مروان صباح
وسطَ هذا الضجيج اللغوي الذي تتردد فيه مفردات من قبيل “الصراحة” و“الجرأة” و“المباشرة”، تبدو هذه التسميات ـ على كثرتها ـ خاوية من معناها الفعلي على أرض الواقع ، إذ يغدو الجوهر ، في كثير من الأحيان ، مفرّغًا على نحوٍ شبه مطلق من حسّ العلاقة ، سواء في بعدها العام أو في امتدادها الشخصي ، وكأن اللغة ، بدل أن تكشف الحقيقة ، صارت ستارًا كثيفًا يحجبها ، فيما تتآكل في الداخل قدرة الإنسان على بناء انتماءٍ حقيقي يقوم على الفعل لا الادعاء ، فالانتماء في أي علاقة لا يُقاس بكلمة عابرة ولا يُختزل في وعودٍ رخوة ؛ إنه يُختبر في موقف ، في لحظةٍ حاسمة تنكشف فيها طبائع النفوس وتُعرّى الأقنعة ، فالعلاقة التىّ لا تمرّ عبر امتحان الفعل تظلّ عالقة في هامشٍ باهت من الضجر ، ذلك الضجر الذي يمكن تسميته ـ دون مبالغة ـ بسرطان الروح ؛ إذ يتسلل ببطء ، يفتك بالحيوية ، ويحوّل الألفة إلى عادةٍ جوفاء . ومع ذلك ، ليس الضجر طارئًا بلا سبب ، فالإنسان يدخل علاقاته وهو يدرك ، في أعماقه ، أن كثيرًا منها لن يبلغ الصورة التىّ رسمها خياله ، لكن قوة الاعتياد والخوف من الفراغ تدفعه إلى الاستمرار ، فالضجر ليس المشكلة ، بل الاستجابة له هي المشكلة ، وهنا يتقاطع هذا المعنى مع جدلٍ فلسفي طويل ، تنازعته تيارات الوجودية والرومانسية والتشاؤمية ، كلٌّ منها يحاول تفسير هذا التعلّق الإنساني بما لا يرضي . غير أن هذه المصطلحات ، على عمقها ، قد تتحول إلى فخاخٍ ذهنية حين تُتخذ ذريعة للركون والكسل ، فباسم “الوجودية” مثلًا ، قد يُبرَّر الاستسلام لفراغٍ داخلي ، وباسم “الرومانسية” يُغذّى الوهم ، بينما تنتهي “التشاؤمية” إلى شللٍ كامل ، وهكذا ، بدل أن تكون هذه المفاهيم أدواتٍ للفهم ، تصبح مربعاتٍ مغلقة يُسجن فيها العقل ، وليس غريبًا أن يتفاقم هذا الكسل في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ، حيث تقلّصت الحاجة إلى الجهد الجسدي والذهني معًا ؛ فالإنسان الذي كان يُشغّل جسده وعقله في تفاصيل يومه ، بات اليوم يستعيض عن ذلك بمحفزاتٍ خارجية ، وكأن نشاطه الطبيعي قد سُلب منه ، وهكذا يتسع الضجر إذا لم تستخدم الحداثة بذكاء الذكاء ، لا كحالةٍ عابرة ، بل كأفقٍ ممتد بلا نهاية . ومن المفارقات اللافتة أن هذا الضجر لا يمنع الناس من السعي المتكرر إلى لقاءاتهم الاجتماعية ، التىّ كثيرًا ما تتحول إلى طقوسٍ رتيبة ، ومع ذلّك ، يظهر في تلك اللحظات شيء من الوعي الطفولي ؛ يشبه حال طفلٍ يُنتزع منه النوم في ليلة العيد ، مترقبًا ثيابًا جديدة أو هديةً صغيرة ، في تلك الليلة ، وقبل أن تتبدد الأحلام مع الصباح ، يعيش شعورًا كثيفًا بأن الحياة غنية ومليئة بالإمكانات ،لكن ، كما في الطفولة ، سرعان ما يخفت هذا الإحساس حين تصطدم التوقعات بسطح الواقع . من هنا ، لم يكن رفض بعض المفكرين للوجودية والرومانسية رفضًا اعتباطيًا ، بل جاء بوصفهما ـ في بعض تجلياتهما ـ أشكالًا من الخداع الذهني ، أو محاولاتٍ لتجميل الفراغ بدل مواجهته ، فالحقيقة ، في نظرهم ، لا تُستمد من التصورات ، بل من الأفعال . وعليه ، تبقى المواقف وحدها الشاهد الأكثر صدقًا على حقيقة الإنسان ، فالكلمات قد تُتقن التمويه ، أما الفعل فيفضح الجوهر ، وحتى ما يُستهلك يوميًا من أعمالٍ ترفيهية ، كالمسلسلات مثلًا ، قد يُنظر إليه بوصفه آلية لتعزيز الكسل العقلي ، حين تتحول إلى نصوصٍ تُعيد إنتاج السطحية وتُغذّي وعياً جمعياً خاملاً ، أشبه بمصدر ماءٍ يتسرّب إليه السمّ دون أن ينتبه الشاربون ، ومع الزمن ، يعتاد كثيرون هذا “السمّ الناعم”، حتى يصبح الخمول جزءًا من طبيعتهم ، لا حالةً طارئة عليهم . في نهاية الأمر ، ليست المشكلة في العلاقات ولا في الأفكار بحد ذاتها ، بل في الكيفية التىّ نعيش بها الاثنين : هل نبحث عن حقيقةٍ تُختبر بالفعل ، أم نكتفي بوهمٍ يُريحنا من عناء المواجهة ؟ ، بل خلاصة الخلاصات ، فالضجر هو لحظة انكشاف الفراغ،أما الكسل العقلي فهو قرار بالبقاء فيه