التأخي / حبيب سالم
أظهر تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال الأسوأ عالميا من حيث حرية الصحافة، حيث يصنف الوضع في معظم الدول العربية بين “صعب” و”خطير جدا ” .
وقال مسؤولون في “مراسلون بلا حدود” إن “الصحافة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عالقة بين مطرقة قمع الأنظمة الاستبدادية وسندان عدم الاستقرار الاقتصادي المستمر”. وأضافوا أن الضغط الاقتصادي أصبح أحد أبرز التهديدات، حيث يدفع وسائل الإعلام إلى الرقابة الذاتية أو التبعية لجهات سياسية أو مالية، مما يقلص التنوع الإعلامي ويهدد استقلاليتها .
وحذرت المنظمة من أن الاعتداءات على الصحفيين، سواء بالاعتقال أو الدعاوى القضائية أو حتى الخسائر البشرية في مناطق النزاع، تستمر في جعل ممارسة المهنة “عملا خطيرا” في معظم الدول العربية.
وأكدت أن هذا الوضع يحرم ملايين المواطنين من الحصول على معلومات موثوقة ومستقلة .
ويأتي هذا التقييم في وقت يشهد فيه العالم تدهورا عاما في حرية الصحافة، لكن المنطقة العربية تظل في مقدمة المناطق الأكثر تأثرا بالقيود السياسية والاقتصادية معا .
وتحت عنوان “حرية الصحافة في العالم تواجه أسوأ أزمة منذ ربع قرن”، أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” الخميس أن الوضع العالمي لحرية الصحفية في العالم دخل مرحلة “صعبة” للمرة الأولى في تاريخ مؤشرها السنوي، بعد أن هبط المتوسط العالمي للدرجات إلى ما دون 55 نقطة .
وقالت المنظمة غير الحكومية التي تتخذ من باريس مقراً لها إن أكثر من نصف دول العالم الـ180 المشمولة في التقرير باتت الآن في فئتي “صعبة” أو “خطيرة جداً”، في تراجع تاريخي يعكس ضغوطاً اقتصادية وسياسية وقانونية غير مسبوقة. وأضافت أن هذا التدهور يمثل أدنى مستوى تسجله المنظمة منذ إطلاق المؤشر قبل خمسة وعشرين عاما تقريبا .
وأرجعت “مراسلون بلا حدود” السبب الرئيسي في هذا الانخفاض إلى الضعف الاقتصادي الشديد الذي يضرب قطاع الإعلام .
ووفقاً للتقرير، يعاني أكثر من 160 بلداً من عدم قدرة وسائل الإعلام على تحقيق الاستقرار المالي، مما أدى إلى إغلاق العديد من المنصات المستقلة وتحول مناطق واسعة إلى ما يُسمى “صحارى إعلامية” .
وقالت آن بوكاندي، مديرة التحرير في المنظمة، “يمثل المؤشر الاقتصادي العامل الرئيسي الذي يخفض السجل الإجمالي للبلدان. وسائل الإعلام أصبحت عالقة بين محاولة ضمان استقلاليتها من جهة، والسعي إلى الحفاظ على استمراريتها الاقتصادية من جهة أخرى ” .
وأضافت بوكاندي أن “تركز الملكية والضغوط من المعلنين والممولين يهددان استقلالية الصحافة في كثير من الدول، حتى في الديمقراطيات التقليدية ” .
وأكدت المنظمة أن أكثر من 4.25 مليار شخص، أي أكثر من نصف سكان العالم، يعيشون الآن في دول تُصنف فيها حرية الصحافة بأنها “خطيرة جداً”، وهو رقم تضاعف خلال السنوات الخمس الماضية فقط. في المقابل، يعيش أقل من 8 في المئة من سكان العالم في دول تُصنف فيها الحرية بأنها “جيدة” أو “مقبولة ” .
ووصفت المنظمة هذا الواقع بأنه “مقلق للغاية” لأنه يهدد حق الجمهور في الوصول إلى معلومات موثوقة ومتنوعة .
وشددت بوكاندي على أن “الخط الأحمر تم تجاوزه هذا العام”، محذرة من أن الضغوط الاقتصادية ليست مجرد أزمة مالية عابرة، بل تمثل تهديداً وجودياً للصحافة المستقلة. وأشارت إلى أن تزايد الاعتقالات التعسفية والدعاوى القضائية المسيسة، إلى جانب التهديدات الأمنية في مناطق النزاع، يفاقم من صعوبة عمل الصحفيين .
وأكد مسؤولون آخرون في المنظمة أن التدهور لم يقتصر على الدول الاستبدادية، بل طال أيضا دولا غربية شهدت تراجعا ملحوظا في المؤشر الاقتصادي، خاصة مع انتشار ظاهرة إغلاق الصحف المحلية وصعوبة كسب الصحفيين لقوتهم من المهنة. وأضافوا أن انتشار المعلومات المضللة والدعاية الرقمية يزيدان الأمر تعقيدا في ظل ضعف الإعلام التقليدي .
وأصدر التقرير قبيل اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف الثالث من مايو، وسط دعوات عاجلة من “مراسلون بلا حدود” للحكومات والمؤسسات الدولية إلى اتخاذ تدابير ملموسة .
ودعت المنظمة إلى إصلاحات قانونية تحمي الصحفيين من الملاحقات التعسفية، وإلى وضع نماذج تمويل مستدامة وشفافة لوسائل الإعلام المستقلة .
وحذرت المنظمة من أن استمرار هذا التدهور قد يؤدي إلى تقلص التنوع الإعلامي بشكل خطير، مما يفتح المجال أمام سيطرة أكبر للأصوات السياسية والتجارية على تدفق المعلومات .
وأكدت أن حرية الصحافة ليست رفاهية، بل ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي يسعى إلى الشفافية والمحاسبة العامة .