأضْحَى ، و يسمــى ( عيد الله الأَكْبَر ) للتضحية بأثمن ما لدى الإنسان و هو عمل سيدنا إبراهيم عليه السلام ، ثم أنيبت الأضاحي عن البشر ، وكذلك يسمى:عيد النحر ، وكلمة ( عيد ) اسم علـــَــــــم ، منقول ، في علم النحو ، قال سويد بن غفلة : دخلت عَلَى ( علِي ّ ٍ ) ( رضي الله عنه ) يوم عيد وبين يديه خوانٌ عليه خبزُ السمراء ، و خطيفة ، و مِلْبنةٌ ، فقلت : يا أمير المؤمنين : ( خطيفة و مِلبنة يوم عيد… ! )) فقال : ( كُل ما حضر، إنما هو عيد لمن غفر له ) . ( تحفة المجد ، المقرى (ت : 691هـ) ،1/ 197 ) ، و من الأبيات الشعرية التي قيلت عن العيد :
سُرُور العِيدِ قَدْ عَـــــمَّ النَّوَاحِي … و حُــــــزْنـــــِي في ازْدِيَــــــــاد ما يَبــــِيــــــــدُ
النَّاس بالــــعِيـــدِ قَدْ سُرُّوا وقَدْ فَرِحُوا … وما فَرِحْتُ به والوَاحِدِ الصَّمَدِ
( الدر النقي ، ابن المبرد (ت : 909 هـ)، 2/ 273 ) ، وقَالَ الشاعر ( تَأَبَّطَ شَرًا ) :
يَا عِيدُ مَا لَــــكَ مِـــنْ هَــــمٍّ وَ إِيــــرَاقِ … وَ مَـــــرِّ طَيــــْـــــفٍ عَلَى الْأَهْـــوَالِ طَـــــرَّاقِ
( الدلائل ، السرقسطي ، (ت : 302هـ) ، 2/ 916 )
وقال المتنبي :
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
( ديوان المتنبي ، 1/ 46 ) ومن هنا يكون العيد الحقيقي أن لايبقى فقير محتاج في المجتمع ، و لايبقى إنسان دون أسرة ، ولايبقى أهل بلا دار ، وعمل ، ومركب ، مع الثوابت الإيمانية ، والأخلاق الدينية والعائلية ، والوطنية ، وأن يجتمع الأهل معا ً ، في مكان مستقر ، ذلك هو يوم العيد .