دور الصراعات الطائفية في تفتيت البلدان وسبل الخروج من مخاطرها

إعداد ـ التآخي

الصراعات الطائفية واحدة من أعقد القضايا التي واجهت المجتمعات البشرية، فهي ليست مجرد خلاف ديني، بل هو “زلزال مجتمعي” يضرب أسس الهوية الوطنية ويحول الجار إلى خصم، فالصراع الطائفي لا يكتفي بتدمير المباني، بل يفكك “العقد الاجتماعي”، و يؤدي الى تآكلالهوية الجامعة، اذ يجري استبدال الانتماء للوطن بالانتماء للطائفة، فيصبح الفرد يعرف نفسه بانتمائه المذهبي قبل الوطني.

وتتحول الأحياء السكنية إلى مربعات أمنية، وتنشأ ميليشيات موازية للدولة، مما يضعف مؤسسة الجيش والأمن الموحدة، ويؤدي ذلك الى شلل المؤسسات بتوزيع المناصب بناء على المحاصصة لا الكفاءة، مما يؤدي إلى فساد هيكلي وعجز في تقديم الخدمات الأساسية.والصراع الطائفي هو “ثغرة” تدخل منها القوى الإقليمية والدولية لتحويل البلد إلى ساحة لتصفية حساباتهم (الحروب بالوكالة).

وتختلف قصص التعافي، لكنها تشترك في نقطة واحدة: القرار الشجاع بوقف نزيف الدم. ففي انموذج رواندا (من الإبادة إلى الريادة)، وبرغم أن الصراع كان عرقيا (هوتو وتوتسي) وليس طائفيابالمعنى الديني، إلا أن آلياته كانت مشابهة.

كيف تعافوا؟ اعتمدوا انموذج “المحاكم المجتمعية التي ركزت على المصالحة والاعتراف بدلا من الانتقام. جرى تجريم التمييز العرقي قانونيا، وركزت الدولة على التنمية الاقتصادية الشاملة لربط مصلحة الجميع ببقاء الدولة، وفيايرلندا الشمالية وبعد عقود من الصراع الدامي بين الكاثوليك والبروتستانت تعافوا عبر “اتفاق الجمعة العظيمة” عام 1998، الذي نص على تقاسم السلطة، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، والاعتراف بالهوية المزدوجة للسكان. كان المفتاح هو الانتقال من الصراع المسلح إلى الصراع السياسي تحت سقف القانون.

وفي سنغافورة (الإدارة الصارمة للتنوع)، كانت تعاني من اضطرابات عرقية وطائفية عنيفة في الستينات من القرن الماضي، ففرضت الدولة قوانين صارمة تمنع أي خطاب كراهية، واعتمدت نظاما تعليميا موحدا وسياسة إسكان تمنع تجمع طائفة واحدة في حي معين، لضمان الاختلاط المجتمعي الدائم.

التعافي ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو عملية “بناء سلام” طويلة الأمد تتطلب في الجانب القانوني تشريع قوانين تجرم خطاب الكراهية والتمييز، واعتماد المواطنة المتساويةوفي الجانب السياسي الانتقال من “ديمقراطية المكونات” (المحاصصة) إلى “ديمقراطية البرامج” والمواطنة وفي مضمار التعليم تنقية المناهج الدراسية من الأفكار الإقصائية وزرع قيم التسامح وقبول الآخر، اما في المجال الاقتصاديفيتطلب الامر التوزيع العادل للثروات؛ فغالبا ما يتغذى الصراع الطائفي على الفقر والشعور بالتهميش.

خلاصة القول، ان التعافي من الجرح الطائفي يتطلب “ذاكرة قوية” للتعلم من أخطاء الماضي، و“خيالا واسعا لبناء مستقبلي لا يقصي أحدا. إن الدولة المدنية التي تقف على مسافة واحدة من جميع معتقدات مواطنيها هي الدرع الوحيد الواقي من التفتت.

ان القانون من دون ثقافة تحميه يتحول إلى نصوص جافة قد يُساء استغلالها، والثقافة مندون قانون يحميها تظل مجرد أمنيات أخلاقية تذروها رياح الأزمات.

