ملا مصطفى البارزاني… مدرسة أمة بين الأخلاق والسياسة

عرفان الداوودي

ليس من السهل اختزال شخصية بحجم الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني في عنوان أو موقف، فهو لم يكن مجرد قائد عسكري أو سياسي، بل كان مدرسة متكاملة في الأخلاق، والدبلوماسية، والحكمة، والثقافة، والاجتماع. رجلٌ صاغ تجربته من معاناة شعبه، فصار رمزًا لهويةٍ ونضالٍ وتاريخ.

في سبعينيات القرن الماضي، وخلال واحدة من أهم مراحل التفاوض بين الحركة الكردية والحكومة العراقية، تجلّت شخصية البارزاني بكل أبعادها. لم يكن يتحدث بلغة الانفعال، بل بلغة الحقائق والتاريخ، حين قال بوضوح: “نريد حقوقنا الممتدة من حمرين، وكركوك قلبها”. لم يكن ذلك مطلبًا طارئًا، بل تعبيرًا عن رؤية تاريخية وجغرافية راسخة في وجدان شعب كوردستان.

ولم يكن ذلك الموقف منفصلًا عن روح الميدان، حيث كان يتردّد في صفوف البيشمركة شعارٌ يعكس حجم التمسك بالأرض والتضحية من أجلها:
“يا حمرين يا أمرين”
أي: “إما حمرين… أو الموت”،
وهو تعبير صادق عن الإرادة التي لا تعرف التراجع، وعن ارتباط الأرض بالكرامة والوجود.

وعندما حاول الوفد المفاوض طرح فكرة تقسيم كركوك على أساس نهر الخاصة، بحجة التعدد القومي، لم يرفض البارزاني بمنطق الصدام، بل قدّم درسًا عميقًا في الدبلوماسية الرمزية. طلب سجادة صلاته، وجعل أعضاء الوفد يضعون مقتنياتهم الشخصية عليها، ثم طلب منهم استعادتها. وعندما بقيت السجادة وحدها، سألهم: “لمن هذه؟” فأجابوا: “هي لك”.

هنا تجلّت عبقرية القائد، حين قال: “هذه السجادة هي كركوك… أما ما وضعتم عليها فهو ما جلبتموه أنتم، وليس من حقه أن يحدد هوية الأرض”.

لم يكن هذا المشهد مجرد موقف عابر، بل كان تعبيرًا عن عمق الفهم السياسي لدى البارزاني، وقدرته على تحويل الحوار إلى درسٍ في التاريخ والهوية، دون أن يفقد هدوءه أو حكمته. لقد كان دبلوماسيًا بالفطرة، يعرف كيف يوصل رسالته بأبسط الوسائل وأكثرها تأثيرًا.

ملا مصطفى البارزاني لم يكن فقط قائد ثورة، بل كان أبًا روحيًا لقيم التعايش، يؤمن بأن كوردستان للجميع، وأن الانتماء لا يُلغى بالتعدد، بل يكتمل به. كان سياسيًا يوازن بين الثوابت والواقع، ومثقفًا يحمل وعي أمة، وزعيمًا اجتماعيًا قريبًا من الناس، يفهم نبضهم ويعبّر عن تطلعاتهم.

إن الحديث عن البارزاني هو حديث عن مدرسةٍ في القيادة، حيث تمتزج الأخلاق بالموقف، والدبلوماسية بالمبدأ، والقوة بالحكمة. مدرسةٌ ما زالت حاضرة في وجدان الأجيال، تُعلّم أن الحقوق لا تُنتزع بالصوت العالي فقط، بل بالعقل الهادئ، والإيمان العميق، والتمسك بالهوية.

رحم الله الزعيم الذي لم يكن مجرد اسم في التاريخ، بل كان تاريخًا يُروى… ودروسًا لا تنتهي .

قد يعجبك ايضا