ماهين شيخاني
مقدمة: الحرب التي كسرت توازن المنطقة
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها بوساطة أو هدنة مؤقتة. ما يجري اليوم هو زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل الشرق الأوسط من جديد، ويهدد بإسقاط التوازنات التي حكمت المنطقة منذ عقود.
الحرب لم تُحسم، والمفاوضات لم تنجح، لكن شيئاً واحداً بات واضحاً:
إيران التي عرفناها قبل 2026 لن تعود كما كانت.
النظام الإيراني يقف اليوم أمام أخطر اختبار وجودي منذ قيام الجمهورية الإسلامية. الضربات العسكرية، الاختراقات الاستخباراتية، الانهيار الاقتصادي، وتصاعد الغضب الشعبي، كلها وضعت طهران في لحظة تاريخية حرجة. لكن السؤال الأكثر خطورة لا يتعلق بإيران وحدها، بل بما سيأتي بعدها.
فحين تهتز دولة بحجم إيران، لا تسقط وحدها… بل تهتز معها خرائط، وحدود، وتحالفات، وشعوب بأكملها.
وفي قلب هذه العاصفة يقف الكورد، مرة أخرى، بين احتمالين قاتلين:
إما أن يتحولوا إلى شركاء في صناعة الشرق الأوسط الجديد، أو إلى ضحايا جدد لتفاهمات القوى الكبرى.
أولاً: الحرب لم تعد عسكرية فقط… بل حرب استنزاف على شكل المنطقة
الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن إسقاط النظام الإيراني بالكامل ليس عملية عسكرية سهلة، بل مشروع مكلف قد يفجر المنطقة لعقود. لذلك يبدو أن الاستراتيجية الحالية لا تقوم على “الاحتلال” بقدر ما تقوم على إنهاك إيران وتحويلها إلى دولة عاجزة.
الهدف الحقيقي ليس فقط تدمير البرنامج النووي، بل كسر المشروع الإيراني الإقليمي بالكامل:
تفكيك نفوذ طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
تحويل إيران إلى دولة منشغلة بأزماتها الداخلية.
إنهاء قدرتها على تهديد إسرائيل والخليج.
إعادة رسم ميزان القوى الإقليمي تحت الهيمنة الأمريكية.
لكن في المقابل، تدرك طهران أنها إذا خسرت نفوذها الخارجي، فإن سقوطها الداخلي سيصبح مسألة وقت. ولذلك تقاتل اليوم بعقلية “المعركة الأخيرة”.
لهذا تبدو المنطقة عالقة في ما يمكن تسميته بـ “الحرب المجمدة”:
لا سلام حقيقياً.
لا حرب شاملة.
لا قدرة على الحسم.
ولا إمكانية للعودة إلى ما قبل الحرب.
إنها حرب إنهاك طويلة… يدفع ثمنها الشرق الأوسط كله.
ثانياً: إيران ما بعد الحرب… أربع خرائط محتملة للانهيار
المشكلة في سقوط الأنظمة العقائدية ليست لحظة السقوط نفسها، بل ما يأتي بعدها.
إيران ليست مجرد دولة عادية، بل إمبراطورية نفوذ ممتدة عبر عشرات الميليشيات والعلاقات المعقدة. وأي تصدع فيها سيخلق فراغاً مرعباً.
السيناريو الأكثر واقعية اليوم ليس “الانتصار الأمريكي الكامل”، بل تفكك تدريجي للدولة الإيرانية:
اقتصاد ينهار.
مؤسسات تفقد السيطرة.
صراع داخل الحرس الثوري.
قوميات تتحرك.
وأقاليم تبدأ بالبحث عن خلاصها الخاص.
وهنا تبدأ أخطر مرحلة في تاريخ المنطقة.
لأن انهيار إيران لن يكون شبيهاً بسقوط نظام عربي تقليدي، بل أقرب إلى تفكك اتحاد ضخم متعدد القوميات والمذاهب.
ولهذا تخشى واشنطن نفسها من “النجاح الكامل”.
فالفوضى الإيرانية قد تنتج:
موجات لجوء هائلة.
حرباً أهلية.
صراعاً فارسياً–قومياً.
انفجاراً مذهبياً.
وخرائط جديدة تمتد من الخليج حتى الأناضول.