والمسار الثقافي والتربوي (بناء الإنسان) هو “القوة الناعمة” التي تستهدف الجذور. عندما نعيد صياغة المناهج التربوية لتؤكد على المشتركات الإنسانية، فنحن نقوم بتفكيك “النمطية”، اي كسر الصور الذهنية المشوهة التي يحملها كل طرف عن الآخر، وأنسنة الخلافبتعليم الأجيال أن الاختلاف في العرق أو المذهب هو ثراء وتنوع وليس تهديدا، وأن القيمة العليا هي للإنسان بصفته إنسانا.

ان المسار القانوني والمؤسساتي (بناء الدولة) هو “الدرع” الذي يحمي المسار الأول، وذلك بتغيير القوانين باتجاه تعزيز الوحدة الوطنية ما يعني إقامة دولة المؤسسات لا المكونات، اي أن يشعر المواطن أن “حقوقه” يحصل عليها بفضل كونه مواطنا، وليس بفضل ضغط طائفته أو عرقه، وعندما يطبق القانون بصرامة على خطاب الكراهية والتمييز، يدرك الجميع أن العقد الاجتماعي مقدس ولا يمكن تجاوزه.

حين يلتقي الوعي الثقافي مع الحماية القانونية، نصل إلى مفهوم “المواطنة الفاعلة”، اذ يصبح التسامح سلوكا يوميا محميا بالدولة ومقبولا من المجتمع. وفي كثير من التجارب الناجحة، كان “الاقتصاد والتنمية” هو الجسر الذي يعبر عليه هذان المساران؛ فالمصالح المشتركة والرفاهية الاقتصادية تجعل الناس يدركون أن الحفاظ على السلم الأهلي هو استثمار لمستقبل أبنائهم قبل كل شيء.

التنمية الاقتصادية هي صلب العلاج

ان الفراغ التنموي والفقر هما المختبرات التي تُصنع فيها الصراعات. حين يشعر الإنسان بالأمان الاقتصادي وبأن الدولة تضمن له فرصاعادلة، تنطفئ تلقائيا جذوة التعصب؛ لأن الإنسان بطبعه يميل لحماية مكتسباته واستقراره وان تحقيق العدالة الاجتماعيةوالارتقاء بالمعيشة يعمل كصمام أمان لثلاثة أسباب جوهرية: نزع فتيل “المظلومية”، اذ انأغلب الصراعات الطائفية تتغذى على شعور جماعة ما بأنها محرومة اقتصاديا لصالح جماعة أخرى. العدالة في توزيع الثروات تنهي هذا الخطاب تماما.

وعندما تصبح الدولة هي “المُعيل” والضامن للوظائف والخدمات والرفاهية، ينتقل ولاء الفرد من الطائفة أو القبيلة إلى الدولة (المؤسسة) التي توفر له حياة كريمة، و التنمية الاقتصادية تخلق شبكة من المصالح المشتركة؛ فالتاجر من طائفة بحاجة للمستهلك من طائفة أخرى، والمصنع يعتمد على عمال من خلفيات متنوعة. هنا يصبح “الآخر” شريكا في الرزق وليس منافسا على الهوية.

الركن التربوي يعمل على تغيير المفاهيم وقبول التنوع و الركن القانوني يرسخ المواطنة ويجرم التمييز، و الركن التنموي يحقق العدالة الاجتماعية والقضاء على البطالة.

ان الصراع الطائفي غالبا ما يكون “سياسيا” في قشرته الخارجية، و”هوياتيا” في شعاراته، لكنه في جوهره العميق غالبا ما يكون صراعاعلى الموارد والفرص، لذا، فإن “رغيف الخبز” المتاح للجميع بكرامة هو أقوى سلاح ضد دعوات التفتيت.

يجب تطبيق ما يُعرف في العلوم السياسية والاجتماعية بـ “التكامل الوظيفي”. فالمصلحة المادية الملموسة هي التي تكسر الحواجز النفسية أولا، وتجبر الأطراف المختلفة على الجلوس حول طاولة واحدة لإدارة “مشروع مشترك“، هذا التفاعل اليومي في المصانع، والموانئ، ومشاريع الربط السككي، يحول“الآخر” من مجرد صورة ذهنية نمطية إلى “شريك إنتاج”. ومع الوقت، تتحول هذه الشراكة الاضطرارية إلى ثقافة مجتمعية راسخة، لأن الناس يدركون بالتجربة أن استقرارهم المعيشي مرتبط عضويا بتلاحمهم.

