كركوك في سوق النخاسة

الكاتب: صلاح بكر

في ليلة من ليالي بغداد المقمره حيث تُحاك الصفقات في غرف مغلقة تفوح منها رائحة القهوه المره والتبغ الفاخر.. اجتمع اصحاب الصفقات السياسية. ليس لتبادل القصائد، بل لرسم خارطة جديدة للمناصب. حيث تباع المدن وتشترى المناصب في سوق النخاسة السياسية.
على طاولة المفاوضات، وضعت قيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني، وريث المجد الذي تبخر، مدينة كركوك – قدس الأقداس الكوردية – كقطعة نرد في لعبة قمار خاسرة،كانت الصفقه تبدو في ظاهرها انتصاراً وهمياً… التنازل عن منصب محافظ كركوك لصالح الجبهة التركمانية، مقابل دعم مرشح الاتحاد الوطني ليعتلي كرسي رئاسة الجمهورية.لكن وكما هو الحال دائماً في بغداد، الشيطان لا يكمن في التفاصيل فحسب، بل يجلس على رأس الطاولة مبتسماً.

فعلا! تخلت قيادة الاتحاد الوطني عن كركوك، تلك المدينة التي لطالما تغنوا بها في خطاباتهم الرنانه ليحصلوا على سراب في بغداد. لقد خسروا الرهان السياسي بامتياز، في صفقة وصفتها أطراف كوردستانية بحق بأنها “مشبوهة ولا تخدم مصالح شعب كوردستان”. لقد شقت قيادة الاتحاد الوطني الصف الكوردستاني، وكسرت الإجماع التاريخي الذي كان يقتضي أن يكون منصب رئيس الجمهورية للكورد بالتوافق، أسوة برئاسة البرلمان للسنة ورئاسة الوزراء للشيعة.

لكن مهلاً، هل المرشح المدعوم هو حقاً فارس الأحلام الذي سيقود السفينة؟ الرجل الذي كان مجرد سكرتير لدى المرحوم “مام جلال”، يجد نفسه فجأة على قمة الهرم. هنا تتجلى عبقرية مخطط اللعبة الماكرة. فهذا الرئيس، الثعلب الذي لا ينام، لم يدعم المرشح حباً في سواد عينيه، بل لأن المرشح يمثل الحلقة الأضعف. إنها خطة مدبرة بعناية، تشبه لعبة الشطرنج البطيئة: دعم المرشح للرئاسة ليصبح نائباً له، يقف خلف العرش كالظل الطويل، يهمس في الآذان، يحرك الخيوط بخفة، مستغلاً براءة الرجل وخبرته المحدودة، ومنتظراً اللحظة المناسبة ليخطو خطوته إلى الأمام.

وهكذا، في نهاية هذه المسرحية التراجيكوميدية، سيجد الاتحاد الوطني نفسه خالي الوفاض، فقدوا كركوك، وسيفقدون رئاسة الجمهورية لاحقا، والأنبل من ذلك، انهم فقدوا ثقة الشارع الكوردستاني بعد أن مزقوا وحدته. إنها باختصار، قصة كيف تبيع مدينة تاريخية لتشتري مقعداً من خشب هش، سرعان ما سينكسر تحت وطأة الدهاء السياسي.

ان الصفقة التي تمت بين هذه الأطراف تكشف عن حقائق مرة وعن طبيعة السياسة العراقية المعاصرة. فالاتحاد الوطني، الذي كان يُفترض أن يحافظ على مصالح الكورد والإجماع الكوردستاني، تنازل عن أحد أهم رموزه السياسيه والجغرافيه. كركوك لم تكن مجرد محافظة، بل هي تمثل الطموح الكوردي التاريخي والحق الكوردي المشروع.

في المقابل، ما حصل عليه الاتحاد الوطني،منصب رئاسة جمهورية لمرشح ضعيف، لا يملك التجربة السياسية الكافية، ولا يتمتع بالقوة اللازمة للدفاع عن مصالح الكورد في أعلى مستويات الدولة. إنها صفقة خاسرة من كل الجوانب.

أما الشارع الكوردستاني، فقد رفض هذه الصفقة بشدة، معتبرة إياها خيانة للمبادئ الكوردستانية وخروجاً عن الإجماع الذي يجب أن يسود بين الأحزاب الكوردية. فالمبدأ الذي طالما تمسك به الكورد هو أن القرارات الكبرى تتخذ بالتوافق والإجماع، لا بالمناورات والصفقات السياسية الخاسرة.

قد يعجبك ايضا