ثالثاً: الكورد أمام الفرصة الأخطر في تاريخهم الحديث
كل تحول كبير في الشرق الأوسط كان يحمل للكورد احتمالين دائماً:
إما مكسب تاريخي… أو كارثة تاريخية.
واليوم يعود المشهد نفسه بشكل أكثر تعقيداً.
إذا ضعفت إيران فعلاً، فإن رۆژهلات (كوردستان إيران) ستكون أول منطقة تتحرك سياسياً وشعبياً. فالقضية الكوردية هناك ليست قضية ثقافية فقط، بل قضية قومية مكبوتة منذ عقود.
لكن هنا تكمن المفارقة المرعبة:
أي تحرك كوردي داخل إيران قد يُنظر إليه من قبل القوميين الفرس كـ “خيانة وطنية” في لحظة انهيار الدولة.
وهذا قد يفتح الباب أمام موجة عنف قومية خطيرة ضد الكورد، حتى من أطراف إيرانية معارضة للنظام نفسه.
أي أن الكورد قد يجدون أنفسهم بين نارين:
نار النظام الإيراني.
ونار القومية الفارسية المتطرفة.
رابعاً: لماذا سيكون “اليوم التالي” أخطر من الحرب نفسها؟
المشكلة ليست فقط في سقوط إيران… بل في الفراغ الذي سيأتي بعدها.
تركيا ستدخل بقوة لمنع أي كيان كوردي جديد.
العراق سيخشى انتقال العدوى القومية.
النظام السوري سيحاول استعادة ما خسره.
الميليشيات ستبحث عن مناطق نفوذ جديدة.
والقوى الكبرى ستبدأ بتقاسم النفوذ.
أي أن الكورد لن يدخلوا مرحلة “التحرر”، بل مرحلة صراع إقليمي مفتوح على مستقبلهم.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
هل يملك الكورد مشروعاً موحداً لليوم التالي؟
للأسف، المشكلة الكوردية لم تكن يوماً فقط في قوة الأعداء، بل أيضاً في الانقسامات الداخلية، والتنافس الحزبي، وارتهان بعض القوى لمشاريع الخارج.
ففي اللحظات التاريخية الكبرى، لا يكفي أن يكون لديك “حق”.
يجب أن تمتلك أيضاً:
وحدة سياسية.
رؤية استراتيجية.
مؤسسات قوية.
وتحالفات ذكية.
خامساً: الشرق الأوسط الجديد… هل يولد على حساب الكورد أم بمشاركتهم؟
ما يجري اليوم ليس مجرد حرب على إيران، بل بداية لإعادة هندسة الشرق الأوسط كله.
هناك خرائط جديدة تُناقش:
مناطق نفوذ.
أنظمة حكم جديدة.
تحالفات إقليمية.
وممرات طاقة وتجارية.
وفي كل مرة يُعاد فيها رسم الشرق الأوسط، يُطرح السؤال الكوردي من جديد… ثم يُؤجل.
القوى الكبرى تنظر للكورد غالباً كقوة وظيفية:
حليف عسكري عند الحاجة.
وورقة ضغط في التفاوض.
ثم ملف قابل للمساومة لاحقاً.
وهذا أخطر ما يواجه الكورد اليوم.
لأن الرهان الكامل على الخارج دون بناء مشروع داخلي متماسك قد يحول أي مكسب مؤقت إلى كارثة طويلة الأمد.
الخاتمة: هل يتعلم الكورد من التاريخ هذه المرة؟
التاريخ الكوردي مليء باللحظات التي اقترب فيها الحلم… ثم ضاع بسبب الانقسام أو سوء قراءة التحولات الكبرى.
واليوم يعود الشرق الأوسط كله إلى لحظة إعادة تشكيل جديدة.
إيران تضعف.
المنطقة تهتز.
التحالفات تتغير.
والخرائط القديمة لم تعد مستقرة.
لكن أخطر ما يمكن أن يفعله الكورد الآن هو انتظار المعجزة، أو الاعتقاد أن انهيار خصومهم يعني تلقائياً انتصارهم.
الفرص التاريخية لا تكفي وحدها.
من لا يمتلك مشروعاً موحداً، يتحول في النهاية إلى ضحية لمشاريع الآخرين.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
“هل تسقط إيران؟”
بل:
هل يملك الكورد أخيراً رؤية سياسية تنقذهم من تكرار المأساة نفسها… حين تأتي لحظة الشرق الأوسط الجديد؟