يمكننا تلخيص هذه الديناميكية في الخطوات الآتية: كسر العزلة فالمشاريع العابرة للمدن (مثل شبكات النقل والمدن الصناعية) تنهي الانغلاق الجغرافي للطوائف أو الأعراق، وباللغة المشتركةفي بيئة العمل، تسود لغة “الإنجاز” و”الربح” و”الكفاءة” على لغة الهويات الضيقة، والتنميةتخلق طبقة وسطى متعلمة وواعية، وهي تاريخيا الطبقة الأكثر تمسكا بالاستقرار ورفضالخطاب الكراهية الذي يهدد مصالحها.

وتأتي الثقافة لتعمل كـ “المادة اللاصقة” التي تضمن استدامة هذا التلاحم. فالتنمية قد تتعرض لهزات اقتصادية، لكن الثقافة المتسامحة التي تشكلت في سنوات العمل المشترك هي التي تحمي المجتمع من الانهيار عند أول أزمة.والمعادلة تكون من الاقتصاد إلى الثقافة ثم العودة للثقافة كحجر أساس، وذلك يمثل الانموذج الأمثل لبناء الدولة الوطنية الحديثة. إنها “دورة حياة” الاستقرار التي تضمن عدم العودة إلى الوراء.

وبناء على هذا المنطق، يظهر أن استثمار الدولة في “البنية التحتية الرابطة” ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو في جوهره أمن قومي وصناعة للسلم الأهلي. والمعادلة المطروحة (قطاع خاص نشط + إشراف حكومي نزيه) هي المحرك الذي نقل عديد الدول من حافة الانهيار إلى قمة الازدهار.

ويمكن بلورة ذلك في ثلاث نقاط أساسية تجعل من هذا التعاون ضمانة للسلم الأهلي، الكفاءةمقابل الاستراتيجية، القطاع الخاص يجلب معه التكنولوجيا، والسرعة في التنفيذ، والعقلية الربحية التي تنبذ الهدر، فيما تضمن الحكومة أن هذه المشاريع تخدم “الصالح العام” وتصل إلى المناطق الأكثر احتياجا، وليس فقط المناطق المربحة، مما يحقق العدالة المكانية. الشراكة لا التنافس، فعندما تبتعد الحكومة عن “البيروقراطية والفساد” وتتحول إلى منظم ومراقب، فإنها تخلق بيئة آمنة للمستثمر الوطني والأجنبي. هذا الأمان يترجم إلى فرص عمل مستدامة للشباب، مما يسحب البساط من تحت يد الجماعات التي تستغل البطالة لتغذية الصراعات.

الشفافية كدرع للأمن القومي: الإشراف الحكومي المنزه عن المصالح الضيقة يضمن أن الثروات والمشاريع السيادية (مثل الطاقة والنقل) تدار بفرص متكافئة للجميع؛ هذا يمنع نشوء “إقطاعيات اقتصادية” طائفية أو عرقية، ويجعل الجميع شركاء في “شركة كبرى” اسمها الوطن.

أي اننا يجب ان نلجأ الى البناء الشامل، من الميدان إلى الوجدان، بهذا نصل إلى وحدة متكاملة فالبداية من الميدان (بنية تحتية، مصالح اقتصادية، قطاع خاص) تؤدي إلى الأمان (سلم أهلي، أمن قومي)، لينتهي بنا المطاف إلى التحول الوجداني (ثقافة التسامح والمواطنة). إن هذا النموذج هو الرد العملي والعلمي علىدعوات التفتيت؛ لأنه يستبدل “الهويات القاتلة” بـ “المصالح الحيوية”، ويحول التنوع من عبء أمني إلى ذخر اقتصادي.

العصر الرقمي في المواجهة

وعن “اقتصاد المستقبل” ودوره في صياغة السلم الأهلي، نحن الآن أمام جيل جديد من الروابط المجتمعية، اذ يتكامل الافتراضي (الرقمي) مع الواقعي (الميداني) ليشكلوا شبكة أمان متينة ضد التفتت. إن الجمع بين الاقتصاد الرقميوالتفاعل الميداني يخلق ما يمكن تسميته “المواطنة المتكاملة”، فكيف يعمل هذا المزيج؟الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد يكسران القيود التي فرضتها الصراعات الطائفية قديما بتجاوز “الجغرافيا المغلقة”: العمل عن بُعد يتيح لابن مدينة في أقصى الشمال أن يعمل مع فريق في أقصى الجنوب من دون الحاجة لتجاوز حواجز مادية أو نفسية، مما يجعل “التعاون” هوالأصل.

