​أبعد من التحالفات… نيجيرفان بارزاني يضع صمام الأمان لـ ميثاق أيار في بغداد

​ ڤينۆس بابان

​في لحظة تاريخية يتداخل فيها القلق الإقليمي المتصاعد مع تحولات دراماتيكية في السياسة الدولية، تبرز زيارة رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني إلى بغداد اليوم كحدث لا يمكن اختزاله في الأطر البروتوكولية التقليدية، فبينما يغلي المسرح الدولي على وقع عقيدة الصفقات الكبرى التي تنتهجها إدارة ترامب في عام 2026 وما يرافقها من خنق ذكي لمراكز النفوذ عبر المنافذ البحرية والمالية يخطو العراق نحو إعادة تعريف مفهوم المركزية التوافقية، إن اختيار رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي لأربيل كمحطة أولى لمشروعه السياسي متبوعاً بالتحرك السريع رئيس إقليم كوردستان نحو العاصمة اليوم يعكس وعياً عميقاً بأن السيادة العراقية لم تعد ترفاً سياسياً بل ضرورة وجودية تبدأ من التناغم الكلي بين أربيل وبغداد.
​إن التحليل العميق لهذا الحراك يكشف عن دور محوري يلعبه السيد نيجيرفان بارزاني كـ مهندس للتوازنات القلقة، فهو لا يحمل معه في بغداد ملفات الإقليم فحسب بل يحمل رؤية الدولة التي تفتقر إليها الكثير من الأطراف الغارقة في التفاصيل الظرفية ويتجلى هذا الدور بوضوح في لقاءاته المكثفة في العاصمة اليوم والتي تأتي مدعومة بموقف سياسي رصين عبر عنه الحزب الديمقراطي الكوردستاني مؤكداً أن التشاور وتقييم الأوضاع كان الهدف من الخطوات الأخيرة وليس المقاطعة حيث مثّل اجتماع نيجيرفان بارزاني مع رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي غرفة عمليات سياسية لوضع اللمسات الأخيرة على الكابينة الوزارية وضمان صياغة اتفاق إطاري يمنع تكرار إخفاقات الماضي. كما عكس لقاؤه مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني مستوىً عالياً من التنسيق المؤسساتي ، بالتأكيد على الإسراع في تشكيل الحكومة لضمان استمرارية المنجزات مع الإشادة بمنهج السوداني في اعتماد الحلول الدستورية وجاء لقاؤه مع زعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم، ليمنح هذا المسار غطاءً وطنياً جامعاً، وسط توافق صريح على تعظيم المشتركات وتذويب الخلافات.
​ رئيس إقليم كوردستان يدرك ربما أكثر من غيره، أن الأوكسجين المالي الذي يحتاجه العراق في هذه المرحلة يتطلب شريكاً كوردياً قوياً ومستقراً قادراً على طمأنة المجتمع الدولي بأن بغداد لم تعد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، إن حراكه في أروقة العاصمة اليوم يهدف إلى تحويل ميثاق أربيل الذي وُضعت لبناته في لقاء علي الزيدي بالزعيم مسعود بارزاني، إلى خارطة طريق تنفيذية تُنهي عهود ترحيل الأزمات وتواجه مخاطر العزلة الدولية عبر حلول جذرية تضمن حقوق الإقليم ومواطنيه، هو يدفع باتجاه تصفير شامل للمشاكل العالقة بالتزامن مع ضرورة تلطيف الأجواء الإقليمية واستعادة الاستقرار مما يجعل من نجاح بغداد نجاحاً لأربيل وبالعكس، هذا التوازن هو ما يحتاجه علي الزيدي اليوم ظهير كوردي مؤسساتي يحظى بمباركة القوى الوطنية والشرعية الدولية لضمان العبور بالعراق فوق ضغوط المحاور المشتعلة.
​إن المسؤولية التي تقع على عاتق رئيس الوزراء المكلف والقيادات في بغداد اليوم هي التقاط هذه الإشارة بذكاء تاريخي فالدبلوماسية التي يقودها السيد نيجيرفان بارزاني هي الجسر الوحيد الذي يربط ضفتي الاستقرار والسيادة، لقد انتهى زمن المماطلة الاستراتيجية وبدأ زمن الحلول الجراحية التي تتطلب شجاعة في التنفيذ وصدقاً في الالتزام بالدستور.

إن التكامل الذي نشهده اليوم بين رؤية المرجع في أربيل وحراك المهندس في بغداد يضع القوى السياسية أمام فرصة ذهبية لصياغة عقد اجتماعي جديد لا يُبنى على توزيع الغنائم، بل على تأمين مستقبل الأجيال القادمة في ظل دولة تحترم تنوعها وتوظف ثقلها الجيوسياسي لخدمة مواطنيها من البصرة إلى زاخو.
​إن هذه الكلمات ليست مجرد تحليل عابر بل هي رسالة أمل وثقة أوجهها إلى السيد رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وإلى كافة القوى السياسية العراقية.. إن التاريخ لا يخلّد الذين برعوا في إدارة الخلافات بل أولئك الذين امتلكوا شجاعة بناء المشتركات، رئيس إقليم كوردستان في بغداد اليوم بلقاءاته التي تجمع الحكمة والمؤسساتية والسياسة هو الضمانة الحية بأن الممكن السياسي ينبثق من صدق الإرادات لا من فرض الإملاءات ومع كل التحديات الجسيمة، فإننا ننظر بعين التفاؤل والرجاء لا التشاؤم منتظرين أن تثمر هذه الجهود واقعاً أجمل يليق بتضحيات هذا الشعب فاجعلوا من ميثاق أيار 2026 حصناً يحمي كيان الدولة من عواصف الخارج وليكن ميزان السيادة هو الحكم والفيصل، نحن ننتظر الأفضل لأننا نثق ببوصلة الحكماء وبأن أربيل وبغداد رئتان لجسد واحد إن تعافت إحداهما تنفس الآخر الصعداء وإن تعثرتا ضاع المبتغى، الكرة الآن في ملعبكم وصناعة التاريخ تنتظر قراركم.

قد يعجبك ايضا