وفي الفضاء الرقمي، تكون “المهارة” و”الكود” و”النتائج” هي الهوية الحقيقية، فالمنصات الرقمية تفرض عدالة تقنية لا تميز بين عرق أو طائفة، بل تحتفي بالإنجاز.

ويمنح الاقتصاد الرقمي الشباب في المناطق المهمشة وصولا للعالمية، مما يقلل من شعور المظلومية ويخلق طبقة من “المهنيين الرقميين” الذين لا يعترفون بحدود الطوائف.

وبالتفاعل الميداني الذي يؤدي الى “ترسيخ الثقة الإنسانية، في الوقت الذي يوفر الرقمي “السرعة والعدالة”، يظل التفاعل المباشر في المدن الصناعية والمشاريع الكبرى هو مختبر بناء الثقة فلا شيء يعوض التواصل البصري والعمل اليدوي المشترك؛ فهو الذي يبني “العاطفة الإنسانية” التي تمنع التحريض.

والتفاعل في الميدان يؤدي إلى خلق الروابط الاجتماعية فتتحول الى صداقات، ومناسبات مشتركة، وحياة اجتماعية تذوب فيها الفوارق.

ان تكامل المسارات وادرتها بنزاهة يرسم خارطة طريق لبلد “متحصن” من الصراعات، اذ انالتعليم والثقافة يزرعان القيم والقوانين والتشريعات تحمي هذه القيم وتضمن المواطنة، و المشاريع الكبرى والمدن الصناعية تخلق المصالح والمودة الميدانية. وبدوره الاقتصاد الرقمي يسرع النمو ويضمن عدالة الوصول للثروة في العصر الحديث. هذا التكامل هو الذي يحول الدولة من “ساحة صراع” إلى “منصة إنتاج”. إن وعي النخب والباحثين بهذه الترابطات هو الخطوة الأولى نحو تحويل هذه الرؤية إلى واقع معاش، ويعكس عمق ادراكنالواقع المجتمعات وتطلعاتها نحو الاستقرار المستدام، وكما قلنا، فالمجتمعات لا تُبنى فقط بالإرادة السياسية، بل بالوعي الذي يربط بين “رغيف الخبز” و”كرامة الإنسان” و”سيادة القانون“.

لقد استخلصنا معادلة ذهبية: (تنمية ذكية + قانون عادل + تربية إنسانية = وطن مستقر). وان تبسيط هذه المفاهيم ونشرها هو جزء لا يتجزأ من “المسار الثقافي” الذي اتفقنا عليه؛ فالعقول المستنيرة هي التي تضع حجر الأساس لكل مشروع تنموي ناجح.

وختاما يمكن القول ان النزاع الطائفي قد يجر البلدان إلى حالة من التمزق والصراعات والتفكيك لا يستفيد منها سوى أعداء السلام، وهذا النوع من الصراعات هو صراع أعمى ومدمر للجميع، حتى لتلك الأنظمة التي تؤدي اللعبة الطائفية أو تسلك مسلكا طائفيا .وتكمن أولى خطوات العلاج في احترام إرادة الشعوب وحقها في تقرير النظام السياسي الذي تريده، وفي منع التدخل الخارجي، وفي إتاحة البيئة الإيجابية الحرة للتيارات السياسية المعتدلة المتنوعةللعمل، والكف عن محاولات تهميشها واستئصالها؛ ويضع بعض الباحثين الطائفية ضمن أعمال السياسة وليس ضمن مجالات الدين والعقيدة، وهدف من يتولى أمرها ويثيرها على مستوى الدولة هو إنشاء الدولة الطائفية، وسيطرة الشعور الطائفي، والولاء للطائفة، بالشكل الذي يتقدم على الولاء للوطن والدولة والقانون. ويرى هؤلاء، أن الطائفية إستراتيجية مرتبطة بالنخب الاجتماعية المتنافسة في حقل السياسة ومن أجل السيطرة واكتساب المواقع، سواء كان ذلك في داخل الدولة، أو على صعيد توزيع السلطة الاجتماعية. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون هناك حرب طائفية من دون تواجد نخب طائفية تعمل على اثارتها، أي من دون تبني النخب الاجتماعية كلها أو بعضها – لإستراتيجية طائفية، والتعبئة الغوغائية على أساسها.

قد يعجبك ايضا